الفريق محمد زكي شاهد على جرائم الإخوان

الفريق محمد زكي يعد صاحب واقعة اعتقال مرسي ورجاله ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، والشاهد الذي فضح تخابره وتشجيعه على قتل السلميين.
الخميس 2018/06/28
السيسي يختار الجنرال الذي اعتقل مرسي وزيرا للدفاع

لأنه يريد قطع الطريق على محاولة فهمها أو فك طلاسمها بسهولة، وربما إضفاء قدر كبير من السريّة على طريقته في إدارة البلاد وتعمد المفاجأة وصعوبة توقع القرارات، فإن الأسماء التي يختارها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على رأس المؤسستين الشرطية والعسكرية خلال الآونة الأخيرة، تبدو شخصيات غامضة، لا يُعرف عنها سوى القليل، وغير ملوثة معنويا.

ويظل الفريق محمد زكي قائد الحرس الجمهوري الذي اختير وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي مؤخرا، خلفا للفريق أول صدقي صبحي، نموذجا لهذا النوع، كما أنه من المخلصين والأوفياء جدا للمؤسسة العسكرية التي جاء منها السيسي نفسه.

تصاعد نبرة الغضب في الشارع

معروف عن زكي أنه من الشخصيات التي يعجز هواة البحث أمامها للوصول إلى معلومات كثيرة عنها، لكن قراءة الرجل ومعرفة محطاته الرئيسية وطبيعة علاقته الممتدة في القصر الجمهوري قد تمكن من فهم توجهاته وأفكاره وطريقة تعاطيه مع الآخرين.

يبدو من حرص القيادة المصرية على وضع شخصيات قريبة منها في مراكز مهمة، كأنها تريد ضمان المزيد من الولاء من المؤسسات المؤثرة في السلطة مع تصاعد نبرة الغضب في الشارع وعدم استبعاد وصول الأمر حد الاحتجاج. فهذا اللواء عباس كامل ظل السيسي وكاتم أسراره على رأس المخابرات العامة، وذاك محمد زكي حارسه الشخصي على رأس الجيش، ما يوحي بأنه يريد تحصين حكمه من الثغرات والهفوات.

الجنرال زكي عسكري منضبط ويستحق أن يكون على رأس الجيش، خاصة في هذه الفترات الحرجة، بعدما استطاع أن يوفر للسيسي الحماية الكاملة منذ وصوله إلى الحكم قبل أربع سنوات، في وقت شهدت فيه البلاد فترة من الانفلات الأمني وتصاعد مستوى الإرهاب.

القيادة المصرية تبدو حريصة على وضع شخصيات قريبة منها في مراكز مهمة، وكأنها تريد ضمان المزيد من الولاء من المؤسسات المؤثرة في السلطة مع تصاعد نبرة الغضب في الشارع وعدم استبعاد وصول الأمر حد الاحتجاج. فهذا اللواء عباس كامل ظل السيسي وكاتم أسراره على رأس المخابرات العامة، وذاك محمد زكي حارسه الشخصي على رأس الجيش

حملت الطريقة التي جرى بها تقديمه للرأي العام كوزير للدفاع رسالة مفادها، أنه لا انقسام في الجيش، والأمر لا يعدو بمثابة تجديد للدماء، وبدا مشهد لقاء الوزيرين، السابق صبحي، والجديد زكي، في حضور السيسي كافيا لدحض التكهنات حول وجود صراع خفي بين الرئيس والمؤسسة العسكرية، وأن تنحية صبحي عن منصبه جاءت لدواع خلافية، وهو ما استدعى تغيير القائد العام للقوات المسلحة.

من يعرفون زكي يقدرون أن الرجل لم يأت من فراغ، وربما كان المسرح معدا منذ فترة لمكافأته واستقباله في هذا المنصب انتظارا للتوقيت المناسب، بحكم الأدوار التي لعبها طوال خدمته العسكرية السنوات الماضية، وبسبب علاقته الوطيدة بالسيسي والثقة التي يضعها فيه.

