الفرنشايز متنفس للاستثمار ومنافس شرس للصناعة المحلية في تونس

خبراء يحذّرون من أن النظام سيضع الاقتصاد الوطني أمام تحدي الموازنة بين الانفتاح على السوق العالمية والحفاظ على مكانة الصناعة المحلية التي لم تعد تغري المستهلك التونسي.
الأربعاء 2019/01/16
إقبال على الماركات العالمية في المحلات التجارية التونسية

تغزو الماركات العالمية الشهيرة الأسواق التونسية بعد أن فتحت وزارة التجارة الأبواب أمام نظام الفرنشايز، وهو عبارة عن امتياز يمنح لعلامة تجارية عالمية لتسويقها في السوق الداخلية مع شروط محددة يضبطها القانون. ورغم رهان الوزارة على الفرنشايز لإنعاش التبادل التجاري وتحفيز الاستثمار، فإن الخبراء يحذّرون من أن هذا النظام سيضع الاقتصاد الوطني أمام تحدي المواءمة بين الانفتاح على السوق العالمية وبين الحفاظ على مكانة الصناعة المحلية التي لم تعد تغري المستهلك التونسي، كما أنها تشهد تراجعا غير مسبوق في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس.

تونس – في أواخر ديسمبر من العام الماضي (2018) افتتحت علامات “فناك – دارتي”، وهي إحدى أشهر العلامات التجارية، رسميا في تونس. وستسعى هذه الشركة الرائدة في مجال الثقافة والترفيه إلى افتتاح مغازات إضافية في البلد، ليبلغ عددها 10 في أفق سنة 2023، أي 5 مغازات لكل علامة.

يبدو وصول الماركات العالمية إلى تونس خبرا جيّدا لعشاق ماركات الموضة الشهيرة كزارا أو غوتشي أو لاكوست أو غيرها من العلامات التجارية الأميركية أو الفرنسية الفاخرة، غير أن للشاذلي ماموغلي وهو شاب تونسي، رأيا مختلفا إذ لم يرق له هذا الخبر.

وعلّق الشاذلي على حسابه في موقع فيسبوك على خبر افتتاح مغازتي فناك-دارتي، مستنكرا غزو ما يعرف بالفرنشايز للأسواق التونسية وتفشي هذه الظاهرة في بلده الذي يغرق في أزمة اقتصادية خانقة قائلا “متى سنفتتح متاجر بتروسيان؟ لقد سئم الشعب من اللحوم الحمراء ويرغب في تناول الكافيار”.

وتابع “سئم الشعب من السجائر النتنة، ويريد سجائر كوهيبا. متى سنفتتح متاجر ‘لوي فويتون مويت هنسي’، لقد سئم الشعب من الحليب ويريد الشمبانيا.. سيكون من الجميل تذوق زجاجة دوم برينيون عوضا عن ‘خالتي مباركة”. ثم تساءل باستهزاء “متى ستتفتح مطاعم فوشون في القصرين وسيدي بوزيد ..إن الشعب يريد محلات فاخرة”.

ويأتي دخول فناك – دارتي إلى السوق التونسية في إطار ما يعرف بنظام الفرنشايز الذي انخرطت فيه البلاد منذ سنوات. والفرنشايز عبارة عن عقود استغلال تجاري واقتصادي تحت العلامة التجارية الأصلية. ويعرف بحق الامتياز الذي يمنح فيه صاحب الامتياز الحق للطرف آخر، وهو متلقي الامتياز في استخدام علامته التجارية أو اسمه التجاريّ، إلى جانب تولّي بعض الأنظمة والعمليات التجارية، وذلك حتى يتمكّن متلقي الامتياز من إنتاج وتسويق سلعة، أو خدمة معينة وفقا لمواصفات معينة.

للفرنشايز وجه آخر سلبي قد يضعف الاقتصاد بدلا من إنعاشه مع اكتساحه للسوق التونسية وفق تقديرات خبراء اقتصاد، فمع توسعه وغزوه للأسواق تضررت الصناعة المحلية خاصة في قطاع النسيج ولم تعد تحظى باهتمام المستهلك التونسي

وعادة ما يقوم متلقي الامتياز بدفع رسوم الامتياز لصاحبه مرة واحدة، إلى جانب نسبة من إيرادات المبيعات، كأرباح له، ممّا يكسبه امتلاك ميزة التعرّف الفوري على اسم علامته، وتصميم وإنشاء ديكور نموذجي للمباني، وتجربة المنتجات، والخوض في تقنيات تفصيلية في إدارة وترويج الأعمال، وتدريب الموظفين، وزيادة تطوير المنتجات بشكل مستمر.

