الفرنسي فيليب جاينادا صاحب المرأة والدب

الأحد 2014/03/23
فيليب جاينادا وزوجته في يوم عطلة: لا يعنيني أن اكون تحت الضوء

يقول الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا “الحياة ليست مهيأة على نحو لائق، دون إبداء نظرة سوداوية، نحن نُراكم المواقف المخزية”.

الغرابة واليأس، السقوط دون نهاية وبصيص من النور، هناك، في آخر النفق، هو ما يصوغه جاينادا في روايته. إنه روائي عصري وسريع الإيقاع: كذوب يقول الصدق.

في روايته هذه كأننا بإزاء راو يروي بتشويق على طريقة الحكايات القديمة ولكن بلغة معاصرة. في سالف العصر والأوان، لم يكن بيكس (بطل روايته) ينام قبل الغسق، نتحدث عن زمن لم يكن وقتها متزوجا وربّ أسرة. إنه ثائر متمرد ووديع، مسعور لطيف يرى نفسه في أحلامه نمرا أو دبا. وفي يوم من الأيام، وقع شجار بين الزوجين، وها هو يغادر بيت الزوجية، حقيبة أسكتلندية على الكتف، في شرود مغرورق بالكحول حتى الثمالة، رحلة ملعونة بألوان كل حانات قناة سان- مارتان، ثم في دوامة حلقات مفرغة، خمارة ليتيسيا، حانة ليبيرون، لينتهي على مقعد عمومي في موناكو.

رونق وجلال، انحلال وانهيار، لكأنه دون كيشوت نهض من سباته، دون كيشوت قد تغدو طواحينه الهوائية سمراوات ذوات صدور كبيرة وعقول صغيرة. في الطريق الذي يقوده إلى الجحيم، هناك مخلوقات بشرية ممزقة، رفاق عربدة، وجوه محطمة وفاقدة للذاكرة، فتاة هوى، دب مختطِف، بطل للعبة البوكر يُضيع حياته باللامبالاة.

وبطل روايته بيكس كاتب، يعيش في باريس مع زوجة وطفل، يحلم أنه فاز بجائزة أدبية. في ذلك العالم وحيث أن أيّ تشابه ليس أكثر من مصادفة، تنشط شخصيات ذلك الركن من الشارع (بل ذلك المقهى المقابل) وهم الذين سيتضح أنهم جد لطفاء وهم في قيافتهم المقرفة. يستدرجنا جاينادا معه في رحلته السينمائية عبر باريس ثم عبر فرنسا، في رحلة متأرجحة ومفعمة بالكحول.

نقرأ: “كنت عائدا إلى المنزل. في الخارج، لم أعد أحس بالبرد، الذي من المفترض أن يكون رغم ذلك قارصا، منطقيا، أكثر من فترة وسط النهار. كان بإمكاني أن أمشي مرتديا فقط ملابسي الداخلية.

لم أكن في أسوأ حال على كل حال. منذ ظهور الإنسان على وجه الأرض، لم يُبتكر شيء أكثر نفعا من الكحول”.

المرأة والدب، في النهاية تقرأ كرواية مغامرات، رواية مغامرات بجمل طويلة عموما، تتناثر فيها الفواصل، الأقواس والتفاصيل، خاصيات أسلوب جاينادا، تتسم بالسخاء، معطاء بقدر ما هو استعراضي.

يستدرجنا جاينادا معه في رحلته السينمائية عبر باريس ثم عبر فرنسا، في رحلة متأرجحة ومفعمة بالكحول

أما عن غرابة المواقف والحوارات وطرائفها، فلا تعادلها إلا قدرة الكاتب على إبداع وإخراج كوميديا إنسانية، ترتقي إلى السخرية من الوجود.

الإفراط في الكحول، كلنا نعلم أنه مضر بالصحة. أما إفراط فيليب جاينادا في النثر، فلا. وحريّ بالقارئ معه أن يأخذ نفسا عميقا.

“ليست الحياة مهيأة على نحو لائق. نحن لا نلبث زمنا طويلا على الأرض، وخلال هذه الفترة الوجيزة، هذه العينة من الزمن، دون إبداء نظرة سوداوية (ودون أن أعتبر نفسي غير حاذق أو أقل حظا من شخص آخر، في جميع الأحوال)، نحن نُراكم المواقف المخزية، على الأرجح. إذا تمعنا في الأمر بِرَويّة، مع اتخاذ مسافة كافية، وإذا ما تأملنا ذلك في نموذج مصغر، فذلك يشبه نوعا ما، أن تتاح لنا فرصة العمر التي لا تحصل إلا مرة واحدة، بأن نسافر إلى جزر سيشيل، على سبيل المثال، يوم السفر العظيم، حيث تُمطر طوال الأسبوع، عواصف هوجاء، برق ورعد، إصلاحات في الفندق وفي الغرفة رائحة الاحتباس. يصاب الصغير بكسر في معصمه منذ اليوم الثاني، أكلة محلية تكلفنا اثنين وسبعين ساعة في المرحاض، تضيع أوراقنا كلها وقد حلت ساعة العودة. كان بالإمكان أن تجري الظروف على نحو أسوأ. لقد شاهدنا، بطبيعة الحال، أمواج البحر، الرمال البيضاء، أشجار النخيل المبللة، كان ذلك رائعا، لقد أمكننا الاستحمام ساعتين يوم الخميس، رغم كل شيء”.

