الفساد الثقافي يقتل روح العراق

الجمعة 2016/09/09

كل شيء يسيء إلى الثقافة بمفهومها الشامل دخل العراق. وكل شيء كنا نسمع به يحدث في ثقافة هذا البلد أو ذاك لمسناه في العراق ورأيناه رأي العين. وكل مفهوم ثقافي وعلمي وأكاديمي كان العراق يتبرّأ منه صار تحصيل حاصل في الحياة اليومية الثقافية.

وهذا الـ”كل شيء” له شواهد وصور وإحالات واقعية في مثل هذه الحياة التي انفتحت بطريقة كبيرة على الآخر بعد 2003 لكنه كان انفتاحا تعوزه الخبرة والثقة بالنفس وكشف الهامشيين الطارئين على الحياة الثقافية من وجه آخر، وهو الوجه المخفي في البنية التحتية للثقافة الأدبية والعلمية والإنسانية ومن ثم الأكاديمية للجامعات العراقية.

في مسألتين مهمتين لا تتعلقان بالنشاط الأدبي كفاعلية ثقافية تجري بشكل طبيعي، لكنهما تتعلقان بالبنية التحتية للثقافة العراقية هما ما تتوجب الإشارة إليهما، فانتشار المكتبات ظاهرة صحية تجري في نسق يومي كمَعين لا بدّ منه لتزويد النسغ الثقافي بآخر الإصدارات العراقية والعربية، لكن مثل هذا النسق يتعرض إلى تخريب من بعض الكتبيين المخضرمين وهواة المكتبات، بشيوع ظاهرة الاستنساخ لكل الكتب الجديدة التي تجد رواجا في مجالات الرواية والنقد والدراسات والعلوم الاجتماعية والدينية والفكرية. إذ يكفي صاحب المكتبة نسخة واحدة من أيّ كتاب ليستنسخ عليها بشكل سيء العشرات والمئات من النسخ وتسويقها بنصف سعرها أو حتى بأقل من ذلك مما يُفسد بهجة الكتاب الجديد على أصحاب المكتبات الجادّين في التعامل معه لا على الأساس التجاري فحسب، إنما بوصفه مُنتجا إبداعيا وراءه عقل منتِج وجهود فردية وفكرية وفلسفية وإبداعية.

لذلك تجد في سوق الثقافة العشرات والمئات من العناوين الجديدة لكنها مستنسخة ومسروقة من دون علم مؤلفيها ولا دور النشر العربية، مما يعطي انطباعا فوريا عن نوع الفساد الضارب في نفوس مثل هؤلاء بالترويج للكتاب على أساس أنه بضاعة يجري تداولها بهذه الطريقة من دون أن يكون هناك سند قانوني يوقف مثل هذا السلوك اللصوصي الاحترافي الذي شاع كثيرا في شارع المتنبي بوصفه واجهة الثقافة العراقية.

الفساد الآخر والأخطر من هذا هو الذي أصاب البنية الأكاديمية العراقية في شيوع ظاهرة “كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه” مقابل مبالغ مالية ضخمة تتجاوز عشرة آلاف دولار؛ ومع أن هذا الأمر مستتر إلى حد ما لكن هناك “مكاتب” خاصة تستقبل طلبة الماجستير والدكتوراه وتوفر لهم متطلباتهم، وشارع المتنبي الثقافي فيه مثل هذه المكاتب (السرية) التي تتعاطى هذا السلوك الخطير واللاأخلاقي من دون رقابة أكاديمية أو ثقافية أو رسمية.

خطورة هذا الموضوع لا تحتاج إلى تفسير أو تحليل او استقراء نتائج مباشرة وغير مباشرة في تنشئة جيل أمي جاهل اتكالي غير مسؤول، وهذه المواصفات طبيعية لبلد حصد درجة الامتياز بالفساد السياسي الذي ترك البلاد في خراب وفوضى شاملة وبالتالي فإن شيوع وانتشار مثل هذه الظاهرة العلمية في الجامعات العراقية لطلبة يعتقدون أن مثل هذه الشهادات هي واجهات اجتماعية وليست شارات علمية ودرجات جامعية تقع عليها مسؤولية نهوض ثقافي وتربوي كبيرة.

فساد وإفساد البنية الثقافية محصلة لفساد أكبر وتوريث لجيل جديد وجد ثقافته الأكاديمية على قارعة الطريق تُباع وتُشترى بطريقة سهلة يقوم بها المفسدون الذين وجدوا فيها بابا من أبواب الرزق أيضا لطلبة جهلة يصرفون أوقاتهم في الفيسبوك وتويتر واليوتيوب بدلا من القراءة والمثاقفة والتنقيب عن المصادر العلمية. لكن في مثل هذه الحالة لا يصحُّ التعميم قطعا، لكننا نؤشرها كظاهرة حقيقية موجودة فعلا نأمل ألّا تستشري كثيرا.

بعض مظاهر الفساد الثقافي، جزء من قتل الروح المعنوية للشعب العراقي وخطة متدرجة لنشر الجهل والتخلف لضياع ما تبقى من معرفة.

كاتب من العراق

14