الفساد "الصغير" يتفاقم ويخنق النمو الاقتصادي في تونس

السبت 2015/10/03
سخط شعبي من عدم محاسبة الفاسدين

تونس – تفاقم الفساد “الصغير” في تونس بعد الثورة مع أن فساد الدولة كان من الأسباب الرئيسية للإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، فيما تنتقد منظمات غياب الإرادة السياسية لمكافحة هذه الآفة التي ما زالت تعرقل نمو اقتصاد البلاد.

وعاد الحديث بقوة عن الفساد في تونس منذ أن تبنت حكومة الحبيب الصيد منتصف يوليو الماضي مشروع قانون اقترحه الرئيس الباجي قائد السبسي ويقضي بإقامة “مصالحة” مع رجال أعمال فاسدين شرط إرجاع الأموال المنهوبة.

وأحالت الحكومة مشروع قانون المصالحة هذا إلى البرلمان الذي لم يحدد بعد موعدا لمناقشته.وقد رفضت نقابات وأحزاب ومنظمات تونسية وأخرى أجنبية مشروع القانون الذي تظاهر ضده تونسيون في أنحاء البلاد معتبرين أنه يهدف إلى “تبييض الفساد” و”تكريس الإفلات من العقاب”.

وقال سمير العنابي رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (مستقلة) “الفساد الصغير شهد ارتفاعا كبيرا بعد الثورة وطال كل القطاعات، وهو يزداد انتشارا”.

وأشار إلى أن “الفساد الكبير” الذي كان منتشرا قبل الثورة “توقف بعد الإطاحة بنظام بن علي لأنه لم تعد هناك مشاريع وصفقات كبرى تدر أموالا طائلة”.

ومن أشكال الفساد الصغير المتفاقم في تونس “الغش والمحسوبية” في التوظيف في القطاع العام والتهرب الضريبي ورشوة مسؤولين في إدارات عامة بهدف “تسريع” قضاء شؤون متعاملين مع الإدارة أو تجنيبهم غرامات مالية كانت ستسلط عليهم بسبب ارتكابهم مخالفات للقانون، وفق سمير العنابي.

وأظهرت أول دراسة محلية حول “مؤشر مدركات الفساد الصغير في تونس” نشرتها في أبريل الماضي الجمعية التونسية للمراقبين العموميين (مستقلة)، أن التونسيين دفعوا في 2013 رشاوى بقيمة 450 مليون دينار (205 ملايين يورو) لموظفين عموميين.

شرف الدين اليعقوبي: تم إثبات تورط مسؤولين في الفساد، لكننا فوجئنا بترقيتهم بدل معاقبتهم
وعزا شرف الدين اليعقوبي رئيس الجمعية أسباب تفاقم الفساد الصغير إلى “البيروقراطية المفرطة وظاهرة الإفلات من العقاب جراء عدم تطبيق السلطات للقوانين الزجرية على الفاسدين ما جعلهم يشعرون بالاطمئنان ويتمادون في فسادهم، إضافة لغياب الشفافية والمساءلة وضعف الرقابة الحكومية والاستهتار بالقوانين وجشع الموظفين للمال”.

وقال لوكالة الصحافة الفرنسية “في بعض الحالات تم بالوثائق، إثبات تورط مسؤولين إداريين في الفساد وإبلاغ السلطات بذلك. لكن بدل معاقبتهم فوجئنا بترقيتهم إلى مناصب أهم”.

ويرى مهاب القروي المدير التنفيذي لمنظمة “أنا يقظ” لمكافحة الفساد، وهي فرع لمنظمة الشفافية الدولية أنه “ليس هناك إرادة سياسية لمكافحة الفساد بدليل عدم إصدار وتفعيل إطار تشريعي لمكافحة الفساد وعدم تفكيك منظومة الفساد القديمة التي مازالت متمترسة داخل الإدارة”.

وأكد أن ذلك “أدى إلى ظهور طبقة جديدة من الأثرياء من سياسيين ورؤساء الأحزاب ورجال أعمال وإعلاميين… كانوا فقراء قبل الثورة ثم انقلبوا بعدها إلى أصحاب سيارات وعقارات وأموال”.

وذكر البنك الدولي في تقرير بعنوان “الثورة غير المكتملة” في العام الماضي أن “الفساد يكبد تونس 2 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي سنويا”، مشيرا إلى “تفاقم” هذه الظاهرة منذ الثورة. وأكد أن “معدل انتشار الفساد في تونس… يعد من بين أعلى المعدلات في العالم حسب المعاير الدولية”.

وتراجع ترتيب تونس في لائحة الفساد لمنظمة الشفافية الدولية من المرتبة 59 في 2010 إلى المرتبة 79 في 2014.

ويرى العنابي أن “الحكومة قد تكون لديها إرادة سياسية لمكافحة الفساد، لكن الإدارات الفاسدة وأصحاب المصالح والنفوذ يحولون دون ذلك”.

وأضاف أن الحكومة تحولت إلى “رهينة لدى الأجهزة العمومية” التي اتهمها بالتضييق على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وينص الدستور التونسي الجديد الذي أقر العام الماضي على إحداث “هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد” لكنها لم تر النور بعد.

11