وحسب الخبراء، يدخل في هذا النظام طرفان على الأقل وهما مانح حق الامتياز التجاري الذي يعير علامته التجارية أو اسمه التجاري، ونظام المشروع ويدعى مالك حق الامتياز التجاري ثم المستفيد من حق الامتياز التجاري، وهو الذي يدفع ضريبة وأجرا دوليا أوّليا في الغالب مقابل الحصول على حق عمل الصفقات باسم مانح حق الامتياز التجاري ونظام شركته، ويسمّى الشخص المستفيد من حق الامتياز التجاري.

ويسمح القانون التونسي للأجانب بالاستثمار في البلاد. ووقع تقنين الفرنشايز في تونس منذ عام 2009، إلا أن نشاط هذا النظام تزايد في السنوات الأخيرة مع إقبال كبير للتونسيين على الماركات العالمية.

وأوضحت وثيقة وزارة التجارة والصناعات التقليدية التونسية اطلعت عليها “العرب”، أن “عدد التراخيص المسندة لعلامات التجارية العالمية بلغ 28 ترخيصا إلى حدود يناير 2019.”

وحسب الوثيقة تشمل القطاعات المنتفعة بترخيص وزير بصفة آلية (القطاعات المحرّرة): العطورات، مواد التجميل والصحة الجسدية، الملابس الجاهزة، الأحذية، المنتوجات الجلدية، المنتوجات الرياضية، منتوجات الحمية وأيضا الساعات والهدايا والنظارات والتجهيزات الكهرومنزلية والأثاث، نباتات التزويق الداخلي والورود، المواد الحديدية، إلى جانب التجهيزات الإلكترونية والإعلامية.

وفي القطاع السياحي تشمل المجالات المرخص لها بالتمتع بنظام الفرنشايز: كراء السيارات، فضاءات الترفيه، استغلال الفنادق، إلى جانب قطاعات اقتصادية أخرى كخدمات الإصلاح السريع للعطب وقاعات الحلاقة والتجميل والعناية الجسدية

الفرنشايز لإنعاش الاقتصاد

الفرنشايز يهدد المنتوج التونسي
الفرنشايز يهدد المنتوج التونسي

تعتقد وزارة التجارة أنه من شأن هذا النظام أن يحفز الاستثمار ويحيي التبادل التجاري، كما يوفر فرص شغل للشباب المعطل في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعصف بتونس منذ اندلاع ثورة يناير 2011. لكن في المقابل تضع الاقتصاد التونسي أمام تحدي المواءمة بين الانفتاح على السوق العالمية وبين الحفاظ على مكانة الصناعة المحلية. فمع اقتحام الماركات العالمية للسوق التونسية دخلت السلع المحلية في منافسة ضارية معها، وأمام ما يعانيه المنتوج التونسي من تراجع في الجودة، تنجح الماركات العالمية في جذب المستهلك التونسي إليها بسهولة.

وتنظر الوزارة إلى نظام الفرنشايز من زاوية إيجابية وترى أن الانفتاح على الأسواق العالمية بشكل منظم ومقنن ينعش الاقتصاد المتردي، كما من شأنه أن يطور في العلامات التونسية ويسمح برواجها.

وقال سليم سعدالله، رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك، لـ”العرب” “الفرنشايز تحول إلى واقع في تونس منذ تقنينه ويتعايش معه المستهلك التونسي في السنوات الأخيرة”، مشيرا إلى “تزايد الإقبال عليه خاصة في فترة التخفيضات”، مضيفا “نرى طوابير من المواطنين يقفون أمام هذه العلامات الكبرى.” وبيّن سعدالله أن وجود الشركات التجارية في تونس يدفع إلى ترويج المنتوج التونسي في الأسواق الأوروبية أو الخليجية. وأكد أنه “تجب الاستفادة من تقنيات هذا النظام حتى نطور من أدائنا الاقتصادي.”

وتدافع الوزارة عن هذا النظام لما تشترطه على صاحب العلامة الأجنبية من توظيف يد عاملة تونسية واستعمال مواد إنتاج محلية لتصنيع بضاعتها.

29.5 بالمئة فقط من التونسيين لهم أولوية الشراء دائما للمنتوج التونسي

ولفت سعدالله إلى أن توريد الماركات العالمية لبّى احتياجات الكثير من المواطنين في الوقت الذي أثرت فيه الأزمة الاقتصادية على الإنتاج وقادت إلى تقلّصه. ومنذ اندلاع ثورة يناير 2011 وقع إغلاق العديد من المصانع خاصة في مجال النسيج، ففي محافظة القصرين مثلا وقع إغلاق 26 مصنعا وخسارة 2500 موطن شغل عام 2017.

