الفريضة الغائبة في آليات الاستبداد الشرقي

الثورة تقدُّم إلى الأمام وليست انتكاسات إلى الخلف، وكان الظن أن هذا التقدم سيكون حال الشعوب التي انتفضت في شتاء 2011، ضمن ثورات أطلق عليها الغرب تسمية “الربيع العربي”. لكن لم تكد تتفتح أزهار هذا الربيع حتى تبين أنها أزهار هجينة بذورها لا تتناسب مع أرض العرب بل زادتها جدبا وقحطا، بعد أن تم لقرون استيلاب العقل العربي وجعله رهين جمود المقدس. وإذا كانت الثورة وسيلة البشر في الإفلات من قبضة البنية ذات التمركز الديني التي تمحور حولها عالم العصور الوسطى، فإن العرب قد جعلوا ثورتهم وسيلتهم في تديين السياسة.
الثلاثاء 2017/04/18
تكميم الأفواه بالمقدس

تبدو السلطة في غالب الدول والمجتمعات والعصور غاوية وفاتنة ولذائذية لمن استطاعوا الوصول إليها، وفي عيون وإدراكات من يرومون وصالها. ولكن السلطة فتنة وتحمل في أعطافها العديد من الأمراض السياسية والنفسية.

وغالبا ما تنطوي النفس السلطوية الأمارة بالسوء على بواعث الانحراف بها عن مسارات الشرعية وضوابطها، وقواعد دولة القانون على اختلافها، ولا سيما في مجتمعات «السلطنة الشرقية»، حيث الافتقار إلى التقاليد المؤسسية، وغياب معنى الدولة ورأسمالها الخبراتي لدى «بعض» من يصلون إلى سدة الحكم، ويعتقدون أنهم هم الدولة -على نمط لويس السادس عشر- «أنا الدولة والدولة هي أنا!»، ومن ثم يختصرون الدولة في ذواتهم المصونة والمحصنة ضد النقد أو العزل أو المساءلة القانونية عن بعض قراراتهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو انحرافهم بالسلطة كما يعرفها القانون الحديث والمعاصر.

هذا النمط من اختزال الدولة والنظام السياسي الحديث في نمط سلطاني في الحكم حيث لا قواعد ولا روادع ولا انصياع لحكم القانون في إطار الفصل بين السلطات يحوّل «الحكم الشرقي السلطاني» إلى حكم شبه مطلق، ومن ثم تغدو السلطة المطلقة أو «أشباهها» مفسدة مطلقة، وفق مقولة لورد أكتون ذائعة الصيت (النخبة والثورة.. الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية، نبيل عبدالفتاح، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013، ص 369).

أطلق المستشرق الإيطالي الشهير مقولة مفادها أن الإسلام ليس بالحركة الدينية؛ إذ ليس فيه ما يتصل بالدين غير واجهته. أما جوهره فسياسي واقتصادي محض.

وجسدت الحركات الراديكالية في الأقطار الإسلامية هذا المفهوم من خلال التعبير عن المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية تعبيرا دينيا.

طريق الأسلاف

هناك اعتبار خاص بمفهوم العرب في العصر الجاهلي عن السُنّة، فالسنة لغة هي الطريق، طريق الأسلاف الذي ثبت أنه في أسفارهم في الصحراء يقودهم إلى واحات وعيون لولاها لهلكوا.

وبالتالي فإنه من الخطورة بمكان أن ينحرف الفرد قيد أنملة عن طريق الآباء والأجداد. وقيد هذا الموقف العقلي الموروث قدرة العرب على المغامرة والابتداع وأشاع بينهم التقليد الأعمى والجمود.

سياسة القهر التي انتهجها حكام المسلمين وعلماء الدين تجاه كل مبادرة فكرية كانت لها آثار وخيمة يعاني منها العرب إلى اليوم

وأحدثت الدعوة الإسلامية تغيرا كبيرا في نفوس المعاصرين لعصر النبوة وما تلاه وموقفهم من القيم السياسية والدينية والاجتماعية إلى درجة أن الذين ارتدّوا عن الإسلام قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها رفضوا الاعتراف بسلطة الخليفة في المدينة على سائر أنحاء شبه الجزيرة العربية وخلعوا على دعوتهم سمة الدين وانتحل زعماؤهم لأنفسهم وصف النبوة وصوّروا ثوراتهم على أنها وحي من الإله، رغم أنه من الثابت أن هذه الثورات قد أشعلتها دوافع سياسية واجتماعية واقتصادية بحتة.

