الفرق بين التنمية وأيديولوجيا الوهم

إذا شئنا وضع النقاط على الحروف، يجب على الإيرانيين أن يسألوا أنفسهم أين موقع إيران في المؤشرات العالمية، المتعلقة بالاقتصاد والأرقام القياسية.
الاثنين 2019/06/24
إيران تستنزف مواردها المالية، مقابل إنفاقها لتمويل تنفيذ مخططات قائمة على أوهام

تقتضي طبيعة عملي متابعة الصحافة الإيرانية بصفة يومية، للاطلاع على وجهة نظر طهران، وكيف يدير الملالي شؤون الحكم، وما هي الأولويات التي يضعونها في الخطاب الإعلامي الإيراني. فأجد نفسي كمتابع أمام العديد من الغرائب، وخصوصا مدى التضليل الذي يمارسه ساسة إيران، سواء تضليل شعبهم أو تضليل العالم، والترويج لصور سوداء ومشوهة للآخرين، والحرص على تجهيل الإيرانيين وزرع المخاوف في نفوسهم، والقول إن العالم بأكمله يقف ضدهم.

كما وجدتُ أن الصحافة الإيرانية الناطقة باسم أعتى نظام ديني متخلف على وجه الأرض تصف دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها بالرجعيين المتخلفين وأكلة الجراد وسكان الصحراء.

ومعلوم أن مرجعية هذه الحالة العدائية الطافحة بالكراهية ترتبط بالعنصرية الفارسية المتخلفة. والكاتب مواطن إماراتي أبا عن جد، ولم يشهد أو يعايش أكل الجراد كما يدعي الإيرانيون في صحفهم عندما يتطاولون على الإمارات.

من الغريب حقا أن تلجأ صحف ووسائل إعلام نظام همجي مثل النظام الإيراني إلى استرضاء الإيرانيين وتبرير الحالة المزرية التي يعيشونها، من خلال الترويج لأكاذيب وإلصاقها بالآخرين.

وإذا شئنا وضع النقاط على الحروف، يجب على الإيرانيين أن يسألوا أنفسهم أين موقع إيران في المؤشرات العالمية، المتعلقة بالاقتصاد والأرقام القياسية. وبالتأكيد فإن المقارنة بين الإمارات وإيران في هذا الجانب لن تكون في صالح إيران، لأن إيران هي الدولة التي تستهلك ما لديها من ثروات وعائدات لتنمية الخرافات وتسليح وتمويل العصابات الطائفية التي يتم تحريكها عن بعد لتخريب دول المنطقة.

ولتوضيح الفرق بين التنمية الصاعدة في الإمارات التي تحقق نجاحات مشهودا لها عالميا، وبين زراعة أيديولوجيا الأوهام والخرافات في إيران، نلقي القليل من الضوء على بعض الأرقام التنافسية التي حققتها الإمارات.

وليس جديدا أن تتبوأ دولة الإمارات العربية المتحدة مراكز متقدمة في المؤشرات العالمية على أكثر من صعيد حيوي في مجالات متعددة. وبالطبع فإن لغة الأرقام لا تكذب، ومؤسسات قياس الجودة العالمية لا تمنح تصنيفاتها بشكل عشوائي، وإنما بناء على معطيات من واقع الدول وطبقا لآليات علمية وميدانية دقيقة للغاية.

وتأكيدا للأرقام القياسية التي وصلت إليها الإمارات، وردت في مؤشر The Spectator Index الذي يُعْنَى بقياس مؤشرات السياسة والاقتصاد والتاريخ والشؤون العسكرية والرياضة والعلوم والتكنولوجيا، الإحصاءات التالية حول دولة الإمارات: الإمارات الأولى عالميا من حيث جودة الطرق، والثالثة عالميا من حيث جودة المطارات، وعلى مستوى إمدادات الكهرباء حققت الإمارات المركز 20، وفي نظام التعليم وصلت الإمارات إلى المرتبة التاسعة عالميا. وفي مجالات الرياضيات والعلوم وصلت إلى المرتبة الـ13، وفي حقل الابتكار وصلت إلى المرتبة الـ25، فيما بلغت المرتبة الثانية عالميا من حيث درجة الأمن. والثانية عالميا أيضا في جانب درجة الثقة الشعبية بالشؤون السياسية وقيادة الدولة.

