الفريق أول عوض بن عوف قائد للتغيير أم مؤسس لدولة عربية ملتبسة جديدة

الجيش السوداني يؤكد أنه لا يريد الحكم ولكن هل سيخرج ذلك الجيش من قواعد الجيوش العربية التي عهدناها؟
السبت 2019/04/13
وزير الدفاع السوداني الذي اقتلع البشير

كما في كل انتفاضة شعبية عربية مرت خلال السنوات القليلة الماضية، أطل الجيش بعد تصاعد الاحتجاجات المدنية في الشارع ضد شخص وصل إلى السلطة بطريقة ما ذات يوم ثم تمسّك بها رافضاً التخلي عنها لغيره، بعد أن دجّج البلاد كلها بالفشل والفقر والقمع والتقسيم. فتارة نرى الجيش واقفاً خلف ذلك المستبد، وتارة نجده يقف خلف المواطنين.

بطل المشهد اليوم هو وزير الدفاع السوداني ورئيس اللجنة الأمنية العليا، عوض بن عوف، الذي أعلن الخميس الماضي، في بيان رسمي طال انتظاره، اقتلاع نظام الرئيس عمر حسن البشير والتحفظ على رأسه، كما قال، في مكان آمن وتعطيل الدستور، وجملة قرارات استثنائية.

بن عوف الذي قال عن نفسه إنه رئيس اللجنة الأمنية، قرر تشكيل مجلس عسكري انتقالي لإدارة البلاد لمدة عامين. بعد أن حل البرلمان والحكومة والمجالس المحلية وغيرها وفرض حظر التجوال.

ولد بن عوف أوائل الخمسينات في “قري” في الريف الشمالي السوداني، والتحق بالكلية الحربية وتلقى تدريبه العسكري في مصر. وتدرج في المناصب العسكرية حتى تولى إدارة الاستخبارات العسكرية، وعُيّن نائبا لرئيس الأركان. وفي العام 2010، تمت إحالته إلى التقاعد، وعُيّن سفيرا مقيما في وزارة الخارجية، ثم قنصلا في القاهرة وسفيرا للخرطوم لدى سلطنة عُمان، وفي العام 2015، أصدر الرئيس السوداني “المقتلع” حسب تعبير بن عوف، مرسوما بتكليفه بحقيبة وزارة الدفاع الوطني.

وكان بن عوف قد لعب دورا في إعادة الدفء إلى العلاقات السودانية الإريترية خلال فترة رئاسته للجنة الأمنية للمفاوضات السودانية الإريترية. وكان له موقف لافت حول الحرب في اليمن، بشأن وجود قوات من الجيش السوداني هناك، حيث أكد بن عوف إصرار الخرطوم على بقاء جنودها في اليمن ضمن تحالف إعادة الشرعية بقيادة السعودية، رغم العديد من الدعوات لسحب القوات من اليمن، معتبرا أن مشاركة القوات المسلحة السودانية في اليمن واجب والتزام أخلاقي.

عقائد الجيوش العربية

وقد أدى الدور الذي لعبه رئيس الأركان الجزائري قايد صالح قبل أيام قليلة والدور الذي تلاه والذي قام به بن عوف في الإطاحة برئيسين عربيين متشبّثين بالسلطة، إلى إعادة طرح التساؤلات حول دور الجيوش في الحياة العامة العربية.

في الدولة العربية بصورتها الحالية التي نعرفها، وبالمستوى الذي وصلت إليه من النمو، وهو مستوى محدود حتى في أفضل الدول العربية، نرى أن المؤسسة الأكثر تماسكاً والأكثر انضباطاً هي الجيش. وذلك يعود إلى ثقافة ضاربة في عمق الشخصية العربية، ترى في الانضباط والالتزام حماية لها. وهو ما يمنح الجيش مكانته وأدواره.

بن عوف يعد من بين الذين لعبوا دورا في ترتيب علاقات السودان مع الإقليم وسط الفوضى التي أوقع البشير البلاد فيها، فقد ساهم في إعادة الدفء إلى العلاقات السودانية الإريترية، كما أكد تمسك الخرطوم بإبقاء جنودها في اليمن ضمن تحالف إعادة الشرعية 

مصر، مثلاً، لم تشهد ازدهاراً في تاريخها إلا حين كان يحكمها العسكر، وهم حكموها للآلاف من السنين، منذ الفراعنة الذين امتزجت فيهم صورة الملك مع صورة الإله مع صورة القائد العسكري، إلى المماليك الذين كانوا جميعاً جنوداً وقادة، وحتى أسرة محمد علي باشا التي انتخبت بتنحية الملك فاروق الأول والأخير، هي أسرة عسكرية نشأت وتتالت سلالتها وفق العقيدة العسكرية التي وضعها الحاكم العسكري لمصر محمد علي باشا.

