الفرق بين تونس والكويت ورفقا بالوافدين

الثلاثاء 2016/05/24

حينما كنت طالبة في جامعة البحرين، كانت هناك رحلة سنوية ينظمها قسم الإعلام للطلبة والطالبات لعدد من الدول، لأغراض عديدة منها زيارة المنشآت والمؤسسات الإعلامية في هذه الدول والتعرف عليها عن قرب، إلى جانب التعرف على ثقافات الشعوب المختلفة، وأتذكر أنه كانت هناك رحلة إلى تونس، وحينما عاد الطلبة من الرحلة الجميلة، التي كان يترأسها أستاذ تونسي خريج جامعة السوربون، قال لي “هل تعلمين أن الطلاب والطالبات دُهشوا من أنهم وجدوا أن الشعب التونسي يعمل بكافة المجالات، ابتداء من حامل الحقائب حتى موظفي الاستقبال في الفندق، وصولاً إلى العاملين في الأسواق والمواصلات العامة؟”، كان يقولها بفخر مُعلناً أن شباب تونس لا يخشى العمل في أي من المجالات والمهن المختلفة.

كان ذلك موضع فخر الأستاذ التونسي الذي تباهى ببلاده، لكنه نسي أن يذكر أن المعطيات الاقتصادية في تونس، وقتها، كانت تشير بوضوح إلى بطالة مرتفعة خاصة بين الشباب، وغليان تحت السطح نتجت عنهما بعدها الثورة ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لا أقول هنا إن البطالة هي التي تدفع الشباب للعمل في كل المهن، لكنها تلعب دورًا كبيرًا في ذلك، فلو كان المستوى الاقتصادي والدخل القومي لبلد ما مرتفعَيْن لكان من الصعب على شبابه أن يعملوا في كل المهن، وهو ما ينطبق على دول الخليج العربي بصفة عامة، وعلى الكويت كمثال أود أن أتحدث عنه في هذا المقال لأسباب سأوضحها في سطوري القادمة.

فهل تتوقع أن دولة مثل الكويت تتحمل أن تصبح مثل تونس، بأن يعمل شبابها في مختلف المهن؟ إذا ما استثنينا فئة البدون أو غير محددي الجنسية، الذين يمكن لهم العمل في أي من المهن من أجل كسب قوت يومهم، وقد تناقل الإعلام قبل عام أو يزيد صوراً لبعض الأطفال من فئة البدون في الكويت، يبيعون البطيخ أو “الرقيّة” كما يسميها الكويتيون على قارعة الطريق، بدلاً من الذهاب إلى مدارسهم وذلك لمساعدة أسرهم.

ولكن ما الرابط بين ما قاله الدكتور التونسي وتباهيه بالأيادي العاملة التونسية، وبين موضوعي الأساسي وهو الضرر القائم على الوافدين في دولة الكويت الشقيقة؟ السبب هو أنني كنت أستمع إلى بعض ما يعانيه الوافدون من قبل إحدى الصديقات، والأمر ينطبق أيضاً على ما يحدث في السعودية، والدليل قيام عدد من الشباب في تبوك شمال المملكة بالتعدي على وافد وضربه، مما أدى إلى إصابته إصابة خطيرة في إحدى عينيه، ولكن المعاناة التي يعانيها الوافدون في الكويت أظن أنها أصبحت أكثر قربا للعنصرية لأنها ليست مجرد حالات فردية بل هي أسلوب ممنهج وظاهرة غريبة عن الكويت وشعبها المضياف، فعلى سبيل المثال إحدى الفنانات الشهيرات في البرامج الكوميدية لا يمكن أن يمر أسبوع واحد من دون أن تدين أعمال بعض الموظفات الوافدات، وتقول بصريح العبارة “متى يُعطى الكويتي حقه ويترك الوافدون العمل في الدولة، وإحلال الشباب الكويتي بدلاً عنهم؟”، والحقيقة أنها تقول هذا الكلام دون أن تعي حقيقة ما تقوله ولا مدى تطبيقه على أرض الواقع.

هل من الممكن أن يعمل الكويتي أيّا من أعمال الوافدين، لا أظن ذلك؟ هل من الممكن أن يقبل الكويتي بأن يعمل حمالاً أو موظف استقبال أو حتى “كول سنتر”؟ لا أظن أن “برستيج” الكويتي أو الكويتية سوف يسمح له أو لها بالقيام بذلك؟ فما بالك بأعمال النظافة والمهن الأخرى مثل السائقين وعمال البناء والطباخين.

من وجهة نظري الشخصية، على الفنانين في دول الخليج والدول العربية أن يبتعدوا في الحديث تماماً عن السياسة ويتفادوا تقديم تصريحات عنصرية، وينسحب ذلك على الطائفية أيضاً. الحمية الوطنية جميلة حينما تكون في مكانها، ولكن من المؤسف أن ترى مقطع فيديو لفنانة تدين تصرفات الوافدين، حتى أنها قامت بتصوير سيارة أحدهم حينما أغلق الطريق على سيارتها، وما إن خرج لتحريك سيارته حتى اعتذر لها بشكل مهذب، ولكن يبدو أنها لا تتقبل وجود أي من الوافدين في وطنها، أو أن تتم معاملتهم كما يعامل المواطن، رغم أن هذا ما صرح به وزير الداخلية قبل عام، بأن الجميع سواء والاحترام قائم للمواطن وللوافد.

أعرف أن ما يقوم به البعض تصرف فردي، لكن علينا أن نعترف بأن دول الخليج لا تزال بحاجة إلى وجود الوافدين للعمل لديها، وأنها غير مستعدة حالياً لكي يعمل أبناؤها في جميع المهن، فلنحترمهم جزاكم الله خيراً، ولنبتعد عن إهانتهم حتى لو كان ذلك مجرد طرح رأي في فيديو قصير، ولنبتعد عن هذا التفكير البائس الذي لا طائل منه، إلا أنه يزيد الحقد بين الناس وقد ينقلب على دعاة الفتن والطائفية.

كاتبة سعودية

9