في مجال التصنيع قد لا يعرف البعض أن الإمارات تحقق مراتب متقدمة عالميا في التصنيع العسكري وفي علوم الفضاء. وفي مجال الطاقة النووية تنافس الإمارات من حيث درجة الكفاءة والسلامة. وكل هذه المكتسبات تحسب للإمارات وللمنطقة العربية بشكل عام. وأخيرا لا ننسى أن جواز السفر الإماراتي أصبح الأول عالميا، وهذا المنجز لم يتحقق لولا أن اقتصاد الإمارات وعلاقاتها الدولية في مراتب متقدمة. فهل يجرؤ الإعلام الإيراني على مصارحة الإيرانيين بأن سكان الصحراء في الإمارات يستطيعون زيارة 173 دولة من دون حواجز أو تأشيرات؟

بعيدا عن الأرقام، بما أن البعض لم يعايش الحياة في الإمارات على أرض الواقع، يمكن للمقيم والزائر أن يلمس الجهود التي تُبذلَ من قبل كافة المؤسسات لرفع مستوى مؤشر السعادة وإرضاء المجتمع. ليس بالأقوال ولا بالشعارات وإنما بالأفعال.

كان يمكن أن تمر هذه الإحصاءات بسهولة في فترات الازدهار والسلام الجماعي، عندما يكون المحيط الإقليمي العام متجها نحو التنمية والرفاه، لكن الواقع من حولنا يشير إلى أننا لا نزال نلاحظ وجود دول تعبث بما لديها من ثروات لكي تقوم بتمويل مشروعات أيديولوجية مدمرة، بينما ينتشر الفقر في أوساط مجتمعاتها. وهذا الأمر ينطبق حرفيا على إيران، التي تجند ما لديها من طاقات في سبيل نشر الخرافات والاعتماد على تعبئة دينية طائفية. والأدهى من ذلك أن إيران تريد لخرافاتها أن تكون مسلحة بصواريخ وأنظمة عسكرية يتم تمويلها بمبالغ طائلة، يؤثر اقتطاعها بشكل حاد على نمط حياة الإيرانيين الذين وجدوا أنفسهم يعيشون تحت حكم مجموعة رجال دين لا علاقة لهم بإدارة الدولة.

والإشكالية الأخطر كذلك أن إيران لا تكتفي بتمويل ونشر الخرافات والقضايا الطائفية داخل مجتمعها فقط، بل تقر في دستورها بضرورة تصدير تلك الخرافات إلى خارج حدودها. ولديها أذرع عسكرية وتحالفات ومحاولات اختراق، تهدف إلى غرس بذور التخلف والتطرف على الطريقة الإيرانية في كافة دول المنطقة، إلى جانب اختراقات تحدث في أوساط الجاليات المسلمة في المهجر، وفي عدد من الدول الفقيرة، وعلى رأسها بعض دول أفريقيا.

كل هذا التمدد الأيديولوجي لتصدير الفوضى والمذهبية والطائفية والانقسامات يكلف الكثير من الأموال والطاقات والكوادر والخطط. لكن إيران ماضية في مشروعها التخريبي، وتمارس لتمرير هذا المشروع وتبرير تمويله من أموال الإيرانيين حملات إعلامية لخداع شعوب وأقليات وقوميات إيران المنكوبة بأسوأ نظام ديني ثيوقراطي متخلف.

وإذا أردنا أن نمنح إيران مرتبة ضمن أي مؤشر عالمي، فإنها بلا شك ستحصل على المرتبة الأولى عالميا في استنزاف مواردها المالية، مقابل إنفاقها لتمويل تنفيذ مخططات قائمة على أوهام وخرافات وتطلعات أيديولوجية ذات مرجعية دينية انقسامية.

وفي المقابل لا يتحقق على يد إيران، ومن يتحالفون معها، سوى الفقر والمرض والخراب والحروب التي تقضي على أمن واستقرار الشعوب.

ويمكن أن ننظر بسهولة إلى المشروع الإيراني في سوريا والعراق، وكيف تتحرك بأسلوب ونهج عصابة بعيدة عن إدراك قيمة الدولة والوحدة الوطنية.

على العكس من ذلك لا تريد إيران للعراق أو لليمن أو لسوريا الاستقرار في ظل دولة حديثة. لذلك تشجع الميليشيات والمجموعات الطائفية، وتدعمها عسكريا وماليا. فإيران لا تقدم لحلفائها سوى أدوات الدمار وحفنة شعارات تقودهم إلى الغرق في مستنقع الفوضى.

8