"المرأة والدب".. رواية مغامرات


أعمال أدبية


ما سلف لمحة ليس إلا من رواية “المرأة والدب”، أما مؤلفها فيليب جاينادا فهو من مواليد سنة 1964، صدرت له حتى الآن ثماني روايات، منها “الجمل المتوحش” من منشورات جوليار، حاز على جائزة فلور 1997 وجائزة أليكساندر- ڤيالات، تم اقتباس الرواية إلى السينما من طرف لوك باجي تحت عنوان “إلى اللقاء بولوكس”، “حياة وموت الشابة الشقراء” من منشورات غراسي، 2004، “المرأة والدب” منشورات “غراسي”، 2011، “سولاك” منشورات “غراسي” أيضا، 2013.


دافع الكتابة


في حوار مع صوفي أدريانسون نشرته على موقعها، يتكلم فيليب جاينادا عن دافع الكتابة قائلا: “إنه السؤال الذي أطرحه دائما على نفسي منذ عشرين سنة. لا، لكي أكون أمينا، في البداية لم أكن أطرح السؤال، فالإجابة كانت بديهية. في فترة من فترات حياتي يوم كنت شابا، لم أكن في حالة جيدة. كنت أحط من شأن نفسي وأعذبها، كنت أحرق يدي بالسجائر، كنت أمتنع عن النوم طيلة أسبوع بكامله، كنت أُلزم نفسي أن تكتفي بتناول قهوة بالحليب طيلة شهر بأكمله، كنت أسقط أحيانا جثة هامدة بسبب جلمود متكور أخضر كنت أظنه يعج في رأسي- باختصار، كنت ذلك الشخص البائس. لقد احتجزت نفسي بالمنزل لمدة سنة كاملة متمنيا شبه صدمة كهربائية مُخَلّصة، النوافذ مغلقة، دون هاتف، دون تلفاز، دون راديو، دون أن أفتح فمي. بلغ بي الملل درجة قصوى، وقد يفكر البعض أن هذا ما دفعني إلى الكتابة، والواقع أنني لم أكن أفكر بذلك حتى ذلك الحين.

أما الآن فهذا الجواب لم يعد صالحا. لم أعد أنزعج كثيرا، آكل فطائر وشرائح لحم البقر المشوية، أنام تقريبا كل ليلة. ومع ذلك، فلازلت أكتب، بل ولا أفكر إلا في ذلك، وليست لي رغبة في غير ذلك. وإذا ما تركنا جانبا، الفطائر، أقداح الويسكي في حانة الحي، أرداف الفتيات اللواتي يمررن بالشارع، الرحلات صحبة زوجتي وابني. أنا لا أكتب لكسب المال (هذه ليست الوسيلة الأنجع)، لا أكتب كي أكون مشهورا. هدفي في الحياة هو بالأحرى، ألا أثير الانتباه، أن أبقى خفيا لو أمكن، لا أكتب إرضاء للآخرين (من جهة، سيكون ذلك شبه غرور من طرفي، ومن جهة أخرى، فأنا أناني على الأرجح). لكن حين أمعن في التفكير، هذا يسبب لي الصداع لكن لا يصح إلا الصحيح. أنا أقرأ كثيرا، أجد متعة كبيرة في القراءة، بل وحتى تتملكني رغبة عارمة في كتابة كلمة متعة، يخالجني الشعور بالامتنان للذين يمنحونني تلك المتعة وهو ما يولّد لدي الرغبة في أن أرُد شيئا ما، بطريقتي، إذا كان بالإمكان، أن أرد قليلا مما آخذه.

غالبا ما نشاهد في الشارع، على الواجهات الزجاجية لمخادع الهاتف، على أعمدة مصابيح الشارع، ملصقات عن قطط ضاعت من أصحابها، مع رقم هاتف. لسنوات خلت، كان يبدو لي ذلك دون جدوى، بل وحتى مثيرا للشفقة، قارورات زج بها في بحر جاف، كنت أتساءل كيف لهؤلاء الناس أن يترجوا نتيجة.

ثم في إحدى الأيام، سقطتْ قطتي سْبوك من نافذة شقتي. لم تكن على الرصيف، لقد اختفت. كنت منهارا، كنت أحب كثيرا تلك القطة. أَعَدّت صديقة لي مجموعة من الملصقات الصغيرة، ونشرتها في كل أرجاء الحي، مع قناعتي اليائسة أن ذلك لن يجدي نفعا. يومان بعدها، اتصلت بي سيــدة، حارسة سيارات، لتقول لي إن قطة توجد تحت سيارة بالمرأب، لربما كانت سْبوك. انتقلت إلى عين المكان: نعم، لقد كانت هي. تملكتني الرغبة في أن أقفز وألتف بعنق السيدة وأن أغمرهـــــا بالقبـــل. لكنني خجول. من حينها، وأنا أسجل كل أرقام الهواتف المكتوبة على ذلك النوع من المنشورات الصغيرة. بعد مرور أربع سنوات، على شرفة نافذة غرفتي المطلة على الفناء، رأيت قطا أسود يموء. تعرفت عليه. اتصلت بالزوجين اللذين كانا قد فقداه. رددت الجميل. أعتقد أنني على نحو ما، بنفس تلك الروح أكتب.

أما عن الرواية وكيف يُحبّذ أن تكون، فيرى فيليب جاينادا أن الكتاب هو، ويجب أن يكون، انعكاس لمؤلفه، التعبير الكتابي لـ”المكنون” الذي هو بداخل الكاتب، في أعماقه، والذي لا يمكن التعبير عنه إلا بالفن. كيفما كان، هناك شيء من الغرابة واللامألوف يتعلق بالكتابة.

15