الفساد رأس مال تستثمره القوى السياسية في لبنان

لبنان يحتلّ المرتبة 137 من أصل 180 ضمن قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.
السبت 2020/02/29
حرب على الفسادأم إشاعة

بيروت - تصطدم حكومة حسان دياب في لبنان بملفات شائكة ستحدد مصيرها خاصة أن البلد المنتفض في الأشهر الأخيرة ضد الطبقة السياسية ما زال يعيش على وقع جدل تسلح الحكومات المتعاقبة بشعار محاربة الفساد دون تطبيق الوعود على أرض الواقع.

وشدد دياب منذ توليه الحكم على وجوب مكافحة الفساد، لكن ممارسات القوى السياسية الحاكمة ما زالت تثير غضب اللبنانيين، بعدما ذكرت تقارير أنه تم توظيف 5000 شخص في المؤسسات العمومية رغم قرار تعليق التوظيف في القطاع العام، في صفقة دفعت إلى عقدها القوى السياسية عشية الانتخابات الأخيرة لضمان الحصول على أصوات الناخبين.

ولا يمكن في لبنان المثقل بالمحاصصة السياسية والطائفية، إتمام أي معاملة في بعض الإدارات العامة أو تسريع إنجازها إلا بعد دفع رشوة أو بموجب “واسطة”؛ ففي الدوائر العقارية ومصالح تسجيل السيارات وقطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات والضمان، تتعدّد أشكال الفساد ودرجاته.

أسعد ذبيان: القوى السياسية ترشو وتشتري ولاء الناخب وولاء أقاربه
أسعد ذبيان: القوى السياسية ترشو وتشتري ولاء الناخب وولاء أقاربه

واستشرى الفساد على مرّ السنوات في لبنان وتحوّل إلى أحد مسبّبات الانهيار الاقتصادي الذي يشهده البلد منذ أشهر، وإلى أحد أبرز الأسباب التي دفعت اللبنانيين إلى التظاهر بشكل غير مسبوق ضد الطبقة السياسية في 17 أكتوبر والأسابيع التي تلته.

ورفعت الحكومات المتعاقبة في لبنان شعار “محاربة الفساد” ووقف الهدر في القطاع العام، دون أن تُقدم على إجراء عملي واحد لتنفيذ ذلك عمليّا، كون غالبية الموظفين يتمتعون بحماية القوى السياسية التي عيّنتهم.

وفي محاولة لاحتواء غضب الشارع خلال الأسابيع الماضية، باشر القضاء تحقيقات في قضايا عدة بينها جرائم اختلاس وتبديد أموال وإهدار المال العام لمنافع شخصية.

ويشكك الخبراء الناشطون بالمجتمع المدني في جديّة هذه المساعي، انطلاقاً من أن الطبقة السياسية هي أول المستفيدين من منظومة الفساد منذ عقود.

وأقرّ لبنان في أغسطس 2017 قانون سلسلة الرتب والرواتب، الذي منح موظفي القطاع العام علاوات. ونصّ أحد بنوده على تعليق التوظيف. ورغم ذلك، تمّ لاحقاً توظيف خمسة آلاف شخص في ظروف غامضة، وفق قول مصدر في التفتيش المركزي.

وتمّ توظيفهم خلال فترة الانتخابات النيابية في مايو 2018، بهدف واضح بالنسبة إلى كثيرين يتمثل في كسب ولائهم، ولم يخضعوا لاختبارات مجلس الخدمة المدنية، خلافاً للأصول المتبعة، ولم تكن هناك اعتمادات مسبقة لرواتبهم.

ويقول الناشط أسعد ذبيان من منظمة “غربال” المتخصصة في مكافحة الفساد، “إنها رشوة سياسية، حين توظف أحد الأشخاص، تشتري ولاءه وولاء أقاربه في الانتخابات”.

وبحسب منظمة الشفافية الدولية، يشغل لبنان حالياً المرتبة 137 من أصل 180 بلداً في قائمة الدول الأكثر فساداً. وبحسب استبيان آراء نشرته في ديسمبر، فإن لبنانيا من أصل اثنين تقريباً يتلقى عرضاً مالياً مقابل صوته الانتخابي.

