الفرنسية دو سان فال فنانة برتبة قناصة ألوان على قماشة

الاثنين 2014/11/03
"حديقة التاروت" لدو سان فال في مساحة تقدر بهكتار ونصف

باريس- حتى مطلع فبراير من السنة القادمة يخصص متحف “القصر الكبير” بباريس معرضا لنيكي دو سان فال (1930 /2002)، تلك الفنانة التي تلقب بـ”القناصة” لاستعمالها بندقية ترش بها القماشة، بشتى الألوان لخلق لوحة من طراز فريد، إنه استعمال صار سمتها المميزة، قبل أن تنتقل إلى إنجاز منحوتات عجيبة في الفضاء العام.

لم تكن التشكيلية الفرنسية نيكي دو سان فال -واسمها الحقيقي كاترين ماري- أنياس فال دو سان فال- من مؤسسي “الواقعية الجديدة” (1960 /1963)، بل التحقت بها بعد إنشائها وظلت على صلة ببعض أفرادها مثل النحات جان تينغيلي ودانيال سبويري وإيف كلاين، حتى بعد انفراط عقد المجموعة.

ولكنها كانت أشهر أعضائها على الإطلاق، بفضل جمالها الفاتن أولا، وبفضل طريقتها في إنجاز أعمالها الأولى ثانيا، حيث كانت تستعمل بندقية صيد تحشوها بالألوان لترش بها اللوحة أو “تدميها” كما تقول.

وأخيرا بفضل حضورها الإعلامي، فعادة ما ينقل عنها التلفزيون ما تواضع الفنانون على تسميته بالمأثرة، أو يستضيفها لتقديم أعمالها الجديدة للجمهور، وشرح العناصر المكونة للحساسية الجديدة التي قامت عليها الحركة.

كانت الرسامة الفرنسية دو سان فال تستعمل بندقية صيد تحشوها بالألوان لترش بها اللوحة أو “تدميها” كما تقول

تلك الحساسية، أو “التميز المشترك” كما جاء في بيان تأسيس الحركة، وكذلك “المقاربات الجديدة لإدراك الواقع” لم تحصر أعضاءها في إطار ضيق، بل تركت لهم حرية تنويع الخلق والممارسة الفنية. وبذلك أمكن لنيكي الاستفادة من المقاربة المتجددة للمدينة والمواد المعاصرة التي كان أعضاء الحركة يفضلونها، وكذلك ميل بعضهم إلى فن المآثر الوليد.

ومن ثم فإن العنف الذي تمارسه على لوحاتها هو صدى لما يعبر عنه أرمان فرنانديز (1928 /2005) في “غضب” (بصيغة الجمع)، حينما يقدم على تحطيم آلات موسيقية أو قطع أثاث، ثم يستعمل حطامها كذخائر أثرية يجمّعها في عمل فني. وهذا وجه من أوجه الطليعـــة التي جعلت من التحطيم حركة خلق.

كذلك كانت بداية نيكي، بداية فتاة متمردة على وسطها البورجوازي، وعلى والدها الفرنسي الذي حاول الاعتداء عليها جنسيا، وأمها الأميركية التي كانت تخجل من تحوّل ابنتها إلى عارضة أزياء، ثم إلى رسامة يتبدّى العنف جليا في أعمالها.

أي أن تمرّدها لم يكن فنيا صرفا، بل كان يستمدّ جذوره من طفولة ممزقة، لينعكس في أعمال بدأت بقذف القماشة بواسطة بندقية، ثم انتقلت إلى موقف المدافعة عن بنات جنسها في سلسلة من الرسوم والمنحوتات عرفت بـ”نانا” أي نساء بلغة العوام. وتتميز كلها برأس صغير وجسد ضخم وألوان زاهية، يرقصن مثل المتزحلقات على الجليد. وتلح نيكي على ذلك الحجم الضخم حتى تكون المرأة مساوية للرجل ليس في ذكائه فحسب، بل في قوته أيضا على حدّ قولها.

ورغم إيمانها بقضايا المرأة، حتى أنها أدلت ذات مرة لإحدى المجلات بأنها «تحلم بمجتمع أنثوي “ماتريركي”، تسوده النسوة»، فإنها رفضت الانضمام إلى الحركات النسوية الناشئة، لأنها كانت تريد أن تحافظ على أنوثتها، سواء في الملبس، وكانت أنيقة خلافا لنساء حركة مايو 68، أو في علاقتها بالرجل، حيث لم تكن تأنف من أن تسقيه شايا من صنع يديها حسب تعبيرها.

وجدت نيكي إذن في الفن وسيلة لنبذ قيم أهلها المحافظة، واختطت مسارا ساعدها على تفتق موهبتها. وبعد مرحلتي القذف والنساء، اكتشفت خلال زيارة لبرشلونة أعمال العبقري أنطوني غاودي، وخاصة حديقة غويل، فقررت هي أيضا إنجاز حديقة ساحرة.

ومنذ 1979 عكفت على إعداد “حديقة التاروت” في مساحة تقدر بهكتار ونصف، ببلدة كابالديو جنوبي منطقة توسكانيا الإيطالية، بمساعدة النحات السويسري جان تينغيلي الذي تزوجها بعد علاقة بدأت عند التحاقها بحركة الواقعية الجديدة، ومساندة بعض الفنانين والمتطوعين.

لو تأملنا أعمالها لاكتشفنا أن منابعها لا تقتصر على “التريشنتو” وبولّوك ودوبوفيه وماتيس، بل تنهل أيضا من الفنون الأولى، والفنون القبلية، الهندية الأميركية بخاصة

وأنجزت اثنتين وعشرين منحوتة ضخمة يبلغ ارتفاع بعضها خمسة عشر مترا، وترمز كل واحدة منها إلى ورقة هامة من لعبة “التاروت”، مثل “الباباسة” التي يسيل الماء من فمها منحدرا إلى “عجلة النصيب” وترمز إلى حدس الأنثى.

أو منحوتة “الساحر” المغلفة بالمرايا وترمز إلى الذكاء والإبداع، أو “الإمبراطورة” وهي من الكبر ما يجعلها قابلة للسكن، إذ يوجد بداخها صالون وبيت استحمام وغرفة صغيرة، إضافة إلى المنحوتات التي ترمز إلى “العالم” و”الاختيار” و”العدل” و”الاعتدال” و”القوة” و”الموت”.

هذه الحديقة الفاتنة فتحت أبوابها للزوار عام 1998، أي قبل أربع سنوات من وفاة نيكي، في وقت بدأ نجمها ينحسر، والسبب أن النقاد في عمومهم اهتموا بأصولها وجمالها بشكل فاق اهتمامهم بفنها.

فهي كما قال مدير مركز الفن الحي بغرونوبل إيف أوبتيتالو: “من بين الفنانين الذين انتشرت أعمالهم انتشارا واسعا في شكل بوستير وبطاقات بريدية وما إلى ذلك، بشكل طغى على أصحابها أنفسهم، فأعمال نيكي توحي للناس بشيء يعرفونه ولكنهم لا يعرفون شيئا عن مبدعته”.

والحال أنها فنانة فرضت حضورها في عالم يكاد يكون خاصا بالذكور وحدهم، ولو تأملنا أعمالها لاكتشفنا أن منابعها لا تقتصر على “التريشنتو” وبولّوك ودوبوفيه وماتيس، بل تنهل أيضا من الفنون الأولى، والفنون القبلية، الهندية الأميركية بخاصة، لتعطي أعمالها طابع المعابد. فقذائفها وطواطمها تعالج راديكالية في العنف لا تزال سارية المفعول.

16