الفرنسيون يكتشفون هوية صاحبة لوحة "أصل العالم"

مؤرخ الفن كلود شوب يتمكن بعد بحث عميق من الكشف عن هوية المرأة العارية التي ظهرت في لوحة "أصل العالم" لللفنان الفرنسي الشهير غوستاف كوربيه.
الأحد 2018/10/07
المؤرخ كلود شوب يعرض الجزء الآخر من رسمة كوربي للآنسة كونستانس كينيو

لقرن ونصف القرن بقيت سراً مكتوماً هوية السيدة التي استلقت في وضعية غير محتشمة لتكون موديلا للفنان الفرنسي الشهير غوستاف كوربي (1819-1877)، الذي أخرج من خلال تلك الجلسة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لوحة “أصل العالم” المحفوظة اليوم في متحف أورسي بباريس. لكن هذا السر سينكشف قبل أيام، وباتت هوية هذه السيدة معروفة.

وكانت تلك اللوحة قد شكلت صدمة في الوسط الفني الباريسي آنذاك، كما استفزت مشاعر المحافظين وأثارت امتعاض النقاد.

يعتبر كوربي أحد أهم الرسامين الفرنسيين في القرن التاسع عشر فقد بشرت لوحاته التي تصنف في المدرسة الواقعية بالتيارات التجديدية التي برزت في أواخر القرن الـ19، وغيرت نهائيا مجرى الفنون التشكيلية وحتى المفاهيم الجمالية وكيفية النظر إلى الواقع والتعاطي مع ما خفي منه. وقد نوه بفن كوربي بعض النقاد الطلائعيين في تلك الفترة، ولعل أهمهم شارل بودلير نفسه.

وتعتبر اللوحة المعنونة بأصل العالم أهم أعمال كوربي على الإطلاق، وهي لوحة تمثل النصف السفلي من جسد امرأة عارية وهي مستلقية على فراش، بحيث لا يمكن للمتأمل أن يرى منها سوى النصف السفلي من جسدها إلى حدود صدرها. وبالتالي فقد ظل مستحيلا التعرف على هذه المرأة الممثلة في اللوحة.

المصادفة المذهلة

كونستانس كينيو.. رسالة بين دوما الابن والأديبة جورج صاند كشفت صاحبة ذلك الجسد في لوحة كوربي {أصل العالم}
كونستانس كينيو.. رسالة بين دوما الابن والأديبة جورج صاند كشفت صاحبة ذلك الجسد في لوحة كوربي (أصل العالم)

وبمحض الصدفة ومن دون أن يكون له أي اهتمام بكوربي وبلوحته الشهيرة، تمكن المؤرخ الفرنسي كلود شوب من حل لغز هوية السيدة صاحبة أصل العالم، إذ أن كلود شوب مؤرخ مختص في حياة الأديبين ألكسندر دوما الابن والأب. وفي حين كان يطلع على فحوى رسالة كتبها دوما الابن إلى الروائية الفرنسية جورج ساند في جوان 1871 شدت اهتمامه فقرة ينتقد فيها دوما بشراسة غوستاف كوربي ويتهمه بأنه تجرأ على تمثيل داخلية الآنسة كونستانس كينيو التي كانت راقصة في أوبرا باريس إلى حدود 1859.

كانت نية دوما في هذه الرسالة الإساءة إلى كوربي وإلى عمله، ولكنه بذلك من دون قصد يفصح عن سر مكتوم منذ 152 سنة ويزيد هذا العمل الفريد سحرا إضافيا.

فعلا تبدو إشارة دوما واقعية وصحيحة خصوصا إن تفحصنا جيدا هوية وحياة الآنسة كونستانس كينيو، إذ أنها كانت في تلك الفترة أي في 1866 عشيقة المقتني الذي طلب من كوربي رسم تلك اللوحة بتلك المواصفات. فكوربي لم يرسم أصل العالم من تلقاء نفسه بل بطلب خاص من ذلك الدبلوماسي العثماني الثري.

