الفساد في قطاع الصحة ينافس الإرهاب في خفض أعمار العراقيين

يتهم الطبيب العراقي عمر الكبيسي الولايات المتحدة الأميركية وإيران بتنفيذ مشروع تدمير المجتمع العراقي، عبر تدمير بينته الصحية من خلال استقطاب الكفاءات الطبية والعلمية في البلاد، واستهدافها إما بالاغتيال وإما بدفعها نحو الهجرة، في جزء من مخطط كامل لتدمير البلاد، يشمل السياسة والثقافة والتركيبة الديموغرافية وحتى التقسيمات الجغرافية.
الجمعة 2016/11/18
قتل بطيء للعراقيين

عمان – يعاني العراق منذ الحصار الذي فرض عليه في التسعينات من القرن الماضي، ثم بعد احتلاله في 2003 من تداعيات مخطط استهدف مؤسساته الرئيسية وركائز الدولة الأساسية، التي من بينها البنية التحتية للقطاع الصحي. ويؤكد المختصون أن حالة التردي التي عليها هذا القطاع ليست تداعيات لما سبق لها بل هي جزء من ذلك المخطط، الذي أدى إلى إفراغ البلاد من كفاءاتها الطبية بعد أن هاجر أغلبها، فيما ارتفعت حالات الوفيات، بسبب الوضع الصحي المتردي.

وأوضح الدكتور عمر الكبيسي، في حوار مع “العرب” أن “الظروف الشائكة التي رافقت الاحتلال وأعقبته أدت إلى استمرار الهجرة واللجوء والتجنيس بين الكوادر الشابة حتى بلغت نسبتها أكثر من 50 بالمئة من الخريجين”، مشيرا إلى أن نسبة الطبيب لكل 1000 مواطن تراجعت إلى أدنى نسبة في المنطقة (لا تتجاوز الطبيب الواحد لكل ألف مواطن).

واتهم الكبيسي، وهو استشاري أمراض القلب وحمل رتبة لواء طبيب في الجيش العراقي السابق ومشرف على الدراسات العليا في أمراض القلب في الهيئة الوطنية للدراسات الطبية التخصصية، الولايات المتحدة الأميركية باستقطاب أكبر عدد من الأطباء والكوادر الطبية العراقية بذريعة اللجوء والاشتراك في دورات التدريب كي يصبحوا بعد سنوات مؤهلين للعمل في مستشفياتها كمواطنين أميركيين برواتب ومناصب مغرية، متسائلا “أليس هذا مخططا خطرا لجذب الأدمغة والعقول العراقية؟”.

ويضيف أنه “ضمن الأسلوب نفسه تحصل دول غربية وشرقية عديدة على كوادر طبية متخصصة وغير متخصصة بعد التخرج لتغطية احتياجاتها على حساب هجرة العقول الطبية العراقية، فعلى سبيل المثال تشكل نسبة الأطباء العراقيين في أحد مستشفيات السويد أكثر من 50 بالمئة من مجموع الأطباء العاملين فيه”.

ولفت الكبيسي، الذي يتخذ من العاصمة الأردنية عمان دار إقامة له، إلى أن “الوزارة استغلت الدرجات الوظيفية للأطباء المهاجرين بإعطائها لغيرهم من خلال الفصل السريع وقطع العلاقة”، متسائلا عن سرّ استمرار الاعتداءات على الأطباء وتواصل حملة تهجيرهم لغاية اليوم. كما اتهم ميليشيات الأحزاب الدينية الطائفية المرتبطة بإيران بالتورط في مخطط قتل العلماء والأطباء العراقيين قبل الاحتلال وبعده.

نسبة الأطباء العراقيين في أحد مستشفيات السويد تكاد تتجاوز نسبة 50 بالمئة من مجموع الأطباء العاملين فيه

حقائق خطيرة

كشف عمر الكبيسي مجموعة من الحقائق التي تشير إلى وجود مخطط خطر وواضح يستهدف تحطيم البنية التحتية للقطاع والنظام الصحي في العراق وما ينتج عنه من تهديد واضح لشعب كامل ويجهز عليه من خلال استمرار عمليات القتل المباشر عبر عمليات التفجيرات والمواجهات العسكرية والمداهمات والاعتقالات والأحكام القضائية وعقوبات الإعدام والمجازر الكبرى، وإخفاء الأرقام الحقيقية للخسائر البشرية الناتجة عنها.

ولفت الطبيب العراقي إلى أن الاستمرار بمخطط تهجير الكفاءات الطبية والكوادر الصحية واستهدافها جسديا يهدف إلى إقصائها ودفعها إلى النزوح، والتستر على علاقة الارتفاع الهائل في حالات الأورام والتشوهات والإسقاطات والعقم ذات العلاقة باستخدام أسلحة الدمار المحظورة والمعادن الثقيلة والتلوث البيئي والمثبتة في دراسات عراقية وعالمية.