لم تكن تلك المشكلة، بل المشكلة في فهم طبيعة الدولة. حتى أن الفترة التي تلت انتخاب الرئيس المعزول محمد مرسي، كانت أيضاً فترة حكم عسكري، بسبب رعاية ووصاية المجلس العسكري المصري لكل العملية الانتخابية وشؤون الدولة، وإن بدت شكلاً “مدنية” وديمقراطية.

وفي بقية الدول العربية اتخذ الجيش شكل المؤسسة؛ في العراق اندمج مع التحولات الأيديولوجية. صحيح أنه انقلب على الملكية، لكنه سرعان ما عاد وانسجم مع السياق، حتى أنهكته الحروب. وبقي يأتي مع القائد إن صعد، ويذهب معه إن ذهب. أما في الخليج وفي المغرب العربي، فقد كانت تلك الجيوش ذات طابع أقل سطوة، وأكثر إدارية منها ككيانات ذات إرادة مستقلة. وذلك بسبب طبيعة المجتمع الذي مارست تقاليده سلطاته العديدة لضبط الجميع وسبكهم في نظام يعطي كل طرف جانباً من التقدير والنفوذ والمسؤولية أيضاً.

 وكان المثال الأبرز هو الفريق أول رشيد عمار رئيس أركان الجيوش الثلاثة التونسية الذي يعيد إليه الكثيرون الفضل في انطلاق عجلة التغيير في العالم العربي كله، حين ساهم بشكل جوهري في إسدال الستار على نظام زين العابدين بن علي.

ولعل ما يلفت النظر هنا تصريح لم تتوقف عنده وسائل الإعلام كثيراً صدر عن عمار في أكتوبر من العام الماضي قال فيه لإذاعة “ديوان أف أم” إنّ على التونسيين “ضرورة حسن الاختيار سياسيا”، معتبرا أنّ من يدعون المؤسسة العسكرية إلى إصدار البيان رقم 1 للانقلاب على المسار الديمقراطي هم أناس غير مسؤولين، واصفا تلك الدعوات بالخطيرة ومشددا على أنّ المكان الطبيعي للجيش هو في الثكنات. ودعا عمار، حينها، السياسيين إلى النأي بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، مؤكدا وجود “تقصير في حقّ بناتها وأبنائها”. لكن ما هو التقصير الذي يتحدث عنه الجنرال العربي الوحيد في هذه المرحلة الذي رفض تولي السلطة والقيام بانقلاب عسكري؟

استثناء في المشرق

المطلوب جيش متطور مكون من عناصر تؤمن بالمواطنة
المطلوب جيش متطور مكون من عناصر تؤمن بالمواطنة

يؤكد الجيش السوداني أنه لا يريد الحكم. ولكن هل سيخرج ذلك الجيش من قواعد الجيوش العربية التي عهدناها؟ لقد تركّب الجيش العربي تاريخياً من كافة طبقات المجتمع، وبات المؤسسة الوحيدة أيضاً التي تتحقق فيها المساواة باعتباره مؤسسة تقبل انتساب الجميع وتدخلهم في آلية واضحة ونظام محدد للترقّي يوصلهم إلى رتب متصاعدة لها امتيازات وعليها واجبات محددة.

 وهو أمر شائع في جميع الجيوش العربية، ومن بينها الجيش السوداني. ويستثنى من ذلك بالطبع الجيش السوري، الذي يختلف كلياً عن بقية تلك الجيوش، لأنه تأسس على يد الفرنسيين تحت اسم “جيش الشرق” أو “القوات الخاصة للشرق”، وفقاً لصك الانتداب الفرنسي الذي كان يوجب على فرنسا أن تؤسس جيشاً “محلياً” في المناطق التي تحتلها لتوفير الغطاء الشرعي للعمليات الحربية في تلك المناطق ولتأمين الاستقرار.

 وكانت نواته من الأرمن والشيشان المهاجرين إلى سوريا حديثاً بعد الأحداث الدامية التي تعرضوا لها في كل من تركيا وروسيا، ثم ما لبث أن انضم إلى جيش الشرق كل من الموارنة والعلويين، وبدأت الكتائب التي سماها الفرنسيون بـ”الأنصار” تنتشر أكثر وأكثر. وقد كتب القنصل البريطانيّ في دمشق والتر سمارت آنذاك، في رسالة وجهها إلى وزارة الخارجية البريطانية في 23 فبراير عام 1926، تعليقاً على واقعة تجنيد السلطة الفرنسيّة لمئتي إسماعيلي سوري حينها، أنّ هذا الإجراء “جلب إلى بعض الأذهان ذكرى تحالف طائفة الحشّاشين مع الحملات الصليبيّة”. وأضاف سمارت “لقد جرّ الفرنسيون جميع الأقليات للمواجهة ضد الإسلام العربي، ومن المتحقق أن العرب لن ينسوا هذه الحقبة المفجعة”.

