الفرضيات الكارثية لـ"الصحوة الإسلامية"

الاثنين 2015/11/02

أطلقت “الصحوة الإسلامية” المزعومة خلال سنوات الستين والسّبعين من القرن الماضي عدّة وعود وشعارات تجييشية وتهييجية ألهبت الهمم وأشعلت الفتن، من قبيل إعادة الخلافة، ووحدة المسلمين، وتطبيق الشريعة، والقرآن دستورنا، والإسلام رايتنا، وجيش محمد سيعود، إلخ، لكنها في منطلقاتها النظرية استندت إلى خمس فرضيات واضحة ومتهافتة أيضا. هذه الفرضيات سنحاول أن نعرضها على بساط النقد المنطقي، وسبيلنا في ذلك “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” البقرة 111:

الفرضية الأولى: انهيار الحضارة الغربية سيكون حتميا ووشيكا.

الفرضية الثانية: سينهار الغرب بسبب الطابع المادي للحضارة الغربية (النزعة المادية).

الفرضية الثالثة: سينهار الغرب بسبب الانحلال الأخلاقي للمجتمعات الغربية (النزعة الإباحية).

الفرضية الرابعة: سينهار الغرب بسبب الحرب التي ستشتعل بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي (الحرب العالمية الثالثة).

الفرضية الخامسة: انهيار الحضارة الغربية ستعقبه فرصة سانحة لنهوض الحضارة الإسلامية.

الاستنتاج: انهيار الحضارة الغربية حتمية تاريخية ومصلحة إسلامية.

هذا في مستوى الفرضيات النظرية، أو لنقل الأطروحات المرجعية، أو لنقل الأساطير المؤسسة لما يسمى بالصحوة الإسلامية، فماذا عن المستوى العملي؟

لا شك أن العقل الذي يتشبع بفكرة أن انهيار الحضارة الغربية حتمية تاريخية ومصلحة إسلامية سرعان ما ينتقل إلى ممارسة هذه القناعة بشتى الطرق والوسائل. وهكذا كان.. وصولا إلى ظاهرة الإرهاب العالمي.

طبعا لن نتكلم الآن عن الالتباس الذي وقع فيه الكثير من اليساريين، من حيث الخلط بين انهيار الرأسمالية الغربية وانهيار الحضارة الغربية، التباس ساهم في استقواء الإسلام السياسي في آخر المطاف، لا سيما بعد تعديل القاموس السياسي. وهو التعديل الذي بدأته الحالة الإيرانية ثم استلهمته أجواء ما يسمى بالصحوة الإسلامية: الاستكبار العالمي بدل الإمبريالية العالمية، اليهود بدل الصهيونية، الجهاد بدل النضال، تغيير المنكر السياسي بدل الإصلاح السياسي، القومة بدل الثورة، المستضعفون بدل الشعوب، إلخ. والآن، ماذا عن الفرضيات الخمس؟

“حتمية انهيار الغرب”: في أجواء الحربين العالميتين وأزمة 1929 تشكلت فرضيات حول قرب انهيار الحضارة الغربية، فرضيات صاغها بعض المفكرين الغربيين، على رأسهم شبينغلر، واستهوت الكثيرين ممن تداولوها بلا ذكاء ولا إبداع على طريقة أنسخ وألصق، بل تداولوها على طريقة علامات الساعة (النساء الكاسيات العاريات، مثلا).

لكن، بمعزل عن المواقف الغريزية فقد ظل السؤال عالقا: ما هي مؤشرات انهيار حضارة ظلت منذ منتصف القرن العشرين إلى غاية اليوم الأكثر احتراما للتعددية والتداول السلمي للسلطة ومسائل البحث العلمي والإبداع الفني والحريات الفردية والمساواة الجنسية وحقوق الأقليات إلخ؟ ما هي مؤشرات انهيار حضارة لا تزال إلى غاية الآن تمثل الأفق الكوني لكل الحالمين بالهجرة؟ ثلاثة مؤشرات مزعومة موهومة: النزعة المادية، والنزعة الإباحية، والحرب العالمية الثالثة.

“انهيار الغرب بسبب ماديته”: ليس هناك من شك في أن توصيف الغرب بأنه مجرد حضارة مادية خالية من الروح هو أكبر خديعة في العصر الحديث، وإلا فكيف لحضارة أنتجت أروع السيمفونيات الموسيقية في العالم أن تكون مادية بلا روح؟ كيف لحضارة أنتجت أقوى النصوص الفلسفية في مسائل الوجود والزمان والفينومنولوجية أن تكون مادية بلا روح؟ كيف لحضارة أنتجت معادلات ماكسويل، ومفارقات جورج كانتور، والهندسات اللاأقليدية، وارتيابية هيزنبرغ وماكس بلانك، ونسبية أينشتاين، ونظرية العوالم الممكنة، أن تكون حضارة مادية بلا روح؟ إذا كانت قوة الروح لا تظهر في الفلسفة والموسيقى والرياضيات النظرية فأين ستظهر إذن؟

“انهيار الغرب بسبب إباحيته”: أما موضوع الإباحية فتكفي مقارنة بسيطة بين مظاهر التحرش الجنسي في مختلف العواصم والمجتمعات شرقا وغربا شمالا وجنوبا حتى تنكشف أوهامنا المثيرة للسخرية.

“انهيار الغرب بسبب الحرب العالمية الثالثة”: ولا شك أن هذا الرهان السوداوي قد انتهى مباشرة بعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.

“صعود الإسلام بسب انهيار الغرب”: وهذا ما اصطلح عليه البعض باسم سنّة التدافع الحضاري. فالإسلام عندهم هو الأحق بقيادة البشرية، لا لسبب مقنع سوى لأنه “خاتم الرسالات” ولا لمبرر معقول سوى لأن الأمة الإسلامية هي “خير أمة أخرجت للناس” لكن، في الوقت الذي كان فيه أنصار ما يسمى بالصحوة الإسلامية يرقبون انهيار الغرب حتى تصعد حضارة المسلمين كانت الهند والصين تشقان طريق الصعود من دون حاجة لانتظار “سقوط الغرب”. وهذا درس للمغفلين.

لعلي قلت هذا سابقا، ولعلي أحتاج لإعادة قوله مجدّدا: حتى وإن سقط الغرب لأي سبب من الأسباب (المال، الجنس، العقم، الانتحار، الحرب، فيروس خرافي، لعنة من السماء، إلخ) فلن تنهض أي حضارة أخرى دون اعتماد مكتسبات الحداثة والتنوير، بكل ما يعنيه ذلك من استيعاب وتطوير لقيم العقل والمساواة والحريات الفردية وحقوق الإنسان، قيم البحث العلمي والتطلع إلى إعمار الفضاء وتحسين نوعية الحياة وحماية التنوع البيولوجي وترسيخ وحدة النوع البشري.. عدا هذا سيكون الأمر مجرّد كارثة كونية بكل المقاييس.

13