الفرنسيون يصدرون رسائل كلود ليفي شتراوس إلى والديه

اهتم عالم الاجتماع الفرنسي كلود ليفي شتراوس (1908-2009)، في بداياته بدراسة الفلسفة، غير أنه سرعان ما وجه اهتمامه إلى علم الاجتماع، بعد أن اكتشف بعد النظريات الفلسفية عن الواقع، وأيضا سقوطها في الاعتباطية أحيانا كثيرة. ألّف ليفي ستراوس عديد الكتب التي وصف فيها الأعراق البشرية واللغويات، فكان لها الأثر البليغ في مجال علم الإنسان والتحقيق الإثنولوجي الميداني.
الأربعاء 2015/09/23
حياتي هادئة إلى أقصى حد، بل أقدر أن أقول إنها رتيبة لولا الفتنة الدائمة التي تتميز بها نيويورك

من الأحداث الأدبية البارزة في الإصدارات الفرنسيّة الجديدة في خريف عام 2015، سيرة العالم الأنثروبولوجي الراحل كلود ليفي شتراوس، التي أعدّتها إيماونويل لويار، والرسائل التي كان قد بعث بها إلى والديه من نيويورك حيث أقام من عام 1940 إلى 1947.

أنهى ليفي سترواس حياته المديدة محاطا بهالة من المجد، فقد احتضنته أشهر مؤسسة جامعيّة، نعني بذلك “الكوليج دو فرانس”، وانتخب عضوا في الأكاديميّة الفرنسيّة، ونال العديد من الجوائز المرموقة تكريما للأعمال المهمة التي أنجزها في مجال الفكر، والدراسات الأنثروبولوجية.

بين قبائل الأمازون

في البداية كان كلود ليفي شتراوس المولود في باريس عام 1908، والذي ينتسب إلى عائلة يهوديّة بورجوازية، يودّ أن يكون أستاذا للفلسفة، ومناضلا اشتراكيا. لكن في عام 1934، غيّر وجهته ليسافر إلى البرازيل حيث سيمضي سنوات طويلة بين قبائل الأمازون البدائية دارسا عاداتها وتقاليدها ولغاتها. وحول ذلك ألف كتابه “مدارات حزينة” الذي سيحقّق له شهرة عالميّة واسعة.

عند عودته إلى فرنسا عام 1939، أدرك ليفي شتراوس أن حياته باتت مهددة بسبب الغزو النازي. لذا سارع بالذهاب إلى نيويورك في نفس الباخرة التي سافر على متنها عرّاب السورياليّة أندريه بروتون.

وهناك، التقى العديد من المفكرين والمثقفين البارزين الفارّين مثله من جحيم الحرب، كما عمل في معهد الدراسات الاجتماعيّة منجزا أبحاثا مهمة أخرى خوّلت له أن يتبوّأ مكانة بارزة في مجال البحوث والدراسات الأنثروبولوجية. وفي نيويورك، التقى ليفي شتراوس العالم اللغوي رومان جاكوبسون (1896-1982)، وبمساعدته تعرف على الهيكليّة وطرقها في استكشاف الاختلافات، والتماثلات داخل نظام رمزيّ.

عالم أمضى سنوات طويلة بين قبائل الأمازون البدائية دارسا عاداتها وتقاليدها ولغاتها

الأنثروبولوجيا الاجتماعية

في الولايات المتحدة الأميركية التقى ليفي شتراوس بمشاهير علماء الأنثروبولوجيا من أمثال مارغريت ميد، وألفريد كويبر. وقد ساعدته تلك اللقاءات على توسيع أبحاثه ليبتكر ما أصبح يسمى بـ“الأنثروبولوجيا الاجتماعية”. واعتمادا عليها كتب مؤلفه الآخر الموسوم بـ“البنى الأصليّة للأبوّة”، الذي أثار إعجاب سيمون دو بوفوار. وعند عودته إلى فرنسا عام 1947، لقبته الأوساط الفكرية بـ“الأميركي”.

