الفرنسيون يتحسسون الحياة من جديد في باريس

عودة الحياة إلى وسط باريس بعد أسابيع من الحجر المنزلي للوقاية من وباء كورونا.
الجمعة 2020/05/15
الحذر واجب

باريس - وكأنهم كانوا في سجن لم يرتكبوا ذنبا ليقبعوا فيه، انطلق الباريسيون إلى الشوارع التي حرموا طوال أسابيع من الخروج إليها إلا بتصريح خاص بعد فرض الإغلاق لمواجهة تفشى فايروس كورونا المستجد.

فبعد تخفيف القيود، تدفقت حركة المرور على طول شارع الشانزليزيه في وسط باريس حيث قام العمال بتنظيف واجهات المحال قبل أن تفتح أبوابها للمرة الأولى منذ ثمانية أسابيع.

وكانت منطقة لا ديفونس التجارية في العاصمة مهجورة إلى حد كبير حيث استمر العديد من العاملين في قطاع المال في العمل من المنزل.

وانطلق قاطنو باريس وهم يرتدون الكمامات، وأياديهم معقمة بالجل  واصطف بعضهم كل منهم على بعد مسافة آمنة من الآخر أمام محال التسوق، التي لم تفتح كلها، ربما لاستمرار خوف أصحابها من الإصابة بكورونا.

وسمحت فرنسا منذ الاثنين بإعادة فتح المتاجر التي تبيع المنتجات غير الضرورية وشركات أخرى بعد أن تباطأ معدل الإصابات وانخفض عدد المرضى في وحدات العناية المركزة إلى أقل من نصف الذروة التي كان عليها في أبريل.

الأطباء في فرنسا يعتبرون أن الحفاظ على الإجراءات الوقائية أمر أساسي للتقليل من مخاطر موجة تفش ثانية للوباء

ويمكن إعادة فتح المصانع بشرط الالتزام بتطبيق قواعد السلامة وهو ما يعني أن بعض المصانع لن تعمل بكامل طاقتها. ويمكن للناس الخروج دون تصريح حكومي، باستثناء التنقلات التي تزيد عن 100 كيلومتر، والتي لا يُسمح بها إلا لأسباب مهنية أو لتشييع الجنازات أو رعاية المرضى.

وبدأ الفرنسيون يشعرون بالحرية في ممارسة الرياضة في الشوارع، أو التوجه لمصففي الشعر، أو زيارة إحدى المكتبات لتصفح الكتب واختيار ما يروق لهم منها، فالباريسيون، بل معظم الفرنسيين يعشقون القراءة.

وقال مارك موني، مصفف الشعر الذي افتتح صالونه، ”الجميع متوتر قليلا. ياللروعة! لا نعرف إلى أين نتجه ولكننا انطلقنا“. ولا شك أنها حياة جديدة غريبة بالنسبة لهم، وواقع فرضه فايروس كورونا عليهم، فهم بإمكانهم الآن ممارسة بعض مظاهر حياتهم الطبيعية، لكن مع مراعاة ضوابط لا يمكن التغاضي عنها.

وخطط عدد كبير من الفرنسيين لاستخدام الدراجات الهوائية للذهاب إلى العمل بعد رفع الحجر، ولا يفضل معظم الفرنسيين استخدام وسائل النقل العام التي تشهد اكتظاظا خصوصا خلال ساعات الذروة. وما زالت الحانات والمطاعم والمسارح ودور السينما مغلقة، حيث أعلنت الحكومة الفرنسية أنها سوف تظل كذلك حتى شهر يونيو على الأقل.

فبالنسبة لباريس، مثل ما هو الحال بالنسبة لكثير من المدن الأخرى التي تم تخفيف الإغلاق المفروض عليها في أنحاء العالم، هناك مخاوف من احتمال زيادة حالات الإصابة بكورونا، الأمر الذي يستلزم المزيد من الحذر.

وقال الطبيب المختص في أمراض الرئة والتنفس أنطوان أشقر إن الأطباء في فرنسا يراقبون الوضع بحذر مع تخفيف الحجر الصحي في البلاد.

واعتبر أشقر أن الحفاظ على الإجراءات الوقائية أمر أساسي للتقليل من مخاطر موجة تفش ثانية للوباء. وأكد أن العيادات والمراكز الطبية عادت لاستقبال المراجعين وتقديم الاستشارات الطبية مع الأخذ بإجراءات الوقاية.

وتم وضع أسهم مختلفة الألوان أمام المحال تشير إلى ممرات الدخول والخروج لتجنب أي تلامس بين روادها، كما تم تنظيم حركة الركاب في محطات المترو، فما زال التباعد الاجتماعي مهما. والحذر مطلوب، فقد شهدت باريس 40 في المئة تقريبا من إجمالي حالات الوفاة بسبب كورونا في فرنسا.

ومثل بقية دول العالم، عانت فرنسا اقتصاديا بسبب جائحة كورونا. فقد انكمش إجمالي الناتج المحلي، الذي تمثل باريس ثلثه بنسبة 5.8 في المئة في الربع الأول، وتتوقع وكالة بلومبرغ للأنباء أن ينكمش بنسبة 16.4 في المئة في الربع الثاني. وتشير التقارير إلى أن احتمال عودة الاقتصاد الفرنسي إلى ما كان عليه قبل الإغلاق بعيد للغاية.

وتقول بلومبرغ إنه إذا كان الباريسيون قادرين على التسوق في هذه الظروف، فإن الفضل يرجع إلى الدولة التي تحملت أعباء أجور 12 مليونا من العاملين الفرنسيين الذين توقفوا عن العمل، أو 6 من بين كل 10 من العاملين في القطاع الخاص. ولن يستمر هذا إلى الأبد. ففي مرحلة من المراحل عندما يمر أسوأ ما في أزمة كورونا، ويبدأ الجميع التعايش مع هذا الوضع الطبيعي الجديد، سوف تتوقع الدولة تحمل الشركات المزيد من أعباء الأجور.

وقد أظهرت إحدى الدراسات أنه من المتوقع في ظل الحالة الاقتصادية المتوقعة مستقبلا أن ينفق حوالي 40 في المئة من المستهلكين أقل من إنفاقهم الطبيعي. وكان تدفق السياح إلى باريس في الظروف العادية يدعم المستهلكين ويساعدهم في الإنفاق، لكن لم يعد هناك سياح الآن. فليس من المتوقع رؤية الـ2 مليون صيني الذين كانوا يزورون فرنسا سنويا وينفقون حوالي 4.4 مليار دولار.

وقالت وزارة الصحة الفرنسية إن الجائحة ما زالت نشطة وإن الفايروس مستمر في الانتشار، وإنه يتعين استمرار التزام الحذر.

20