الفرنسي فرنان يبحث في أصول الفكر الإغريقي وتحولاته

الاثنين 2016/11/21
فرنان يعزز من نوعيّة الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية

المنامة - رغم قرون من الزمن مرت على أيام أثينا وطفرتها الحضارية الإغريقية التي أثرت في أصقاع العالم، مازال فلاسفة الإغريق يمثلون مراجع فكرية عميقة ومهمة لدارسي ومحبي الفلسفة أم العلوم، حيث قدم هؤلاء للتاريخ الإنساني خطوات رائدة في مسار الفكر الفلسفي ممهدين الطريق أمام من أتى بعدهم من الفلاسفة والكتاب والمبدعين على مر العصور لتقديم إنتاجات معرفية وإبداعية إنسانية غيرت من وجه الحضارة البشرية وصولا إلى التطور الذي نعرفه اليوم، لذا لا غنى عن اكتشاف خطوات الفلاسفة الإغريق الأوائل في عالم الحكمة.

ويواصل مشروع نقل المعارف عمله في رفد المكتبات العربية بأهم الكتب العالمية في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتأتي أحدث إصدارات المشروع بعنوان “أصول الفكر الإغريقي” لمؤلفه جان بيير فرنان ليعزز من نوعيّة الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية، ويضع في متناول القارئ العربي إصدارات مطبوعة ترتقي بفكره وتوسّع أفق مداركه.

يتناول جان بيير فرنان -وهو مؤرخ فرنسي اهتم بالفكر الفلسفي اليوناني- موضوعات متعددة حول الفكر اليوناني وأصوله، كما يستعرض التحوّلات الفكرية التي حدثت في فترات مختلفة ابتداء من القرن الثاني عشر قبل الميلاد وصولا إلى القرن الخامس الميلادي، والذي برزت فيه مدينة أثينا.

وكعادة الكتّاب المتخصصين في علوم التأريخ والأنثروبولوجيا بدأ فرنان مؤلفه بطرح تساؤل واضح “ما هو أصل الفكر العقلاني في الغرب؟”، لينطلق بعدها في رحلة بحث استندت إلى ثلاثة محاور أولها المحور الفكري المعتمد على الفكر الوضعي والمتجاهل للممارسات الشعائرية والمرويّات المقدسة، وثانيها محور تقاسم القوى، والذي ينفي ما جاء في الثيوغنيات التقليدية، بحيث يفترض تكافأ عناصر الكون المشكّلة لنظام الطبيعة الكلّي، أما المحور الأخير فهو ذو طابع رياضيّ بحت، تتداخل فيه العلوم الطبيعية كالرياضيات والفيزياء، ويقضي هذا المحور بتجريد العالم من صفاته الدينية الخيّرة أو الشريرة، ويضعه في زاوية التناظر والارتكاس.

وقد أسهب المؤلف في سرده لتاريخ الإغريق في الفصل الأول من الكتاب، ثم انتقل لتفصيل تأويلات اللغة الإغريقية العاميّة، والتي كان ينطق بها الميسينيون، وتحليل الرموز التي كتبت بشكل أو بآخر على موجودات أثرية ومدوّنات تشرح طبيعة الحياة الاجتماعية، الاقتصادية، والعسكرية في مملكة ميسينا، لينتقل بعدها إلى حكاية سقوط المملكة وظهور عصر جديد للحضارة الإغريقية شهد تطورا في كل مناحي الحياة مع بروز هوميروس وضمور المفردات الخاصة بالسلطة والألقاب.

ولم يخلُ المشهد من حضور أرسطو وشهادته حول ارتباط أثينا بالحقبة الميسينية، والتي استند فيها إلى التراث الأتيكي، كما لم يُغفل الكاتب نشأة المدينة في التاريخ الإغريقي، والتي تعود إلى ما بين القرنين الثامن والسابع، وما مرّت به من مراحل مختلفة كان للحياة الاجتماعية فيها شكل مختلف.

أما الفصل الخامس فقد تطرّق من خلاله الكتاب إلى وجهة نظر أرسطو المؤمن بالحكمة، قانونا يسبق العلم الفيزيائي، كما ذهب إلى الفترة من نهاية القرن السابع إلى القرن السادس التي عرفت سلسلة اضطرابات ونزاعات داخلية، أسفرت، بالنتيجة، عن عملية إصلاح شاملة في المدينة.

وفي الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب قدّم جان بيير فرنان تحليلا لتنظيم الفضاء الإنساني وأشكال نشأة الكون وأساطير السيادة، وأخيرا صورة العالم الجديدة، ليختتم بعدها الكتاب بفقرة مهمة يتحدث فيها عن العقل اليوناني فيقول “إنه العقل الذي بشكله الإيجابي والحصيف والمنهجي تمكّن من التأثير في البشر، دون أن يؤثر في تطوير الطبيعة. في حدوده كما في تجديداته، هو ابن المدينة”.

ويعد كتاب “أصول الفكر الإغريقي” ثاني كتاب يلامس عوالم الإغريق في مشروع نقل المعارف التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار فقد أصدر المشروع، قبله، بإشراف الباحث الطاهر لبيب خمسة كتب، هي بحسب الترتيب الزمني: “تفكر، مدخل أخاذ إلى الفلسفة” للفيلسوف سايمن بلاكبرْن، و”لغات الفردوس” للمؤرخ موريس أولندر، و”هل اعتقد الإغريق بأساطيرهم، بحث في الخيال المكوَّن” لأستاذ الفكر اليوناني بول فايْن، و”التحليل النفسي علما وعلاجا وقضيّة” لعالم التحليل النفسي مصطفى صفوان، و”الزمن أطلالا” للكاتب الفرنسي مارك أوجيه.

15