وفي مجلة “الأزمنة الحديثة” التي كان يرأس تحريرها جان بول سارتر، أصدر العديد من أبحاثه ليحصل على المزيد من الشهرة. وفي خطاب ألقاه في “اليونسكو”عام 1952، أعلن عن تقديره الكبير للمجتمعات البدائية، مطالبا الأوروبيين بالتخلي عن احتقارهم للثقافات الأخرى، وبالاهتمام بـ“المجتمعات المتوحشة”.

رسائل حميمية

وخلال السنوات التي أمضاها في نيويورك، دأب كلود ليفي شتراوس على إرسال رسائل مفعمة بالحب والحميمية إلى والديه. وفي رسالة بعث بها لهما في الخامس عشر من شهر يونيو 1941 عبّر عن مخاوفه من الغزو النازي لباريس، ومن الاعتقالات التي طالت الكثير من اليهود في السنة المذكورة.

ومتحدثا عن حياته الجديدة في نيويورك يعلم والديه بأنه انتسب إلى معهد الدراسات الاجتماعية، وأنه يتمتع براتب يتيح له أن يعيش مطمئنا على المستوى المادي. كما يعلمهما أنه يكثر من الاستماع إلى الراديو لتحسين لغته الإنكليزية، والتعود على لكنة أهالي نيويورك، وهو لا يخرج إلاّ في أوقات نادرة بسبب كثرة مشاغله.

عند عودته إلى فرنسا عام 1939، أدرك ليفي ستراوس أن حياته باتت مهددة بسبب الغزو النازي

ويختم رسالته قائلا “الملفت للانتباه هنا هي عزّة النفس التي يتحلّى بها الشعب البسيط، ونحن لا نشعر أبدا بأيّ اختلاف في الدرجات الاجتماعيّة؛ فالذي يكنس القمامة في الشوارع يمكنه أن يتحدث إليكما من دون أيّ فارق اجتماعيّ، والجميع يتحلون بأدب كبير، وبأخلاق عالية”.

وفي رسالة بتاريخ الرابع عشر من شهر يوليو 1941، يعلم كلود ليفي ستراوس والديه بأنه يعمل كثيرا ليحصل على مبلغ مالي يضمن لهما مغادرة فرنسا والقدوم إلى نيويورك في أقرب وقت ممكن. لذلك هو بصدد التفكير في فتح مطعم برازيلي خصوصا بعد أن عاين أنه لا يوجد في العديد من الأحياء التي تجول فيها أيّ واحد منها.

ويضيف قائلا “حياتي هادئة إلى أقصى حدّ، بل أقدر أن أقول إنها رتيبة، بل تكاد تكون مضجرة لولا الفتنة الدائمة التي تتميّز بها نيويورك”. كما يخبر كلود ليفي شترواس والديه بأنه منهمك في إعداد دراسة جديدة عن النظم الأبوية، وأن العمل على إنجـازها يرهقه كثيرا.

وفي رسالة بتاريخ السابع عشر من شهر سبتمبر 1941، كتب يقول: في هذا الوقت، أنا أنتظر زيارة أندريه بروتون، الذي لا أدري إلى حدّ الآن، لماذا قرّر أن يخرج عن صمته ويهتف لي أمس ليعلمني أنه سيزورني. هنا الوضع تغيّر بسبب الخطاب الرسميّ الأخير (يقصد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي روزفلت بعد أن قامت غواصة ألمانية بشنّ هجوم على باخرة حربية أميركية) الذي تميّز بقوة وبمهارة بالغتين (…) وقد استمعت إلى الخطاب في “هارليم”، في ملهى حيث تم توقيف العرض خلال بثّ الخطاب. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مرقص لا يتميّز بأي شيء ملفت للانتباه، وبقينا هناك حول زجاجة ويسكي حتى السادسة صباحا.

14