وبناء على تركيبة ذلك الجيش الذي أصبح مكوناً بغالبيته من الأقليات، قامت السلطات الفرنسية، لاحقاً، بتقسيم سوريا إلى عدة دول، واستمرت مطالبة السوريين بحل هذا الجيش وتشكيل جيش وطني سوري طيلة فترة وجود الفرنسيين في سوريا. وحافظ جيش الشرق على تركيبته الطائفية، حتى بعد خروج فرنسا، فقد أصبحت تلك التركيبة جزءاً من عقيدته وتوجهاته، واستمر هكذا حتى هذه اللحظة.

ولذلك كان صعباً عليه أن يقوم بالدور ذاته الذي لعبه الجيش التونسي والجزائري والسوداني، والمصري أيضاً في ثورة 25 يناير. ولذلك لم يشهد موقفاً كموقف المشير عبدالرحمن سوار الذهب الذي نفذ انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس الأسبق جعفر النميري، قبل عقود، لكنه لم يلبث أن سلّم السلطة إلى الشعب. سوار الذهب الذي يفخر قادة التغيير في السودان بالانتساب إليه كما قال رئيس اللجنة السياسية والعسكرية الفريق أول عمر زين العابدين في مؤتمره الصحافي، الجمعة، نافياً رغبة رفاقه في الاستيلاء على الحكم حين قال “نحن أبناء سوار الذهب”.

البحث عن الدولة المدنية

البعض يرى أن مقدمة خطاب بن عوف المليئة بالمحتوى الديني، تعكس بشكل مباشر كيف أن فهم طبيعة “الدولة” ملتبس ليس فقط في ذهن الإسلاميين، بل في ذهن العسكر أيضا.
البعض يرى أن مقدمة خطاب بن عوف المليئة بالمحتوى الديني، تعكس بشكل مباشر كيف أن فهم طبيعة “الدولة” ملتبس ليس فقط في ذهن الإسلاميين، بل في ذهن العسكر أيضا.

ومن استوقفته مقدمة خطاب وزير الدفاع السوداني المليئة بالمحتوى الديني، سيدرك بسهولة كيف أن فهم طبيعة “الدولة” ملتبس ليس فقط في ذهن الإسلاميين، بل في ذهن العسكر أيضاً، وقديما كتب أبوحامد الغزالي أن “الدنيا والأمن والأنفس والأموال لا تنتظم إلا بسلطان مُطاع”. وذلك السلطان الآن هو القوة الأكثر تنظيماً في المجتمع والتي هي في الدول العربية؛ الجيش وحده.

يخشى الشارع أن تفلت من بين أيديه الدولة المدنية في السودان، ولكن أين هي الدولة المدنية أساساً؟

إن تتبع مفهوم الدولة المدنية يكشف عن تضليل كبير قام به المشتغلون عليه، لاسيما بعد سقوط الخلافة العثمانية في الثلث الأول من القرن العشرين، وكانت غالبيتهم من المفكرين الإسلاميين الذين رأوا أن نقل نموذج الدولة من الغرب إلى الشرق، مع غياب الخليفة، أمر في غاية الخطورة على الأمة.

ولذلك فقد كان شغلهم الشاغل هو إثبات أن الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة هي “دولة مدنية” ومن هنا تحوّر الحكم المدني إلى معاني أخرى لا أساس لها.

كان أبرز وأول من كتب في الدولة الجديدة علي عبدالرازق الذي قال “الدين بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة” وقد كان بذلك ينزع من رأس الدولة هالته الدينية، وبالتالي ينزع عن الدولة هالتها الدينية.

لكن ردود الفعل من الإسلاميين، على دعوات فصل الدين عن الدولة، كرّست مفهوم “الدولة المدنية” الملتبس دون أن يعي أحد كيف تم ذلك. مع أن القصد لم يكن التأكيد على دولة تحكمها المظاهر “المدنية”، بل على شرح ما هو مناقض لها. فتم تقديم الدولة المدنية على أنها كل ما هو نقيض للتالي “الفوضى، باعتبار أن تلك الدولة جهاز تنظيمي لتدبير شؤون المواطنين وتسيير حياتهم. ثانياً؛ هي نقيض للدولة التسلطية التي يستفرد فيها الحاكم بالقرار دون رقيب. ثالثاً؛ هي نقيض للدولة التي يغيب فيها سمو الإرادة الشعبية. رابعا؛ هي نقيض للدولة التي يسود فيها الفكر الإطلاقي في القول والفعل السياسيين”.