من يسيطر على المصارف يسيطر على البلاد
من يسيطر على المصارف يسيطر على البلاد

وأفادت تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية بأن المئات من الأشخاص توظفوا في شركة الاتصالات الحكومية (أوجيرو) في العامين 2017 و2018 بناء على طلب أحزاب سياسية نافذة وتحديداً تيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، والتيار الوطني الحر الذي يترأسه النائب جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية ميشال عون، وكذلك حزب الله وحليفته حركة أمل التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري.

ويدرس البرلمان اللبناني حالياً مشاريع قوانين تتعلّق باستعادة الأموال المنهوبة ورفع السريّة المصرفيّة. إلا أن من شأنها أن تبقى حبراً على ورق، في “غياب الإرادة السياسية لتحقيق أي إصلاح”، وفق ذبيان. ويقول إن السلطات التي ترفع شعار مكافحة الفساد “لم تطرد موظفاً ولم تحاكم وزيرا أو نائبا”.

ويعتبر البعض من السياسيين مساهمين رئيسيين في المصارف، وبعض المصارف مملوكة من قِبل سياسيين. ويعدّ لبنان بين الدول الأكثر مديونية في العالم، وقد استدانت الدولة الجزء الأكبر من المصارف مقابل فوائد مرتفعة.

جاد تابت: الأحزاب تتقاسم الفساد ليكون الجميع سعداء
جاد تابت: الأحزاب تتقاسم الفساد ليكون الجميع سعداء

ويشير الباحث الاقتصادي جاد شعبان إلى وجود “تضارب مصالح” بين الطرفين يجعل “من غير الوارد أن يُقدم أي وزير أو نائب على أي خطوة ضد مصالح مؤسّسة يملك أسهماً فيها”.

ويتحدث محللون عن “استغلال نفوذ” يُمارس من قبل وزراء بارزين أو أصحاب نفوذ في صياغة دفاتر الشروط المتعلقة بمناقصات العقود العامة، الأمر الذي “يخالف قانون المحاسبة العمومية ويحدّ من المنافسة”، وفق ما يشرحه مصدر ثان في دائرة التفتيش المركزي، وغالباً ما يكون هدف ذلك أن تنطبق الشروط على شركة واحدة تخصهم.

وتطال اتهامات الفساد مؤسسات رسمية تضطلع بتنفيذ مشاريع عامة، على غرار مجلس الإنماء والإعمار أو مجلس الجنوب.

ويقول نقيب المهندسين جاد تابت “هناك يتمّ تقاسم قالب الحلوى”، موضحاً أنه يصار إلى “توزيع الحصص على مختلف القوى السياسية ليكون الجميع سعداء، عبر منح مناقصات كبرى عقود البناء أو البنى التحتية لمقاولين مرتبطين بهذه القوى السياسية”.

وأثار بناء منتجع “إيدن باي” الذي افتتح عام 2018 على شاطئ الرملة البيضاء في بيروت، غضب ناشطين وحملات مدنية تحدثت عن عدّة مخالفات.

ويشرح تابت أنه رفع عام 2017 تقريراً إلى السلطات يفنّد فيه ثماني مخالفات سمحت لمجموعة عاشور القابضة “بمضاعفة” مساحة البناء القانونية لهذا المنتجع، وبالتالي التعدي على النطاق البحري العام.

إلا أن محامي المجموعة بهيج أبومجاهد يرفض الاتهامات ويؤكد أن البناء قانوني. ويقول “لم يبق جهاز قضائي أو إداري أو رقابي أو أمني في البلد إلا وتدخل بملف إيدن باي”.

ويضيف “إذا كنا مخالفين فليقاضونا، وإذا كنا مرتكبين (لتجاوزات) فليتقدموا ضدنا بدعوى جزائية، وإذا وجدوا أن ثمّة تواطؤا من أي جهة فليحاكمونا”.

2