ويستطيع الفرنشايز أن يلعب دورا كبيرا في إطلاق الشركات الصغيرة والمتوسطة وإيجاد فرص عمل جديدة، وبوسعه القيام بدور الوسيط بين الشركات التونسية والأسواق الخارجية عبر تصدير علاماتها ومنتجاتها أو خدماتها إلى الخارج، مما يوفر مداخيل إضافية والمزيد من الأرباح.

وأكد سليم الفرياني، وزير الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن نظام الفرنشايز مهم لتأسيس شراكات جديدة ودعم التجارة الخارجية وجذب المستثمر الأجنبي عبر انتصاب العلامات التجارية الأجنبية الكبرى في تونس، لافتا إلى أن التحدي الذي تواجهه تونس حاليا هو تطوير نماذج الاستغلال تحت التسمية الأصلية عبر افتتاح العديد من نقاط البيع في العديد من المدن، ومن ثمة التوجه نحو التصدير كما هو الحال بالنسبة للعديد من العلامات التجارية للكثير من المواد الغذائية.

مخاطر مالية

يوسف الشاهد تحول إلى البرلمان في نوفمبر الماضي على متن سيارة تونسية الصنع سوداء اللّون من نوع "واليس كار"، في حركة لتشجيع استهلاك المنتوج التونسي
يوسف الشاهد تحول إلى البرلمان في نوفمبر الماضي على متن سيارة تونسية الصنع سوداء اللّون من نوع "واليس كار"، في حركة لتشجيع استهلاك المنتوج التونسي

للفرنشايز وجه آخر سلبي قد يضعف الاقتصاد بدلا من إنعاشه مع اكتساحه للسوق التونسية وفق تقديرات خبراء اقتصاد. فمع توسع الفرنشايز تضررت الصناعة المحلية خاصة في قطاع النسيج ولم تعد تحظى باهتمام المستهلك التونسي رغم تحسن مؤشرات تصديره وفق آخر إحصائيات بنسبة 57 بالمئة من الأنشطة الترويجية الخاصة بالتجارة الخارجية بداية يناير الجاري.

وسبق أن أقرت وزارة الصناعة والطاقة والمناجم بأن القطاع يواجه صعوبات نتيجة التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد من جهة، وبسبب منافسة المنسوجات الآسيوية للمنسوجات المحلية خاصة في الأسواق الأوروبية من جهة ثانية.

وفي عام 2016 منحت وزارة التجارة التونسية رخص الفرنشايز الأجنبية لعلامات الملابس الجاهزة مثل “بوتي باتو” و”أل سي” و”ومان سكريت”.

وأكّد رئيس غرفة تجار الملابس الجاهزة محسن بن ساسي في تصريحات صحافية سابقة “تضرر قطاع الملابس الجاهزة من غزو الماركات العالمية وتتسبب المنافسة غير المتكافئة في غلق العديد من مصانع النسيج والعلامات المحلية”، مؤكدا أن “الاقتصاد الوطني غير مستعد لمواجهة الانفتاح الكلي على الأسواق العالمية”.

ويحذر خبراء من أن إغراق السوق بالمنتجات الموردة يقود إلى تآكل حصة المنتوج المحلي في السوق الوطنية مقابل توسّع كبير للعلامات الأجنبية. وذكرت صحف محلية أن مساهمة قطاع النسيج في الناتج الوطني الداخلي الخام  تراجعت من 4.9 بالمئة إلى 2.8 بالمئة، كما تضررت صناعة الأحذية بشكل غير مسبوق بعد أن أغلقت 200 شركة السنوات الأخيرة.

وقال رضا شكندالي خبير الاقتصاد التونسي لـ”العرب”، إن “العلامات الأجنبية مؤهلة للاستهلاك من طرف التونسيين، ما يعني منافسة المنتوج التونسي”. ويرى الشكندالي أنه “من الأفضل توجه المستهلك إلى السلع المصنعة داخليا حتى يدفع بنمو الاقتصاد ويعطي إحداثات جديدة لفرص الشغل، أما إذا توجه الاستهلاك نحو السلع المورّدة والتي لها نظير في تونس، فهذا سيقلص النمو وبالتالي يزيد في العجز التجاري.”

ومما يزيد من مخاوف تغول الفرنشايز في السوق التونسية نسقه التصاعدي المخيف في البلاد. ويتوقع خبراء أن عدد التراخيص مرشحة للزيادة مع ارتفاع نسبة التوريد في البلاد منذ أحداث يناير. وقدرت الأرقام المسجلة في العام 2017 حجم المنتجات الموردة بـ40 مليار سنويا منها 70 بالمئة بصفة عشوائية.