 كان وجود الفريق زكي، على رأس قيادة الحرس الجمهوري إبان حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، نقطة فاصلة في انهيار حكم الجماعة خلال ثورة 30 يونيو 2013، بعدما أعلن انحيازه للشعب مع باكورة غضب الشارع ضد الإخوان، وبداية الحراك الثوري السلمي، وأعلن أن ضباطه وجنوده في مقدمة المدافعين عن المتظاهرين، طالما لم يقتربوا من القصر الجمهوري.

الرئيس مرسي هو من انتدب زكي من قيادة سلاح المظلات لمنصب قائد الحرس الجمهوري، بعد أسابيع قليلة من وصوله للسلطة، بتزكية من المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، بعدما استطاع هذا الجنرال بقواته، وقت أن كان مديرا لسلاح المظلات حماية المنشآت الإستراتيجية في أثناء ثورة 25 يناير 2011 ضد نظام حسني مبارك، وكان بينها مبنى الإذاعة والتلفزيون ومجلسا الشعب والشورى، “البرلمان بغرفتيه”، ومقر مجلس الوزراء والمجمع العلمي ومقر وزارة الداخلية.

تعاملت الأجهزة الأمنية في مصر مع حكم الإخوان، بدرجة عالية من الذكاء، مستغلة عدم خبرتهم في إدارة دولاب الدولة وتجذر البيروقراطية المصرية العتيدة، وجرى تمهيد الطريق لتصعيد اللواء عبدالفتاح السيسي من مدير للمخابرات الحربية إلى وزير للدفاع في عهد مرسي، بعد حملة واسعة قالت إن له انتماءات إسلامية، ما جعل الإخوان يثقون فيه، وتم التعامل مع زكي، الذي سربت بعض الأجهزة الأمنية عمدا معلومات أنه رجل ملتزم دينيا، الأمر الذي جعل الإخوان يثقون به أيضا.

زكي والمجلس العسكري

انتداب زكي لقيادة الحرس الجمهوري، حدث في نفس اليوم الذي أقال فيه محمد مرسي جميع أعضاء المجلس العسكري، وعلى رأسهم طنطاوي كقائد عام للجيش وسامي عنان كرئيس للأركان، واختار السيسي وزيرا للدفاع، وهو الذي أدى اليمين الدستورية دون علم طنطاوي وعنان، بعدما أخفى مرسي عنهما نبأ الإقالة لحين تولي السيسي المهمة رسميا.

وقتها اعتقدت جماعة الإخوان التي كانت تتدخل في القرارات داخل القصر الرئاسي وتُمليها على مرسي، أن وجود زكي، على رأس قيادة الحرس الجمهوري، سيكون كافيا لحماية مقر الرئاسة من الانهيار.

كان تعامل زكي مع دعوات التظاهر لإسقاط نظام الإخوان أكثر حنكة ودهاء، ما جعله يكسب الطرفين في البداية، الجماعة والمتظاهرين، كي لا يمنح مرسي فرصة إقصائه من منصبه بنفس أسلوب إقالة المجلس العسكري، وحتى لا يعتقد الفصيل الآخر من القوى الراغبة في إسقاط الإخوان أن الحرس الجمهوري يدعمهم ويساندهم ويفتح لهم الباب على مصراعيه.

قبل حلول 30 يونيو بثلاثة أيام، أصدر زكي بيانا صحافيا هو الأول والأخير من نوعه، قال خلاله “إن قوات الحرس تؤدي دورها ومهامها بكل أمانة في تأمين وحماية النظام الرئاسي الذي تم اختياره بواسطة الشعب، وبالتالي فإن قوات الحرس لن تسمح بمحاولة أي فئة اقتحام القصر الرئاسي الذي يعد ملكا للشعب المصري”.

وزاد على ذلك أن قوات الحرس الجمهوري تحرص على تنفيذ مهامها في حماية ممتلكات الدولة، التي هي من أموال وقوت الشعب، وحق التظاهر السلمي مكفول ومن حق أبناء الشعب التعبير عن رأيهم بكل سلمية، ولن يتواجد أي عنصر من قوات الحرس خارج القصر، لأن مهمته الرئيسية تأمين القصور الرئاسية من الداخل، إلا في حالة محاولة اقتحام أسوارها.

