الفريق أسامة ربيع يتحدى ألغام الملاحة بسفينة عمرها 150 عاما

الفريق ربيع يواجه تحديا رئيسيا يرتبط بزيادة حصة القناة من حركة التجارة العالمية وسط منافسة عالمية ضارية تتعرض لها، خاصة التهديدات القادمة من الصين، والتعامل مع تغيير بعض سفن النفط والغاز العالمية لوجهتها نحو المرور عبر رأس الرجاء الصالح.
الخميس 2019/09/05
عسكري يبحر بقناة السويس وسط العواصف الإقليمية

تواجه قناة السويس المصرية تحديات جمّة على مستوى التأمين وتذبذب حركة التجارة، وتزايد الأجواء البحرية المفخخة بفعل تذبذب الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تمتد الآثار إلى البحر الأحمر الذي تربطه القناة بالبحر المتوسط. كما أنها معرّضة لنوع آخر من الألغام الناجمة عن احتدام الصراع على جذب الملاحة البحرية وتعظيم الاستفادات الاقتصادية.

جاء تعيين الفريق أسامة ربيع على رأس الهيئة التي تدير القناة مؤخرا، ليؤكد أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مصمّم على أن تحافظ القناة العريقة على حيويتها الاقتصادية، من خلال المداومة على ضخ دماء جديدة في إدارتها تتماشى مع مقتضيات العصر.

شغل ربيع منصب قائد القوات البحرية في الجيش المصري، وعمل نائبا لرئيس هيئة قناة السويس السابق الفريق مهاب مميش، وبدا قرار تعيينه قبل ثلاثة أعوام كأنه يجري تجهيزه ليتصدر المشهد البحري المدني، اعتمادا على تراكم خبراته في القطاع البحري العسكري.

تدرك القاهرة جيداً أن نمو حركة السفن عبر القناة أو تراجعها يؤثر عليها بشكل مباشر، ما يجعل قناة السويس التي تشكّل رابع أكبر دخل للعملة الأجنبية في مصر بعد الصادرات وتحويلات العمالة بالخارج والسياحة، محلّ اهتمام من القيادة السياسية التي تحاول تحسين الأوضاع الاستثمارية، وتخفيف تداعيات الإصلاحات الاقتصادية التي أرخت بتداعيات سلبية على قطاع واسع من المواطنين.

طموحات الدولة

الحكومة المصرية  تتعامل مع الممر الذي مضى على تشييده نحو 150 عاما باعتباره من المشاريع القومية التي تنتظر منها قطف ثمرة النجاح
الحكومة المصرية  تتعامل مع الممر الذي مضى على تشييده نحو 150 عاما باعتباره من المشاريع القومية التي تنتظر منها قطف ثمرة النجاح

على مدار السنوات الماضية التي كان فيها الفريق مميش على رأس هيئة قناة السويس، تعاملت الحكومة مع الممر الذي مضى على تشييده نحو 150 عاما باعتباره من المشروعات القومية التي تنتظر منها قطف ثمرة النجاح بعد افتتاح تفريعة جديدة للقناة في العام 2015، كأحد أول المشروعات القومية العملاقة التي دشّنها السيسي وتم تمويلها من جيوب المواطنين.

يأتي الفريق ربيع محمّلا بمزيد من طموحات الجماهير التي ترى في القناة واجهة مشرفة ملاحيا وواعدة اقتصاديا، بعد أن تحوّل إقليم شرق القناة إلى منطقة جذب لتوطين الكثير من الصناعات المختلفة.

كان لانكماش حركة التجارة العالمية في العامين 2016 و2017، دور مباشر في توجيه انتقادات عدّة للحكومة التي روّجت أن إيرادات القناة سوف تتضاعف لتصل في العام 2023 إلى 13.2 مليار دولار.

