الفرق بين الإصلاحيين في المملكة والشعب

الثلاثاء 2016/01/26

أنت لا تريد أن تطعن في الشرفاء الذين يحملون الرؤى الحقيقية، والأمانة النبيلة في القضايا التي يحاربون من أجلها، أنت كمواطن متحضر ومثقف لا تريد أن تسلب منهم تلك البطولة، التي هم على كامل الاستعداد للدفاع عنها باستقامة، مهما اختلفت آراؤنا الفكرية والشخصية عنهم، ومهما اكتشفنا يقينا بأننا لا نتفق معهم في الكثير من النصوص والقضايا التي يتم طرحها ويريدون البدء في تطبيقها، دون أن يفكروا هل هذا تحديدا ما يريده بقية الشعب؟

السؤال الذي يقلقني منذ فترة، ينطلق من أن هناك العديد، خاصة في المجتمع السعودي، ممن يحملون عددا من القضايا التي تأمل التغيير السياسي الجذري، والمنازلة بشأن التشدد القبلي والعقائدي، إلى جانب تحسين صورة المرأة والبحث عن حقوقها الضائعة، فيما أن البعض من عامة الشعب لا يريد أن يخرج من إطار مجتمعه، ولا يميل إلى مطالب هؤلاء الإصلاحيين، لأنها لا تشكل الرؤية التي يمكن له الاستفادة منها. لذلك لا يتفاعل الكثيرون مع القضايا التي يشعرون أن لا طائل منها.

المواطن السعودي يأمل في الإصلاح في العديد من القطاعات الحكومية، شأنه شأن بعض دول الخليج، في حين أن الإصلاحيين يحاربون من أجل أفكار وعقائد ملهمة، لكن لنكن أكثر وضوحا، فأنا أراها نخبوية إلى حد كبير، تلك المطالب لا يستسيغها المهمشون أو العاديون، لا تدفع أحدا منهم إلى المواجهة، أو حتى التسليم بها ولو وجدانيا، مثل هذه الأفكار تبدو إلى حد كبير من اهتمام أساتذة الجامعة وعلماء الجيولوجيا والمهتمين بالآثار والدراسات اللغوية، هؤلاء يسعون على الدوام إلى تحويل المجتمع السعودي المحافظ إلى دولة أفلاطونية جدا، أن تكون معدة لكي تصبح وطنا ديمقراطيا برلمانيا حقيقيا.

أكثر دول الخليج انفتاحا سياسيا وبتاريخ عريق نحو الديمقراطية، هي دولة الكويت من دون منازع، ورغم كل هذه الحرية والانفتاح السياسي والتي كفلت للمواطن الكويتي حق المشاركة والانتخاب والمحاسبة أيضا، وهو ما يمكن لنا تلمسه من خلال المشاهدات عبر أجهزة الإعلام، ثبت مدى قدرة الشعب على المواجهة والتدخل في مختلف أمور الدولة، حيث تستهويه السياسة أكثر من أي شيء آخر، ولكن في مقابل ذلك هي دولة غير منتجة، معظم الشعب لا يرغب في العمل الحكومي، أو بسبب عدم وجود ما يكفي من أعمال لممارستها، فأصبحت الدوائر الحكومية مكاتب من دون أعمال ومن دون موظفين أيضا، حتى انتبهت الحكومة مؤخرا إلى التسيب في أعمالها الوزارية، فوضعت في كل دائرة ومؤسسة حكومية نظام البصمة، لكي تتمكن من التحكم في مسألة التسرب الوظيفي، في حين أن دولة الإمارات على سبيل المثال، تفوقت بشكل لافت في الحد من مثل هذه الظواهر، وبدت أكثر حرصا على أهمية التطلع إلى إنتاجية الموظف، بل سعت لمراقبته من خلال ما يسمى بالموظف السري، والذي يقوم على زيارة بعض الدوائر الحكومية، وتسجيل ما يحدث من أخطاء أو عدم التزام بالقواعد المفترض على الموظفين تطبيقها.

أوطاننا العربية لا تحتاج إلى ديمقراطية، بل تحتاج ثقافة واعية، وشعبا يؤمن بأهمية التزامه في كل ما يتعلق بالأنظمة سواء في أداء عمله، أو حتى في ربطه لحزام الأمان في سيارته، وعدم اعتماده على الدولة في أن تحقق كل مبتغاه، فلم تكن الدولة مجرد “بطاقة صراف آلي”، إنما هي دولة مُلزمة بتقديم العديد من الخدمات، والمواطن ملزم بأن يقوم بكافة واجباته على أكمل وجه، حتى يمكن له بعد ذلك أن يحاكم أي وزير أو مسؤول عن تقصيره تجاه المشروعات المتأخرة.

أظن أن طريقة تفكير مواطني دول الخليج بحاجة إلى إعادة نظر، من حيث تغيير الوعي بأهمية العمل من دون انتظار أن تأتي الدولة لتقبل رؤوسهم لأنهم قاموا بالأعمال المطلوبة منهم، والديمقراطية في الكويت من وجهة نظري الشخصية، لم تفلح في إعادة ترتيب الكثير من المشاكل في وزاراتها، فهناك خلل كبير في معظم إداراتها، ابتداء من الأعمال والتشغيل والأيدي العاملة، رغم أن الحقيقة تقول إن الشعب أقوى من الحكومة بكثير، ورغم قوة الشعب وصوته البارز فلم نشهد نجاحا ملحوظا في الكويت على عكس بقية الدول، والتي لا تشهد هذا الانفتاح السياسي الكبير كذلك الذي نراه في دولة الكويت.

أما الإصلاحيون في المملكة، فالمشكلة التي لا يريدون مواجهتها، أن مطالبهم لم تكن يوما جزءا حقيقيا من مطالب الشعب، وأعني بذلك الجزء الفاعل والمؤثر من الشعب السعودي، لهذا، تصبح أفكارهم وأحلامهم خاصة بهم، والتفاعل معها لا يمكن الوثوق بنسبته.

مشاكل المواطن السعودي تأتي من خوفه الواضح من المستقبل، فهو يريد ضمانا لمستقبل الأجيال القادمة، ويريد تحسين المراكز الصحية، وتطورا أكبر في التعليم، والحصول على قروض سكنية مسهلة وميسرة، وبالتأكيد أنه يعاني مثله مثل بقية شعوب العالم من البطالة، وخاصة بعد عودة الكثير من المبتعثين والمبتعثات من الخارج، بعد إتمامهم للعديد من التخصصات ونجاح وتفوق معظمهم.

كاتبة سعودية

9