الفرنسيون يخرجون الفنان فرنسوا أندريه فانسن من العتمة إلى الضوء

الاثنين 2014/06/02
أعماله تتجلى فيها براعة الربط بين المسافة والدفء

مونبلييه- يحتضن متحف فابر بمونبلييه معرضا لفنان فرنسي كان في عصره علامة بارزة، ولكن النسيان طوى خبره، ولولا مؤرخ الفن جان بيير كوزين الذي أعاد إليه الاعتبار عام 1986 في مقالة مطولة بمجلة “معرفة الفنون”، ونبه إلى قيمة أعماله المتناثرة، خصوصا تلك التي لا تحمل توقيعه، لظل في رديم مهمل.

هذا الفنان هو الفرنسي فرنسوا أندريه فانسن (1746 /1816) الذي برع في الرسم وجرب شتى أنواع التقنيات في سائر الأنماط، لم يستثن منها حتى الكاريكاتير، وترك أعمالا كثيرة ضاع أغلبها منذ مطلع القرن التاسع عشر.

ينتمي فانسن إلى الجيل الذي شهد بروز جان أونوري فراغونار وجاك لوي دفيد، إبان مرحلة كانت فنون الرسم في فرنسا خلالها منخرطة في ما عرف بـ”العودة إلى الفخامة والحقيقة”، ذلك التوجه النيو كلاسيكي الذي كانت تقوده الإدارة الملكية منذ عام 1760.

استفاد فانسن في بدايته من نصائح أستاذه جوزيف ماري فيين، وبعد أعوام التحسس الأولى، أنجز عام 1767/ 1768 لوحة متميزة هي عبارة عن بورتريه فنان في ثوب أسباني، عزاها المؤرخون في ما بعد إلى فراغونار، رغم أن أسلوبها كان أقرب إلى تقنية رمبرانت.

ولم تمض سنة حتى فاز في روما بالجائزة الكبرى عن لوحة “جرمانيكوس يهدئ فتنة”، وهي عمل أكاديمي لم يتخلص فيه الفنان الشاب بعد من تأثير أستاذه. ولم تتضح بصمته الخاصة إلا عقب إقامته بروما ما بين 1771 و1775، فخلافا لدفيد الذي اهتم بالفروق الضوئية الداكنة على طريقة كرافاج، ليضفي على لوحاته قوة درامية غير مسبوقة، آثر فانسن الفروق المضيئة والواضحة على الطريقة الرومانية والبولونية (نسبة إلى مدينة بولونيا الإيطالية) خلال القرن السابع عشر.

كما حافظ على مقاربته الكلاسيكية، مستلهما مادته من دراسته العميقة للفنون القديمة، اليونانية والرومانية ثم آثار عمالقة النهضة، وخالط الفنانين الذين كانوا يعملون على هامش التيارات المعروفة، وخاصة فناني الشمال، أي الفلندريين.

هناك التحق به فراغونار، وجابا معا أرياف روما ونابولي، وأنجزا معا عدة لوحات، دون أن ينساق فانسن وراء سلفه في أسلوبه ورؤيته الفنية. فور عودته إلى باريس، بدأ يهيّـئ لوحاته وفق المواضيع المتناولة، وكان يخطط لكل عمل يهم بإنجازه بدراسات واسعة، ومسودّات وتخطيطات دقيقة.

في أول معرض له عام 1777 قدم خمس عشرة لوحة تعكس موهبة فنان استطاع أن يلمّ بتقنيات فنون عصره ويصور من خلالها أعمالا متميزة، مثل “بليزير يضطر إلى التسول” التي تعدّ من أروع الأعمال النيو كلاسكية في تاريخ الفنون الفرنسية.

كما أبدع لوحات تاريخية، مسايرة لرغبة السلطة في إحياء الماضي، حازت إعجاب الوسط الفني مثل لوحته “مولي والمشاغبون” التي عرضها عام 1779، وتصور حلقة من التمرد الذي جدّ عام 1648، وقد ألّف فيها بين التركيب القوي الجسور، والبحث عن حقيقة تاريخية، جديدة على هذا النمط من الرسم، وكأنه كان يستبق طلب لويس فيليب الذي سيرصّع قصر فرساي بأعمال فنية كبرى وجداريات ضخمة.

جرب شتى أنواع التقنيات في سائر الأنماط حتى الكاريكاتير

وفي عام 1785 أذهل الزوار بلوحتين تصوران حلقة من التاريخ القديم، تناولهما بأسلوبين مختلفين: اللوحة الأولى كانت قريبة من أسلوب كرفاج كما رسّخها دفيد، وأما الثانية فكانت أكثر توليفا وصياغة وحرفية.

وأمام هيمنة دفيد على الساحة الفنية في تلك المرحلة، سعى فانسن الذي كان موزعا بين بالتدريس والمناصب الإدارية، إلى التميز عنه بفتح طريق نحو كلاسيكية جديدة كثيفة الألوان، شهوانية المرامي وفي الأقل محببة إلى النفس. كما عاد إلى فن البورتريه فتناوله بحرية، أي دونما تقيد بالأساليب المعروفة، إلى غاية 1815، آخر سنة في مساره الإبداعي.

هذه السلسلة من الأعمال، التي يتجلى فيها ببراعة ربطه بين المسافة والدفء، تحتوي على روائع كثيرة، كان للفنانة آديلاييد لابيّ غيار (1749 /1803) تلميذته، ثم زوجته، دور هام في بلورة أشكالها ومضامينها، مثل لوحة “غليوم تل” التي مهدت لظهور الرومانسية، وكذلك لوحة “درس في الفلاحة” التي جاءت تلبية لطلب خاص ما بين عامي 1795 و1798.

وهي عبارة عن جداريات جمع فيها بين البورتريه والمناظر الطبيعية والمشهد الحيواني والترميز والاستعارة. ورغم حالته الصحية المتردية التي منعته من تلبية طلبات كثيرة في عهد الإمبراطورية الناشئة في بداية القرن التاسع عشر، واصل الرسم حتى النهاية، بعيدا عن الكلاسيكية الجامدة، مستفيدا مما يفد من وراء الحدود من رياح تحديثية.

يعترف مؤرخو الفن بأن فرنسوا أندري فانسن كان أستاذا لامعا واسع المعرفة، ولكن انشغاله بالتدريس وبمناصب إدارية هامة في ظل سائر الأنظمة التي تعاقبت على فرنسا في تلك الفترة، جعلته يعيش على الهامش، محسوبا على المدرسة الأكاديمية الملتزمة بقواعد صارمة، ومن ثمّ كان اسمه ضامرا بالقياس إلى مجايليه مثل فراغونار أو دفيد.

كما أن أغلب أعماله لا تزال مفقودة مما يجعل مدوّنته منقوصة، برغم مساعي جان بيير كوزين للعثور عليها والتعريف بها وعرضها للجمهور، كما هو الشأن في هذا المعرض.

16