وظفت القاهرة انتعاشة حركة التجارة منذ منتصف العام الماضي كدليل على صواب توجهاتها، وقدّمت إدارة القناة تخفيضات لمرور السفن أفضت إلى تحقيق أعلى عائد سنوي في تاريخ القناة خلال العام المالي الراهن، والوصول إلى رقم قياسي في عدد السفن التي مرّت في اليوم، واستثمرت المسألة كأحد البراهين التي تؤكد بُعد نظرها. وهو ما يمهّد الطريق أمام ربيع، الذي يوحي اختياره بعد سلسلة من النجاحات أن الحكومة تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

رأت الحكومة أنها وضعت قَدما في مرحلة بناء الثقة بينها وبين المواطنين الذين شككوا كثيراً في الجدوى من توسعة ممر القناة، وعليها الحفاظ على ذلك التطور الذي ينطوي على أهداف سياسية متعددة، لها أبعاد دولية حساسة في خضم سلسلة من الصراعات المشتعلة في المنطقة.

جاء ربيع من خلفية عسكرية بحرية كسابقه مميش، ولعب دورا مهما في سدّ المنافذ المصرية أمام الهجرة غير الشرعية، وكان حاضرا في خطوات تطوير سلاح البحرية المصري. وفي عهده تم تزويد البحرية المصرية بحاملتي الطائرات ميسترال جمال عبدالناصر وأنور السادات، والفرقاطة البحرية “تحيا مصر”، وشراء لنشات صاروخية روسية الصنع تسمى “مولينيا”، ما جعل مصر تحتل المرتبة السادسة في تصنيف أجراه موقع “غلوبال فيرباور” لأقوى 10 قوات بحرية في العالم.

ويعتبر البعض أن صفقات السلاح المصري التي تمت في الآونة الأخيرة لها أهداف أبعد من الخطط العسكرية التي يضعها الجيش، وأنها غير منفصلة عن آليات الاستفادة من مجرى قناة السويس ودواعي تأمينه.

علاقات بحرية متوازنة

ما يميّز ربيع أنه استطاع توفير القدرات البشرية وتطويعها وتطورها بما يجعلها قادرة على التعامل مع الأسلحة الحديثة، بما يصب في صالح الارتكان عليها في عملية الإحلال والتجديد التي تحتاجها قناة السويس لمواكبة المنافسة العالمية على جذب حركة التجارة، والقدرة العالية للذود عنها، إذا تعرّضت لأي تهديدات.

وفي أثناء تدرّجه في مناصبه داخل القوات البحرية شغل ربيع منصب مدير الكلية البحرية خلال العام 2012. في تلك الفترة شهدت المناهج التعليمية داخل الكلية طفرة اعترف بها العديد من الطلاب الذين التحقوا للدراسة فيها، ومدها بأحدث الوسائل التكنولوجية، وغيّر من فلسفة الدراسة لتقوم على الاستفادة من خبرات الآخرين عبر التجارب العملية.

بفعل هذه الإستراتيجية أضحى طالب الكلية البحرية في مصر يقضي العام الدراسي الثاني يجوب البحار في عدد من البلدان الأوروبية والتعرّف على التكنولوجيا البحرية لديها والتعامل مع السفن، ثم يسافر في السنة الثالثة في جولة عربية للهدف ذاته، على أن يكون ملمّا بقدرات بلاده البحرية في مختلف السواحل المصرية.

كانت هذه التطورات سبباً في أن يؤسس لعلاقات قوية مع عديد من الدول التي جابها برفقة طلابه في الكلية البحرية، وأبرم برتوكولات للتبادل الثقافي والعسكري مع معاهد بحرية كثيرة خارج مصر. ولعل تلك العلاقات والخبرات ما تحتاج إليها مصر حالياً ضمن إجراءاتها الساعية للحفاظ على مكانة القناة كأسرع ممر للنقل البحري بين أوروبا وآسيا.

قال ربيع بعد توليه منصبه في 17 أغسطس الماضي “إن تحديث وتطوير قدرات الأسطول البحري لهيئة قناة السويس من القاطرات والوحدات البحرية المختلفة يأتي على رأس أولويات إستراتيجية العمل خلال المرحلة القادمة، وهناك جدول زمني لإنجاز المهمة”.

