الفرنسي جان-ماري لوكليزيو يكتب ملحمة جزر موريس

منذ إحرازه جائزة نوبل للآداب عام 2008، لم يصدر الكاتب الفرنسي جان-ماري غوستاف لوكليزيو أي كتاب جديد، بل اختفى عن الأنظار كعادته ليظهر مؤخرا، مصدرا عن دار “غاليمار” المرموقة عملا روائيا جديدا حمل عنوان “ألما”، التي تعتبر رواية يتطهر بها الكاتب من تاريخ أجداده الذي ظل عالقا بذهنه كالذنب.
السبت 2017/10/28
التكفير عن ذنب لم يقترفه

معلوم أن الكاتب جان-ماري لوكليزيو عاشق للأسفار فلا يكاد يستقر في مكان ما حتى يسارع بمغادرته إلى مكان آخر. فمرة هو في المكسيك، ومرة في الصحراء المغربية، موطن زوجته الأخيرة، ومرة في أدغال أفريقيا، ومرة في اليابان، وأخرى في كاليفورنيا، أو تكساس. وهو في منطقة بروتاني شمال فرنسا التي تنتمي إليها عائلته، وفي مدينة نيس حيث ولد ونشأ، وفي باريس، لكن بعيدا عن حلقات المثقفين.

وخلال السنوات الأخيرة قرر أن يستقر في الصين مدرّسا في إحدى جامعاتها. ولعله سيستوحي من إقامته هذه موضوعا لرواية جديدة مثلما فعل في الماضي مع الصحراء المغربية، ومع المكسيك، ومع أماكن أخرى.

فالكون بأسره بالنسبة إلى هذا الكاتب الرحالة “موطن روحي” بقطع النظر عن الفوارق الجغرافية، وعن أجناس الشعوب، ولغاتها، ودياناتها، ولون بشرتها. كما يعتبر لوكليزيو الكتابة “مغامرة شعرية” لا حدود لها.

رواية التطهر

لماذا انتظر لوكليزيو 9 سنوات لكي يصدر عمله الروائي الجديد؟ عن هذا السؤال أجاب لوكليزيو قائلا “في اللحظة التي تبدأ فيها الكتابة بصفة فعلية، يكون كل شيء سهلا بعد ذلك. التخطيط هو الذي يتطلب وقتا طويلا. وبالنسبة إلى روايتي الجديدة، كان عليّ أن أعود إلى الوثائق التي جمعتها قبل نحو ثلاثين عاما، وفي ذهني أن أسمّي ما تتوجب تسميه، خصوصا المفقودين في المحيط الهندي”.

لوكليزيو يرغب في أن يقول لنا من خلال رواية "ألما" إن الكتابة هي أفضل وسيلة لمداواة جراح ماض ولى وانتهى

وتدور أحداث رواية “ألما” في جزر موريس، وهي الجزر التي هاجر إليها أجداده في القرن الثامن عشر، أي عندما كانت تجارة العبيد لا تزال مزدهرة. وفيها كان السكان المحليون يعاملون بقسوة، وعليهم كانت تسلط مظالم مُخزية، تتنافى مع أبسط المبادئ الإنسانية. وطفلا كان لوكليزيو يشعر بالسعادة لما يتلقى والده رسالة من شقيقته التي ظلت تعيش هناك. وكان يحرص على المحافظة على الطوابع البريدية. فلما اكتشف ذلك زملاؤه في المدرسة، نفروا وسخروا منه قائلين بأنه عار عليه أن يتباهى بماضي أجداده تجار العبيد.

وعندما كبر، زار لوكليزيو الجزيرة المذكورة مرات عديدة. وفي كل مرة، كان يشعر أن السكان المحليين يتعاملون معه بحذر، ويخفون عنه مشاعرهم وأفكارهم. ومن المؤكد أن ماضي أجداده كان سببا في ذلك.

وفي عام 1998، سافر إلى هناك لحضور حفل زفاف. حال دخوله إلى قاعة الاحتفال، كف المدعوون عن الحديث، وراحوا ينظرون إليه بشيء من الريبة والخوف. فقد كان الأبيض الوحيد في الحفل. ومصعوقا، أحس أنه شبيه بأجداده الذين كانوا يعذبون أجداد أولئك، ويبيعونهم كما تباع الدواب.

وقد أحزنته تلك الحادثة كثيرا. لذا فكر في أن يكتب رواية تخلصه من عقدة ذنب قديم. وهو يقول “في طفولتي، سمعت حكايات كثيرة لم يتبق منها الآن سوى الفتات المبعثر في الذاكرة. بل قد لا يكون قد تبقى منها أثر واحد. بعض تلك الحكايات حدثت لأفراد من عائلتي، وأخرى لمجهولين لكن كان من الصعب عليّ أن أنشر هذه الرواية لو كان أولئك لا يزالون على قيد الحياة”.

رواية بمثابة تكفير عن ذنب الأجداد

شخصيتان مختلتان

في الرواية ، شخصيتان مختلتان ترويان أحداثها بطرق مختلفة. دودو هو الشخصية الأولى. وهو ينتمي إلى عائلة زراعية كبيرة. وقد يكون في البعض من جوانبه وحالاته تجسيدا لشخصية الفنان مالكوم شازال، ابن جزر موريس الذي عاش في الولايات المتحدة الأميركية، وفي كوبا حيث عمل في مصانع السكر، وأمضى سنوات من حياته في مدينة نيس الفرنسية ليمارس الفن التشكيلي وكتابة الشعر متأثرا بالسورياليين، وبأندريه بروتون الذي أشاد بموهبته.

ولكن دودو يختلف عن مالكوم شازال في جوانب أخرى. فهو شخص غريب الأطوار يعاني من أرق دائم، ويخلط الأزمنة فلا يفرق بين الأمس واليوم، وبين الماضي والحاضر. وهو يهذي طوال الوقت مستحضرا حكايات أناس عرفهم، أو سمع عنهم. وفي هذه الحالة هو يبدو شبيها بشخصية “بينجي” في رائعة ويليام فولكنر “الصخب والعنف”، ذلك المعتوه الذي يهذي طوال الوقت، ويبكي من دون أن تعرف عائلته السبب، ولا يهدأ إلا عندما يرى النار، أو يشم رائحة أخته كاندي.

كما يشبه دودو شخصيات أخرى بكماء صماء مثل الراعي حارتاني في رواية “صحراء”، وأويا في رواية “أونيتشا”، وبورغو في رواية “العمالقة”. ومن خلال هذيانات دودو نحن نتعرف على العديد من الأحداث التي طبعت تاريخ جزر موريس في الماضي وفي الحاضر.

أما الشخصية الثانية في رواية “ألما” فهي جيريمي فالسن الذي له الكثير من مواصفات لوكليزيو نفسه. فهو منظم، ودقيق، وملم بالوثائق، واعتمادا عليها يروي ويتكلم. وهو وريث عائلة فرنسية استوطنت الجزر قبل قرون. وعند بلوغه سن الأربعين يشرع في البحث عن جذور عائلته.

ويجبره ذلك على التنقل بين أماكن كثيرة للعثور على وثائق يحتاجها في أبحاثه. والشيء الذي يفتنه أكثر من غيره هو مصير طيور الجزر التي اندثرت فلم يتبق منها سوى أسمائها، تماما مثلما هو حال أجداده، وأهالي الجزر في زمن الاستعباد. لكأن لوكليزيو يرغب في أن يقول لنا من خلال رواية “ألما” بأن الكتابة هي أفضل وسيلة لمداواة جراح ماض ولى وانتهى.

16