وهكذا ضاع المفهوم في النفور من المخاطر أكثر من تحديد ماهية الدولة المدنية. ولذلك بات مجرد ظهور عسكري على الشاشة في لحظة فارقة أمراً مرعباً للباحثين عن تلك “الدولة المدنية” المنشودة.

الوحيد في الساحة

انتشرت فور إعلان البيان العسكري الأول الذي قرأه بن عوف على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات العديدة التي تتناول الشأن السوداني مخاوف من سرقة الثورة، ومن تكرار ما حصل في حالات أخرى، وكأن الشعب لم يذهب بنفسه بما يقارب ثلاثة ملايين سوداني وسودانية إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية للمطالبة بالتدخل وللاحتماء بالجيش من سطوة البشير. ولم يتساءل أحد لماذا فعلت الملايين هذا؟ ولماذا لم تذهب إلى رجال الدين أو إلى المثقفين أو إلى النقابات؟

لقد كان لتنازل مكونات المجتمع المدني عن حقها في المشاركة في قيادة المجتمع، دوره الكبير في إخلاء الساحة من كل تأثير. وسيقول قائل إن تلك المكونات حرمت من ذلك الحق بقوة الاستبداد وهذا صحيح، لكنه لا يغير من أن تلك المكونات حتى لو سمح لها بالعمل بحرية فإنها لا تملك قوة كفيلة بإزاحة حاكم مستبد يتمتع بكافة وسائط القوة.

لقد كان لتنازل مكونات المجتمع المدني عن حقها في المشاركة في قيادة المجتمع، دوره الكبير في إخلاء الساحة من كل تأثير
لقد كان لتنازل مكونات المجتمع المدني عن حقها في المشاركة في قيادة المجتمع، دوره الكبير في إخلاء الساحة من كل تأثير

وفي ظل مجتمع ينصرف فيه المثقفون والنقابات والقضاة والنخب الأكاديمية والنوادي الأهلية والرياضية وغيرها عن القيام بأدوارهم الواجبة تجاه الناس، فإنه من الطبيعي ألا يبقى سوى من يملك السلطة متفرداً بها، من جهة، والجيش من جهة ثانية. فكيف إذا كان هذان الطرفان متوحدين في شخص واحد ومصلحة واحدة؟

لقد كان على القوى الجماهيرية التي خرجت ونادت بالحريات والكرامة والعدالة والإصلاح في الأعوام الأخيرة، أن تنتبه إلى أنها لا تملك من عناصر القوة شيئاً، إلا بالاستغاثة بواحدة من قوتين، قوة الجيش، الوحيدة المنظمة والمتماسكة في دولة عربية متهالكة، وثانياً قوة المجتمع الدولي الخارجية التي قد تأتي وقد لا تأتي حسب مصالح الإقليم والعالم.

وحين تقدمت قوة الجيش ناصبها الثائرون العداء، دون التفكير في أنها أيضاً من صميم المجتمع وليست كائنات فضائية هبطت على البلاد، وأنه يتوجب على التنويريين العمل على إصلاحها باعتبارها انتصرت للشعب وأزاحت الدكتاتور كما في الحالة المصرية، واليوم الجزائرية والسودانية.

عملية متبادلة آن أن يحسمها المجتمع العربي، لكن هل تتاح له فرصة لذلك؟ فهاهو بن عوف الذي لم يكد يصل إلى السلطة قد يواجه صعوبات خارجية، كما في الداخل، فلجنة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة حول الأوضاع في دارفور تدرج اسمه ضمن قائمة المسؤولين عن تدهور الوضع هناك، وواشنطن تضعه في قائمة سوداء بسبب دوره كقائد للاستخبارات العسكرية خلال الصراع في دارفور. ما يعني أن مستقبله محفوف بالتضييق والتهديد هو الآخر.

إن جيشاً متطورا مكونا من عناصر تؤمن بالمواطنة يحمي الدستور، هو ما يجب أن تتحول إليه الجيوش العربية جميعها، وهو خيار لا يمكن القيام به دون المرور من المنعطف الاستثنائي الحالي بعد أن خاضت الأطراف كلها في مختلف الخيارات والتجارب. وكل ذلك هو الطريق الوحيد إلى دولة حديثة لا تخشى من هيمنة العسكر ولا من غياهب المتطرفين. وربما كان هذا الفراغ هو ما وصفه الفريق عمار بالتقصير في حق الجيوش العربية.

12