الفرنسي أندريه غلوكسمان: فولتير لم يكن معاديا للإسلام

الاثنين 2014/11/10
غلوكسمان: فولتير فيلسوف أكثر معاصرة من المفكرين المتشبثين بالنظم الجامدة

في كتابه الجديد الذي حمل عنوان “الهجوم المضادّ لفولتير”، الصّادر حديثا عن دار “روبير لافون” بباريس، يستنجد المفكّر الفرنسي أندريه غلوكسمان، الذي كان واحدا من أبرز من كانوا يسمّون أنفسهم في السبعينات من القرن الماضي بـ”الفلاسفة الجدد”، بفولتير للخوض في القضايا السياسية والفكرية والاجتماعيّة التي تعيشها فرنسا والبلدان الأوروبيّة في الوقت الراهن، وللدفاع عن قيم الحريّات المهدّدة، وأيضا لمواجهة التزمّت الديني الذي يشهد تصاعدا مخيفا.

يعتقد غلوكسمان أن كتابه يهدف بالأساس إلى إعادة الاعتبار لـفولتير “فيلسوف الحرية”، والتصدّي للهبوط التدريجي لقيمته الفكريّة والفلسفيّة. وعن هذا الهبوط التدريجي، يقول غلوكسمان مفسّرا: «في منتصف القرن العشرين، كان المثقّفون يرون أن فولتير، خلافا لهيغل وماركس، وهايدغر، لم يكن فيلسوفا بالمعنى الحقيقي للكلمة. بل كان مجرّد مفكر مندفع وتلقائيّ. لذلك أبوا تدريسه في قسم الفلسفة بالجامعات. بل فقط في نهاية التعليم الثانوي. وأنا أناهض مثل هذا الإقصاء، ومثل هذا التهميش. وأنا أعتقد أن فولتير فيلسوف أكثر معاصرة من كلّ المفكّرين المتشبثين بالأساليب والنظم الجامدة”.


رجل عصرنا


القوات العسكرية للحلف الأطلسي تقصف ثم ترحل وهذا لا يمكن أن يولد غير الاضطرابات القبلية

يضيف غلوكسمان، في كتابه “الهجوم المضاد لفولتير”، قوله: «صحيح أن الأوقات تغيّرت، لكن مقارنة بقرنين ونصف من الفلسفة، الجرمانيّة أساسا، والتي أعقبت الثورة الفرنسيّة، يمكن القول بأن فولتير أقلّ قدما. ففي رفضه لجون جاك روسو، والتشبّث بمنهج معيّن، وفي رفضه للحدود بين الأجناس، ولأنواع البلدان، وفي التزامه في قلب المدينة بمقاومة مختلف أشكال التزمّت، فإنه رجل عصرنا. والذين حاكموه، وأقصوه هم الذين ينتمون الآن إلى الماضي. حتى من هم يعتبرون من أنصاره الفكريين، مثل صديقي رولان بارط حاكموه لكن بطريقة لطيفة.

وأمثال بارط فعلوا ذلك لأنهم كانوا يريدون أن يقفوا على أرض صلبة، أي أن يستندوا إلى منهج يوفّر لهم القدرة على أن يكونوا حكّاما وقضاة. ولم يكن فولتير يبتغي مثل هذا الأمر. وكلّ أعماله هي عبارة عن معارك ضدّ أصحاب التعاليم الجاهزة. أن يكون الإنسان “فولتيريّا”، يعني أن يتقبّل الارتجاج والزعزعة الدائمة. كتّاب معزولون مثل فلوبير وستاندال يتحمّلون مثل هذا التيه الأيديولوجي والمفاهيمي، والذي أسمّيه أنا حريّة فلسفيّة».


البطل كانديد

الكاتب استنجد بفولتير للخوض في القضايا الهامة


متحدثا عن “كانديد”، بطل رواية فولتير الشهيرة، يقول غلوكسمان: «كانديد بطل عصرنا الراهن. وهو نقيض زاديغ، الذي هو شخصية أخرى من شخصيّات قصص فولتير. زاديغ يبدأ مفكرا موهوبا وثريّا وينتهي كذلك. إنه كتلة.

أما كانديد فهو لا يعرف من أين أتى ولا إلى أين يذهب. إنه بلا وطن وبلا حدود. وهو يصمد أمام الأحداث من دون أن تكون له بوصلة غير وعيه. وهو يترك المكان للصدفة في حين يحقّق زاديغ مصيره. إنه، أي كانديد، نموذج للإنسان المعاصر».

ومن خلال فولتير تطرق غلوكسمان إلى قضايا سياسيّة راهنة مثل التدخل العسكري الغربيّ في العراق وليبيا. وعن ذلك يقول: «كثيرون يسألونني: هل معنى أنّ فشل تدخل الغرب في ليبيا وفي العراق قبل ذلك يدلّ على أن “تصدير” قيمنا محكوم عليه بالفشل؟

وجوابي هو: ما هو أساسي في كلّ هذا هو أن هناك دليلا على فكرة الحرية الجميلة ليست أفقا ينزل من السماء. إنها تبنى. أن تقوم القوات العسكرية للحلف الأطلسي بقصف ثم ترحل، فهذا لا يمكن أن يولّد غير الاضطرابات القبليّة والمذهبيّة. مشكلة الغرب أنه لا يمتلك سياسة التواصل. لكن يبدو لي أن سقوط نظامي كلّ من نظام صدام حسين والقذافي الدمويين، خبر مفرح للإنسانيّة جمعاء».

يلجأ غلوكسمان إلى فولتير للدفاع عن المهاجرين السرّيين، وعن الغجر الذين أطردهم ساركوزي من فرنسا قائلا: «النظر إلى أولئك المساكين وهم يغرقون في “لومبيدوزا” ليس حلاّ .

المطلوب والمرغوب هو جواب أوروبي وأفريقي عاجل وسريع، أو حياة سلميّة وحرّة في جميع المناطق الأفريقيّة، وفي منطقة الشرق الأوسط. في انتظار ذلك، وبما أنه ليس في وسعنا ان نستقبل كلّ بؤس العالم، فإنه يتحتّم علينا إعداد سياسة موحدة للهجرة. وعلى بلدان أوروبا الشماليّة أن تساهم في المجهود الذي تقوم به البلدان المتوسطيّة».

وعن موقف فولتير من الإسلام، يقول غلوكسمان: «لم يكن فولتير معاديا للإسلام. بل إنه كان يتصدّى لكل أشكال العنف سواء عنف السلاح أو عنف الدين، كاثوليكيا كان هذا الدين، أم إسلاميّا، أم يهوديّا. وهو يوضّح أن نقده ليس موجّها للقرآن ولا لله، وإنما إلى السلطة الزمنيّة والفكرية الموجودة على الأرض. وهذه هي مشكلة عصرنا».

14