الفرقة السمفونية العراقية تصر على عزف لحن البقاء

أعضاء الفرقة يعزفون بكلّ جوارحهم، ولا يثنيهم عن شغفهم ما يعيشه البلد، لكن بعض المقاعد الخالية تشي بأن رفاقا لهم تركوا الفرقة، بعدما توقّف رواتبهم.
الأربعاء 2018/08/15
من يهتم بالموسيقى والموسيقيين

في صالة يغطيها الغبار تستخدم صباحا لتدريبات رقص الباليه في بغداد، يسعى المايسترو محمد أمين عزّت إلى بث روح الحماس في عازفي الفرقة السمفونية الوطنية العراقية، الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثمانية أشهر

بغداد – أمام مكيف واحد للهواء يصارع درجات الحرارة المرتفعة خلال فصل الصيف، يقود المايسترو محمد أمين عزّت البالغ من العمر 57 عاما فرقة من أربعين عازفا في مقطوعة للمؤلف الروسي موديست موسورسكي، استعدادا لحفل في الثامن عشر من أغسطس بالمسرح الوطني في بغداد.

يقبل أعضاء الفرقة على العزف بكلّ جوارحهم، ولا يثنيهم عن شغفهم ما يعيشه البلد من اضطرابات. لكن بعض المقاعد الخالية تشي بأن رفاقا لهم تركوا الفرقة، بعدما توقّفت رواتبهم، ضمن إجراءات واسعة ترمي إلى مكافحة الفساد.

يبلغ راتب الموسيقي 600 ألف دينار شهريا (500 دولار) وراتب قائد الفرقة 1250 دولارا، وتبلغ التكاليف الإجمالية للفرقة 85 ألف دولار شهريا، وهو مبلغ بسيط لا يقارن بالمبالغ الكبيرة التي اختلسها مسؤولون كبار قبل أن يُقالوا أو يُسجنوا أو يفروا.

وبموجب الإجراءات الأخيرة، لم يعد ممكنا أن يتقاضى أجرا عن العزف في الفرقة سوى من ليست لديه وظيفة أخرى في أحد القطاعات الحكومية.

وبذلك، فقدت الفرقة ثلثها، أما الباقون فهم من المتقاعدين من وظائف أخرى أو من العاملين في القطاع الخاص أو ممن يقتصر دخلهم على العزف مع الأوركسترا. لكن هؤلاء أيضا لم يتقاضوا أجورهم منذ ثمانية أشهر، بسبب البطء في الإجراءات الرسمية.

يقول عزّت “الفرقة السمفونية في خَطر، اُنظر لا يوجد إلا ثلث الفريق” الموسيقي.ويؤكد أن عازفيه لا يملكون المال لحضور التمارين، والكثير منهم مصابون بالإحباط.

الفرقة السمفونية الوطنية العراقية تأسست عام 1970، وقد نجت من الاضطرابات التي مرت بها البلاد على مدى أربعين عاما خلت. لكنها اليوم أمام خطر حقيقي على وجودها

ويضيف “نحن على حافة الهاوية لكننا سنقاوم (…) من خلال ما نقدّمه من موسيقى”.

تأسست الفرقة السمفونية الوطنية العراقية عام 1970، وقد نجت من الاضطرابات التي مرت بها البلاد على مدى أربعين عاما خلت. لكنها اليوم أمام خطر حقيقي على وجودها، وهو ما يشعر به عازفو الفرقة.

غير أن رئيس الشؤون الإدارية في وزارة الثقافة العراقية رعد علاوي أكّد أنه “ليس هناك سبب للخوف” وأن الرواتب “ستدفع قريبا”. وأوضح “طلبت وزارة المالية عقودا رسمية مصدقة من قبل وزارتنا، وإجراءات التحقق جارية، وهذا ما يفسر التأخير في دفع الرواتب”، مؤكدا أن “الفرقة واجهة فنية للبلد” والوزارة “تحترم فنانيها وإبداعهم”.

لكن العازفين في الفرقة يتخوّفون من أن تكون هذه الوعود مجرّد كلام.

يعتبر سعد الدجيلي البالغ 57 عاما، وهو أستاذ في الطب وعازف فلوت، أن قرار وقف الرواتب “عبثي”.ويقول “أنا طبيب توليد وعازف عود منذ الصغر، أُكمل عملي العلمي من خلال مهنتي الفنية، وأتمنى الاستمرار”.

وبينما يتواصل العزف أثناء التدريبات تنقطع الكهرباء، كما هو الحال في عموم العراق، لكن هؤلاء العازفين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 عاما و75 عاما، يواصلون العزف مستخدمين أضواء هواتفهم المحمولة على صفحات الألحان أمامهم.

تقول دعاء ماجد العزاوي وهي عازفة “أوبوا”، “أنا وأبي موسيقيان، وإن توقّفت الأوركسترا، ستكون ضربة قاتلة للثقافة”.

مع عودة الضوء إلى قاعة العزف، يتصاعد الحماس مجددا لدى العازفين. تقول نور، وهي ابنة قائد الفرقة وعازفة على الطبل “ستعيش الموسيقى طالما نحن على قيد الحياة، إنها ثقافتنا”.

24