يبرهن هذا التصريح على أن القاهرة أدركت أن ما يجذب أصحاب الخطوط الملاحية، هو توفير الخدمات بجانب الوقت، الأمر الذي أشار إليه يورس مول العضو المنتدب لخط سنغافوري الذي يمتلك 50 بالمئة من حركة التجارة بين آسيا وأفريقيا، في وقت تحدّث فيه ربيع عن رغبته في تحسين الخدمات الملاحية المقدمة للسفن العابرة ورفع التصنيف الملاحي للقناة.

تزويد البحرية المصرية للقناة بحاملتي الطائرات ميسترال جمال عبدالناصر وأنور السادات، والفرقاطة البحرية "تحيا مصر"، واللنشات الصاروخية روسية الصنع "مولينيا"، يجعل مصر تحتل المرتبة السادسة حسب تصنيف موقع "غلوبال فيرباور" لأقوى 10 قوات بحرية في العالم

كل من يعرفون ربيع يقولون إنه يتميّز بالحكمة والهدوء والقدرة على الحسم في الوقت ذاته، ولا يظهر كثيراً في وسائل الإعلام، ويلقى تقديراً واسعاً من العاملين في الهيئة الذين رأوا في حزمه ورشادته أملاً لتطبيق خطط الدولة الساعية لتعظيم مكانة القناة باعتبارها أحد روافدها المهمة.

يواجه ربيع تحدياً رئيسياً يرتبط بزيادة حصة القناة من حركة التجارة العالمية وسط منافسة عالمية ضارية تتعرض لها، خاصة التهديدات القادمة من الصين، والتعامل مع تغيير بعض سفن النفط والغاز العالمية لوجهتها نحو المرور عبر رأس الرجاء الصالح، بسبب قلة التكلفة وتراجع المخاطر الجيوسياسية في منطقتي القرن والجنوب الأفريقي، فضلا عن انخفاض أسعار النفط.

تخشى مصر من تأثيرات طريق الحرير البحري الذي تخطط الصين لإنشائه وبالتحديد الخط الأول منه، والمقرر أن يبدأ من الساحل الصيني مرورا بمضيق مالقة إلى الهند والشرق الأوسط وشرق أفريقيا، ما دفعها للانضمام إلى دول “تجمع الحرير” لضمان تحقيق أعلى استفادة.

يتوجس ربيع من تنامي الحديث عن مشروعات قناة البحر الميت، وخط سكك حديد تل أبيب، والممر الشمالي الشرقي، وتوسعة قناة بنما، وهي مشروعات مازالت في طور الإنشاء، لكنها يمكن أن تشكل تهديداً مباشرا للقناة المصرية، التي يبلغ طولها 192 كيلومترا، وتختصر زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو 15 يوما في المتوسط، دون حاجة للدوران عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

على ربيع تبديد الهواجس التي تؤرق الحكومة المصرية جراء القفزات التي تشهدها حركة التجارة الملاحية في العالم والبحث عن طرق جديدة، واقتصار التكليف على إدارة قناة السويس فقط والتفرّغ لمهمة تطويرها.

فصلت الحكومة المصرية بين مهام إدارة القناة، وبين مسؤولية الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وعيّنت المهندس يحيي زكي رئيساً للثانية، في خطوة تهدف إلى سرعة تنفيذ مشروع محور قناة السويس بهدف إقامة مراكز لوجستية تكون قيمة مضافة للقناة ومركز تجارة صناعي عالمي يقلل من التهديدات الخارجية.

وتستهدف المنطقة الاقتصادية إنشاء مناطق صناعية متخصصة بمواد البناء والأغذية والمنسوجات وقطع غيار السيارات والأجهزة الإلكترونية على جانبي الممر المائي الذي يقترب طوله من 200 كيلومتر، إلى جانب تأسيس مشروعات صغيرة ومتوسطة تخدم الصناعات الضخمة والإستراتيجية.