الفريق زكي الذي اختير وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي مؤخرا، خلفا للفريق أول صدقي صبحي، يعتبر نموذجا لنوع من الأشخاص المخلصين والأوفياء جدا للمؤسسة العسكرية التي جاء منها السيسي نفسه
الفريق زكي الذي اختير وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي مؤخرا، خلفا للفريق أول صدقي صبحي، يعتبر نموذجا لنوع من الأشخاص المخلصين والأوفياء جدا للمؤسسة العسكرية التي جاء منها السيسي نفسه

ما فهمه الإخوان من بيان قائد الحرس الجمهوري آنذاك، أنه متمسك بحماية النظام الرئاسي، والدفاع عن شرعية مرسي، لكن موقف زكي يوم 3 يوليو 2013، عقب إلقاء السيسي بيان عزل الرئيس الإخواني نزل كالصاعقة على الجماعة وأنصارها، بعدما اعتقل مرسي وأعضاء مكتبه الرئاسي، وقال لهم “جئت لأنفذ فيكم قرار الشعب. أنتم معتقلون”. لذلك ينظر الإخوان إلى السيسي وزكي، على أنهما الضلعان اللذان كتبا نهاية التنظيم في حكم مصر.

لا يؤثر عمره البالغ 62 عاما، على مرونة تحركاته، ويقوم بشكل مفاجئ باستكشاف الواقع دون انتظار التقارير المكتوبة، وهو شخص شديد الذكاء ويحتفظ بقوة ذاكرة عالية، وعندما كان شاهدا أساسيا في قضيتي قتل المتظاهرين عند قصر الاتحادية قبل ثورة 30 يونيو والتخابر مع قطر وحماس المتهم فيهما مرسي وعدد من قادة الإخوان، فاجأ قضاة المحكمة بأنه يتذكر أدق الأحداث باليوم والساعة ومجريات المحادثات الهاتفية التي كانت تجري بينه وبين مرسي وأعضاء مكتبه الرئاسي.

الرجل الثاني بعد طنطاوي

كانت شهادة زكي أمام المحكمة في قضية قتل المتظاهرين فاصلة في الحكم على مرسي وعدد من قادة الإخوان بالسجن 20 عاما بعدما أثبت مسؤوليتهم عن قتل عدد من المتظاهرين أمام القصر الرئاسي، والسماح لأنصار الإخوان بفض اعتصام المتظاهرين، بعدما رفض زكي الانصياع لأوامر مرسي بإنهاء تواجد المعتصمين أمام القصر بالقوة، وقال له “أنصاري سوف يأتون لتطهير محيط القصر من المتظاهرين”.

يحتفظ وزير الدفاع المصري الجديد برصيد قوي عند الجيش والشرطة، فهو في نظر قادتهم وضباطهم وجنودهم، اختار في لحظة فارقة في تاريخ مصر أن يدعم انحيازهم لمن خرجوا لإسقاط حكم الإخوان ولم يفكّر في الحفاظ على النظام الرئاسي من الانهيار، وهي المهمة الأساسية للحرس الجمهوري، وما يترتب عليه من جر البلاد إلى صراع دموي، لا سيما وأن قوات هذا السلاح لا تتلقى تعليماتها من قيادة القوات المسلحة، بل من ضباطها فقط أو من رئيس الجمهورية.

رصيد الفريق محمد زكي عند الملايين من الشعب المصري قد يصل إلى أكثر من ذلك، بالنظر إلى سلفه صدقي صبحي، برغم أنه كان رئيسا للأركان وقت تدخل الجيش لعزل مرسي، لأنه في نظر الشارع صاحب واقعة اعتقال مرسي ورجاله ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، وحماية المتظاهرين الذين طالبوا بإسقاط حكم الإخوان أمام بوابات القصر الرئاسي، والشاهد الذي فضح تخابر مرسي وتشجيعه على قتل السلميين.

شخصيته تبدو قريبة من شخصية السيسي، بحكم الزمالة في الكلية الحربية. تخرجا معا في الدفعة 69 حربية، عام 1977، وأدى كلاهما الخدمة الألوية في سلاح المشاة، وبعدها افترقا والتحق كل منهما بالسلاح الذي يتماشى مع ميوله العسكرية.

يميل الفريق محمد زكي إلى المداومة على التغيير في الوجوه لتجديد الدماء، وظهر ذلك في موقفه بإعادة هيكلة الحرس الجمهوري، حيث شكّل لواءين كل منهما يضم 6 كتائب والكتيبة بها قرابة 600 جندي، ومنذ تصعيده لقيادة هذا السلاح، شهد تغييرات متسارعة.