تراجع الثقة في المنتوج المحلي

Thumbnail

انتشرت العلامات الفرنسية والإسبانية مؤخرا في الفضاءات التجارية، التي تغري المستهلك بالدعاية المميزة وحملة التخفيضات التي قد تصل إلى 50 بالمئة خارج فترة التخفيضات الموسمية. ويعود إقبال التونسيين عليها إلى تراجع ثقتهم في جودة صناعتهم المحلية.

وحسب دراسة أعدها المعهد الوطني للاستهلاك (حكومي) في يونيو عام 2018، فإن 29.5 بالمئة فقط من التونسيين لهم أولوية الشراء دائما للمنتوج التونسي في صورة إمكانية الاختيار بين المنتوج التونسي والمنتوج الأجنبي. وهو ما يعني أن نحو ثلثي التونسيين يفضلون استهلاك المنتوج الأجنبي.

ووصفت الدراسة هذا المؤشر بالخطير لتهديده الاقتصاد الوطني، وحذرت من أنه لن يستطيع أن يقاوم وأن يصمد إذا لم يجد حاضنة في الداخل إلى جانب المنافسة الكبيرة للمنتجات الأجنبية في مجالات كثيرة منها النسيج والملابس والأحذية والمواد الغذائية.

ويشكو التونسيون من تردي الإنتاج المحلي. وأشارت عيّنة الدراسة إلى أن التونسيين يعتقدون أن الصناعات ذات الجودة الضعيفة هي الأحذية والمواد الإلكترونية والكهرومنزلية ومواد التجميل. وتشير 14.6 بالمئة من عينة الدارسة إلى ضرورة تحسين طرق العرض والتعليب و13.2 بالمئة أهمية تحسين الجودة.

سليم سعدالله: الفرنشايز تحول إلى واقع في تونس منذ تقنينه ويتعايش معه المستهلك في السنوات الأخيرة أمام إقبال كبير ومتواصل على الماركات العالمية
سليم سعدالله: الفرنشايز تحول إلى واقع في تونس منذ تقنينه ويتعايش معه المستهلك في السنوات الأخيرة أمام إقبال كبير ومتواصل على الماركات العالمية

وأكد سليم سعدالله “أن منظمة الدفاع عن المستهلك ستشرف عام 2019 على حملة لتشجيع المنتوج التونسي وتحسين جودته”. وسبق أن أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد في أواخر ديسمبر الماضي، عن إطلاق حملة كبيرة في المرحلة القادمة لتشجيع التونسيين على استهلاك المنتجات التونسية.

ودعا الشاهد، الذي تحول إلى البرلمان على متن سيارة تونسية الصنع سوداء اللّون من نوع “واليس كار”، في حركة لتشجيع استهلاك المنتوج التونسي لمناقشة مشروع الموازنة لعام 2019، إلى ضرورة استهلاك المنتجات التونسية قصد التقليص من التوريد والعجز التجاري، وبالتالي تحسين سعر صرف الدينار والمقدرة الشرائية. وتابع بالقول “كل منتوج تونسي يتم استهلاكه يساهم في التقليص من كلفة الاستيراد، وبالتالي الحفاظ على العملة الصعبة، وأيضا إحداث مواطن شغل إضافية لكل التونسيين”.

وحسب الدارسة ترتفع نسبة العزوف عن استهلاك المنتوج التونسي بالخصوص لدى فئة الشباب.

وعزا رضا قويعة أستاذ الاقتصاد لـ”العرب” ذلك إلى “توق الشباب إلى الماركات الأجنبية التي تتماشى مع رغباتهم وأذواقهم”. ويرى قويعة أنه من شأن الفرنشايز أن يحسن من إنتاجية المصانع ويحفز على الاستثمار”. لكنه حذر من مشكلة أخرى يتسبب فيها انفتاح الاقتصاد على السوق العالمية، وهو نزيف العملة الأجنبية. وأوضح بقوله “خروج نسبة من الأرباح إلى الخارج إلى صاحب العلامة التجارية يتسبب في إضعاف المدخرات الوطنية من العملة الأجنبية.”

وأجمعت أغلب الدراسات المحلية على أن تراجع الإقبال على المنتوج التونسي والخدمات لا ينحصر فقط في توغل نظام الفرنشايز في السنوات الأخيرة، بل يضاف إليه الفساد الذي ينخر البلاد مع انتشار الاقتصاد الموازي والتهريب وتجارة الملابس المستعملة. وفيما تسعى الحكومة للخروج من مأزقها الاقتصادي عبر طرق كل الأبواب لإنقاذ الاقتصاد، لا يزال موقفها ضبابيا في ما يخص نظام الفرنشايز، وتبدو في حالة تخبط بين رهانها عليه لجذب الاستثمار الأجنبي وهرولتها نحو التوريد، وبين تهديده لصناعتها المحلية.

12