أكد ربيع أن الدولة تتبنّى نهجاً جديداً لزيادة الاستفادة من موارد القناة بغرض تحويلها إلى منصة لخدمة حركة التجارة العالمية، ما يتماشى مع إستراتيجيات أخرى تهدف إلى الارتقاء بالاقتصاد عبر التحوّل إلى مركز إقليمي لتقديم الخدمات وتطوير تجارة وتداول الطاقة في منطقة البحر المتوسط.

تساهم خبرات ربيع العسكرية في اتخاذ السبل اللازمة لاستقرار القناة، في وقت تضطرب فيه حركة الملاحة البحرية في أكثر من بقعة بفعل المخاطر القادمة من تصوّرات إيران للملاحة في المنطقة، ومرجّح أن يتولّى الإشراف على مهام مكافحة الألغام البحرية لقدرته على التعامل مع التهديدات المتصاعدة.

اتخذت مصر خطوات استباقية منذ الانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن لتأمين الملاحة، ففي يناير من العام 2017، أمر الرئيس السيسي بتأسيس الأسطول الجنوبي ومهمته تمشيط مدخل البحر الأحمر الجنوبي، الذي كان الفريق ربيع أحد القادة الفاعلين في تأسيسه، وجاء التحرك كجزء من خطة تأمين المصالح الاقتصادية والأمنية في منطقة الخليج التي يعبر نفطها من مضيق باب المندب في طريقه إلى قناة السويس ومنها إلى الأسواق الدولية.

تهديدات إيران

القاهرة تدرك جيدا أن نمو حركة السفن عبر القناة أو تراجعها يؤثر عليها بشكل مباشر، ما يجعل قناة السويس التي تشكل رابع أكبر دخل للعملة الأجنبية في مصر محل اهتمام كبير من القيادة السياسية
القاهرة تدرك جيدا أن نمو حركة السفن عبر القناة أو تراجعها يؤثر عليها بشكل مباشر، ما يجعل قناة السويس التي تشكل رابع أكبر دخل للعملة الأجنبية في مصر محل اهتمام كبير من القيادة السياسية

ربما تصبح قناة السويس تحت تهديد مباشر، إذا أقدمت طهران على فعل حقيقي للسيطرة على مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، وفي تلك الحالة فإن مهمة تأمين قناة السويس من التهديدات تتضاعف بما يجعل شحنات النفط التي تمر عبرها في مرمى الخطر.

مثلت هذه العوامل دافعا قويا لاختيار ربيع الذي نجح من قبل في قيادة القوات البحرية وتنشيط دورها في سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، فضلا عن قناة السويس، ومتابعته عن كثب لمشاركة القوات البحرية في عاصفة الحزم التي استهدفت عودة الشرعية في اليمن.

ويرى خبراء عسكريون أن التصعيد البحري الإيراني في مضيق هرمز ربما يخدم ربيع، لأن قناة السويس قد تصبح بديلاً مناسباً للمملكة العربية السعودية الساعية لتصدير نفطها إلى آسيا عبر موانئها على البحر الأحمر، ومنها إلى قناة السويس.

من الواضح أن الناقلات التي يمكن أن تتعرض للأضرار غالبيتها تمدّ دول آسيا بالنفط، وليس الدول الغربية، وأن تنوع علاقات القاهرة السياسية يجعل من قناة السويس خياراً ملائماً حال تعقدت الأوضاع في المنطقة.

وقد يكون ربيع سيء الحظ، حال تعرض حركة التجارة العالمية للركود نتيجة اضطراب حركة الملاحة البحرية بسبب التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، ما يؤدي إلى انخفاض حركة الشحن وتقليص عوائد الممرات الملاحية.

وحذّر تقرير صادر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “اونكتاد”، من أن تداعيات الحروب التجارية العالمية وتصاعد وتيرة الرسوم الجمركية الانتقامية يؤثران على نظام التجارة العالمي الذي يدعم الطلب على النقل البحري.

12