يعد الجنرال زكي ثالث شخصية في تاريخ الحرس الجمهوري تحصل على رتبة فريق، بعدما قرر السيسي في أبريل عام 2017 منحه هذه الرتبة بقرار جمهوري، وكان الفريق الليثي ناصف مؤسس هذا السلاح أولهم، ثم حسين طنطاوي في عهد حسني مبارك، كما أنه ثاني وزير دفاع مصري يأتي من قيادة الحرس الجمهوري بعد طنطاوي.

اختبارات القوة

وفق كلام لعارفين بالفريق زكي، هو شخص صارم، كطبيعة العسكريين، يعادي الانفلات والهفوات حتى وإن كانت صغيرة وغير مؤثرة، ولا يقبل الخطأ حتى وإن كان في حكم الهفوة، ويركز على التفاصيل الدقيقة التي قد لا يراها الآخرون، ويشرف بنفسه على أدق الخطط الأمنية ويقرأها ويراجعها، لإدراكه أنه المسؤول الأول عن أيّ إخفاق قد يحدث.

أمام هذه الخلفية الكبيرة لزكي، يصطدم الرجل بجملة من الصعوبات التي سوف تختبر قدرته على تحصين رصيده من عدمه، أو التعجيل بانقضاء مدته، على رأسها الحفاظ على استمرار حالة الاستقرار التي تعيشها مصر حاليا والقضاء على خطر الإرهاب تماما.

قد تكون التحديات التي ترتبط بالاستقرار الأمني أشد ضراوة، لأنه عند وجود مخاطر أمنية وأحداث إرهابية يتواجد الحشد الشعبي الداعم لمواجهتها عسكريا بكل قوة، بعكس الشعور بالأمن، إذ يواجَه التقصير في الحفاظ عليه بعاصفة من الغضب الشعبي والسياسي، حيث يختفي التعاطف ويحل مكانه الاتهام بالتقصير والفشل.

التحدي الأكثر صعوبة الذي يواجه الفريق زكي يتمثل في المواءمة المطلوبة ما بين توسع الجيش في اقتحام الاقتصاد تحت مسمى التسريع من وتيرة التنمية وإعادة بناء الدولة، وبين الحفاظ على الأمن القومي وتحصينه من التهديدات المتصاعدة داخليا وخارجيا، في ظل غليان متزايد في الشارع من ارتفاع الأسعار وخفض الدعم وتمسك الحكومة بسياسة الإصلاح الاقتصادي على حساب تراجع مستوى المعيشة

يظل الشعور المجتمعي بعزل منطقة شمال سيناء عن باقي الأراضي المصرية بسبب الحرب على الإرهاب، أحد أهم المنغصات أمام قائد الجيش الجديد، بعدما أضحى الكثير من المصريين ينظرون إلى أن القوة العسكرية لبلدهم مرهونة بتطهير سيناء من الإرهابيين وتنميتها وإعادة الحياة هناك إلى طبيعتها الهادئة مثل باقي المدن في شتى أنحاء الجمهورية.

التحدي الأكثر صعوبة أن تكون هناك مواءمة بين توسع الجيش في اقتحام الاقتصاد تحت مسمى التسريع من وتيرة التنمية وإعادة بناء الدولة، وبين الحفاظ على الأمن القومي وتحصينه من التهديدات المتصاعدة داخليا وخارجيا، في ظل غليان متزايد في الشارع من ارتفاع الأسعار وخفض الدعم وتمسك الحكومة بسياسة الإصلاح الاقتصادي على حساب تراجع مستوى المعيشة، أو التوترات الإقليمية على الحدود المصرية، من ناحية ليبيا غربا وقطاع غزة شمالا والسودان جنوبا.

إذا كانت آلية مواجهة التحديات أمام قائد الجيش الجديد محكومة بإطار سياسي للرئيس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن المصريين اعتادوا التعامل مع الجيش من زاوية وزير الدفاع، وليس شخصا آخر، واعتادوا الانتباه لكل جديد في جيشهم مهما بلغت درجة انشغالهم بمواجهة صعوبات الحياة.

8