غوستاف كوربي.. باستجابته حقق أشهر أعماله
غوستاف كوربي.. باستجابته حقق أشهر أعماله

هوية المقتني

وهنا يستوقفنا فضولنا للتعرف على شخصية هذا المقتني الذي كان سببا في إنجاز إحدى أشهر لوحات الفن العالمي في القرن التاسع عشر.

هذا الرجل هو خليل باي، وهو دبلوماسي مصري تركي ولد بالقاهرة سنة 1831 في بيت محمد علي باشا نفسه. وقد تكوّن في المدرسة العسكرية المصرية قبل أن يتقلد مهاما دبلوماسية لدى السلطنة العثمانية إذ كان سفيرا لها في اليونان وروسيا. ثم في 1865 قرر أن يستقر بصفة شخصية في باريس حيث عاش في بذخ كبير وصار إحدى أبرز الشخصيات في الصالونات وفي الحياة الليلية، وعرفت له عشيقات عدة من بينهن الكونتيسا جان دو توربي وكذلك كونستانس كينيو صاحبة أصل العالم.

يجدر بالذكر أن خليل باي مر بعدها بضائقة مالية حادة أجبرته على بيع جميع لوحاته في مزاد علني سنة 1868، لكن هذا المزاد لم يضم أصل العالم لكوربي إذ يبدو أن اللوحة بيعت سرا نظرا إلى موضوعها الحساس. ويبدو أن ملكيتها آلت في القرن العشرين إلى عالم النفس الفرنسي لاكان قبل أن يقتنيها متحف أورسي بباريس.

الدبلوماسي المغامر

بعد تسديد ديونه بباريس اضطر خليل باي إلى العودة إلى إسطنبول والعمل من جديد في السلك الدبلوماسي.

وفي 1872 تزوج خليل باي من أميرة مصرية هي حفيدة محمد علي وتدعى نازلي فاضل. وقد ولدت الأميرة نازلي بإسطنبول سنة 1853 وقد كانت ألمع نساء عصرها على الإطلاق. فقد تلقت تعليما استثنائيا في ذلك العصر وكانت تتكلم التركية والعربية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية. ولما توفي خليل باي في إسطنبول سنة 1879، عادت نازلي هانم إلى القاهرة وعمرها 26 سنة لتستقر بها، حيث أنشأت أول مجلس أدبي تشرف عليه امرأة وقد جمع ألمع أدباء العصر على غرار محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين.

الآنسة كينيو.. صنعت أجرأ القصص
الآنسة كينيو.. صنعت أجرأ القصص

وفي سنة 1900 تزوجت نازلي الوزير التونسي خليل بوحاجب وانتقلت لتقيم مدة في تونس العاصمة حيث استقرت في بيت جميل يقع في ساحة تسمى اليوم ساحة باستور بتونس العاصمة.

وهذه الفيلا الأنيقة لا تزال قائمة إلى اليوم بساحة باستور، وأتذكر أنه كانت تسكنه سيدة عجوز وحيدة لسنوات عدة. ويبدو أنها رحلت إذ أن البيت بقي مهجورا وبدأت تظهر عليه علامات الإهمال.

وفي  كل مرة أمر أمام هذا البيت يشرد بالي إلى كل هذه الشخصيات الروائية الرائعة، من نازلي هانم المثقفة الأنيقة إلى خليل باي الأرستقراطي الذي أشعل النار في جميلات باريس واحترق بهن، ومنه إلى الآنسة كونستانس كينيو وجسدها المثير وسرها الوقح.

وأقول في قرارة نفسي، أتوسل القدر أن لا يباع هذا المنزل الجميل إلى أحد المقاولين الشرسين فيهدمه ويبني مكانه برجا من الإسمنت والزجاج وحينها يغمر النسيان الأبدي كل هذه الوجوه الجميلة.

15