لذلك كان من أبرز سمات التاريخ الإسلامي ارتباط الدعوات والأفكار الخاصة بضرورة التغيير وإزالة المظالم، وكذلك الآراء المناهضة لتلك الدعوات هي الأخرى، ارتباطا وثيقا بالفكر الديني وما كان ليدور بخلد أتباعها أن احتجاجهم نابع عن غير العقيدة الدينية، ولا أنّ لهم من الأهداف غير تخليص الأمة من حكم لا يرضاه الله، والعودة بها إلى الطريق القويم، أو دعم حكومة ارتضاها الله للأمة واستئصال شأفة جماعات المعارضة.

ولا يمكن أن ننسى النزاع المرير خلال العصر العباسي الأول حول ما إذا كان القرآن مخلوقا أو قديما قدم الله. وواكب قيام الدولة العباسية ظهور طبقة من الوزراء والكتّاب والولاة والإداريين المحترفين جلّهم من الموالي والفرس، كان هدفهم تعزيز سلطان الخليفة الذي من شأنه أن يوفر لهم حرية أكبر في نشاطهم الإداري.

كان من أبرز وسائلهم لتحقيق هذه الغاية أن يحرروا الخليفة من الخضوع لأحكام الشريعة، نظرا إلى أن هذا الخضوع إنما يعني إذعانهم في ممارسة سلطاتهم لرقابة منافسيهم وخصومهم، ألا وهم طبقة الفقهاء وعلماء الدين.

وأيّد هذا الاتجاه من طبقة الوزراء والكتّاب الكثيرون من الفرس والشيعة المعتدلين، في حين تصدت له بالمقاومة طبقة الفقهاء والعلماء التي أصرت على وجوب التزام الخليفة ووزرائه وولاته بأحكام الشرع وهو ما صادف هوى في نفوس الكثيرين من العرب ذوي النزعة الديمقراطية والمؤمنين بالمساواة.

وهكذا ظهرت إبان ذلك العصر جبهتان متصارعتان، يمكن أن نسمي الأولى بالجبهة الأوتوقراطية وقوامها من الفرس ورجال الإدارة، وأن نسمي الثانية بالجبهة الدستورية، وقوامها من العرب والفقهاء.

وبمجرد أن تولّى المأمون الحكم بمعونة الفرس، وتمكن من القضاء على أخيه الأمين وأنصاره من العرب الأقحاح، حتى مال هذا الخليفة ذو الميول الشيعية إلى مساندة الجبهة الأوتوقراطية الراغبة في تعزيز سلطانه (سلطانها) وفي كسر شوكة العرب والفقهاء من أعدائها.

ووجد المأمون في إحدى نظريات المعتزلة ما قد يصلح لأن يستند إليه في سبيل تحقيق غرضه، ألا وهو نظرية خلق القرآن.

ذلك لأن القول إن القرآن غير مخلوق، وبأنه قديم قدم الله، إنما يعني أنه مساو له في القدْر، وتعبير كامل عن حقيقته، في حين أن القول إن القرآن مجرد كلام خلقه، يجعله بمثابة غيره من المخلوقات، كالناس والأنعام والجبال والحجارة، فليس له إذن من المقام ما يعزوه الفقهاء إليه، وبالتالي فإنه يمكن للخليفة أن يأخذ بأحكامه أو ينحّيها جانبا وفق ما يشاء.

القول بخلق القرآن يُضعف من الأساس الذي تقوم عليه آراء الجبهة الدستورية التي تذهب إلى ضرورة أن يكون القرآن دستور المجتمع، والنظام السياسي للدولة، في حين تؤدي نظرية قدم القرآن إلى القول إن الشريعة فوق الإمام وليس الإمام فوق الشريعة.

وهذا مثال يوضح كيف اكتست الآراء والمذاهب المتباينة في أقطارنا في ميدان السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد ثوب الدين، وكيف أضحى الدفاع عنها أو التهجم على مخالفيها مصطبغا بصبغة الحرمة الدينية، لا الموضوعية العلمية (أبو شاكوش، حسن أحمد أمين، دار العين للنشر، القاهرة 2007، ص 148 - ص 149).

ارتفع الخطاب الأشعري بالحاكم إلى مقام الشراكة مع الله في الفعل والقدرة، بما يعني أن الاستبداد يصبح دينا يتعبد به الناس لله.

وهكذا يحصن الاستبداد نفسه بأن يجعل من نفسه جزءا من الدين على نحو يكون فيه أيّ سعي إلى مناهضته والخروج عليه بمثابة خروج على الدين ذاته. وليس من شك في أن هذه الحالة التي يستحيل فيها الاستبداد إلى نظام في الدين تكون هي الأكثر ضراوة واستعصاء على التحدي.

وقد مضى عبدالرحمن الكواكبي يفضح الطريقة التي يسطو من خلالها المستبدّ على الدين ويحيله إلى مطية لطغيانه واستبداده؛ سواء أكان ذلك من خلال اتخاذه لنفسه صفة قدسية يتشارك بها مع الله، أم تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله، أو يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبدالرحمن الكواكبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، ص 13).

كان الكواكبي هو من كشف -وببراعة فائقة- عن الكيفية التي ينتج بها الاستبداد «التنطع» في الدين؛ والذي هو الآية الكبرى على دخول الدين إلى دائرة الخواء والصورية. فقد مضى إلى أن «المستبدين قد سطوا على الدين واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة، وجعلوه آلة لأهوائهم، فضيعوه وضيعوا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش وإدخال ما ليس منه فيه كما فعل أصحاب الأديان السائرة... وبذلك انفتح باب التلوّم على النفس اعتقادا بالتقصير، وأن لا نجاة ولا مخرج، ولا إمكان لمحاسبة النفس.

وهذه الحال تصغر النفس وتخفت الصوت وتمنع الجسارة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنوط بها قيام الدين وقيام النظام والعدل. وهذا الإهمال للمراقبة والسيطرة والمؤاخذة والسؤال أوسع لأمراء الإسلام مجال الاستبداد وتجاوز الحدود. وبهذا وذاك ظهر حديث «هلك المتنطعون» أي المتشددون في الدين (السابق ص 17 - ص 18).

اضطهاد الفكر

الأدهى من ذلك أن سياسة القهر التي انتهجها حكام المسلمين وعلماء الدين تجاه كل مبادرة فكرية حرة، كانت لها من الآثار الوخيمة ما لا يزال العرب يعانون منه إلى يومنا هذا. فقد بات التصدي لتلك المبادرات تصديا إداريا من السلطة، لا تصديا فكريا من أصحاب الرأي المخالف.

وأحبط هذا القمع العنيف كل محاولة من أجل التجاوب مع المتغيرات في العالم المحيط بدولة الإسلام، ومن أجل مجابهة التحديات الجديدة. فكان أن وجد المثقفون السلامة إما في التزام الصمت وإما الالتزام بما تمليه عليهم السلطتان السياسية والدينية.

ثم كانت ثمرة أخرى لهذا الافتقار إلى الحوار الفكري بين أصحاب الآراء المختلفة: وهي أن الرجعيين من علماء الدين، وقد اطمأنوا إلى مناصرة الحكام المستبدين لهم، وإلى فقدان المفكرين للجرأة على التحدي والنقاش، لم يجدوا ضرورة للتسلح بالمزيد من العلم وبالتالي أهملوا الدرس والتحصيل، وانصرفوا عن تراثهم الفكري الرائع، مكتفين بالاستناد إلى الحكومات في حماية العقيدة ومحاربة البدعة.

وهو ما لا يزال يحدث في بلادنا إلى اليوم إذ نرى المتشددين كلما ظهر كتاب أو مقال يخالف فكرهم، يهرعون في جزع إلى السلطة يضرعون إليها أن تصادر هذا الكتاب، أو تقمع فكر هذا الكاتب، أو تمنع عرض هذا الفيلم أو هذه المسرحية.

يكشف تاريخ الثورات أنها تندلع من أجل الدخول بمجتمعاتها إلى آفاق جديدة. ومن هنا فقد كان الظن بأن الثورات العربية سوف تفتح الباب أمام مجتمعاتها لدخول عصر الحداثة العقلية والسياسية والاجتماعية. لكن يبدو وكأن العرب -وكعهدهم في التفرد دوما- قد أرادوا لثوراتهم الراهنة أن تكون سبيلهم إلى النكوص إلى العصور الوسطى. فإذا كانت الثورة هي وسيلة البشر في الإفلات من قبضة البنية ذات التمركز الديني التي تمحور حولها عالم العصور الوسطى، فإن العرب قد جعلوا ثورتهم وسيلتهم في تديين السياسة.

ولسوء الحظ فإن «العنف في كل أشكاله الناعمة والدامية يكاد يكون أحد أهم المآلات التي لا بد أن ينتهي إليها الخطاب الرامي إلى تديين السياسة. وتتفرع عن ذلك حقيقة أن التفكير في السياسة أو ممارستها بالدين، يحيلها إلى جملة شمطلقاتص سوف يجد البعض أن لا سبيل لتسكينها في الواقع -على فرض إمكان ذلك- إلا بالإكراه والقسر. وعلى الدوام، فإنه يبقى أن العبرة هي بالمصائر والمآلات التي تقتضيها أنظمة الخطابات، وليست بالمقاصد والنيات التي تسكن نفوس الأفراد»، (في لاهوت الاستبداد والعنف، علي مبروك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2014، ص ص 104-106).

* ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

6