واعتبر الكبيسي أن من بين الحقائق الخطيرة أيضا التستر على الفساد المالي والإداري في وزارة الصحة والاعتماد على كوادر غير نزيهة وغير مهنية وفق معايير الانتماء الطائفي والمحاصصة بسبب سلوك سياسة الإقصاء والتهميش، وقلة التخصيص المالي في موازنات الدولة لشؤون الصحة والتعليم والتي لا تتجاوز 3.2 بالمئة من مجمل الموازنة.

بالإضافة إلى إهمال خدمات الرعاية الصحية الأولية والوقائية والمراكز الصحية من ضمنها مراكز الأمومة والطفولة وبرامج التلقيحات وتحطيم البنية التحتية للخدمات ذات العلاقة بصحة الإنسان كعدم توفير المياه الصالحة للشرب وغياب الصرف الصحي والتخلص من النفايات ونقص تجهيز الكهرباء وخدمات البنية التحتية، فضلا عن السياسة الدوائية الفاشلة وفقدان الرقابة والتفتيش على الدواء والغذاء وتدهور الصناعة الدوائية.

واعترف الكبيسي بأن “نكوص الوضع الصحي في العراق تزامن مع مخطط استمرار الحرب العراقية الإيرانية وباشتعال حرب الخليج الثانية في أزمة الكويت آنذاك”. وشهدت تلك الفترة أوج انحدار المؤشرات الصحية بعد إقرار الحصار الدولي على العراق سنة 1990، إذ فقدت البلاد بإحصائيات موثقة ومعلنة أكثر من مليون ونصف المليون.

عمر الكبيسي: بعد الاحتلال ألغيت قيود وشروط استيراد الأجهزة والأدوية والمستلزمات الطبية فدخلت أدوية غير فاعلة بل ملوثة وسامة أحيانا

انهيار الوضع الصحي

يرى الطبيب العراقي أنه على الرغم من توفر المال وارتفاع أسعار النفط وتشكيل حكومات ودورات برلمانية متعاقبة، بعد غزو 2003، فإن المؤشرات كلها أكدت استمرار انهيار الوضع الصحي وخدمات البنية التحتية بنحو متواتر، وهو ما يؤكد وجود مخطط متعمد يستهدف القطاع الطبي والصحي والأطباء والأكفاء فيه بتدمير مؤسساته وإنجازاته.

وذكر مجموعة من الحقائق لإثبات ما ذهب إليه، منها تعرض مركز صدام لجراحة القلب الذي تجمعت فيه معظم كفاءات أمراض وجراحة القلب، منذ اليوم الأول لدخول القوات الأميركية بغداد، لعملية اقتحام كبيرة وفتح ثغرات في المداخل، ولحرق منظم وتشجيع عمليات السلب والنهب التي استمرت يومين على الرغم من رصانة الأسيجة والمداخل.

وفي ذات السياق، تم نهب أكبر مستشفيين عسكريين في العراق وسلبهما وهدمهما، وهما مستشفى الرشيد العسكري الذي تبلغ سعته 1200 سرير، ومستشفى حماد شهاب في العاصمة بغداد. وبالأسلوب نفسه وبإشراف قوات الاحتلال تعرضت شوارع بغداد الشعبية والساحات التي كانت تغص بأجهزة المستشفيات ومعداتها للسرقة والنهب وتم عرضها للبيع، ناهيك عما تسرب منها إلى خارج الحدود.

وقبل إعلان الرئيس بوش انتهاء العمليات الحربية في العراق، كان أكثر من 50 بالمئة من المستشفيات العراقية، من ضمنها أقسام الطوارئ والإسعافات الأولية، قد دمرت وسرقت. كما تم التخلص بقرار واحد من المديرين العامين وإدارات المستشفيات المهنية كافة واستبدالها بكوادر روج أن منتسبي المستشفيات انتخبوها ديمقراطيا في فترة الهياج والغليان الشعبي.

وتطرق الطبيب العراقي إلى الفساد الإداري والمالي في وزارة الصحة، مشيرا إلى أنه تم بعد الاحتلال إلغاء قيود وشروط استيراد الأجهزة والأدوية والمستلزمات الطبية وتغيير قوائم الأدوية الأساسية وتصنيفها، مما تسبب في نقص شديد فيها كما ونوعا، ودخلت العراق أدوية غير فاعلة بل ملوثة وسامة أحيانا من كل حدب وصوب.

منظومة شعرية

يختم عمر الكبيسي حواره مع “العرب”، بالابتعاد عن الصورة المظلمة للواقع الصحي في العراق، متحدّثا عن مشروع منظومة شعرية، هو بصدد تأليفها، فقد اختار لها عنوان “منظومة مسيرة الطب العربي من الحواضن إلى الحواضر”، وتأتي في ثلاثة آلاف بيت من الشعر، مسوّغا ذلك بأن معرفة الأمة واستعراض تاريخها وخصائصها هو المفتاح لمعرفة النفس حيث تحققت نهضة حضارية واقعية وحقيقية كبرى في الفترة العباسية في مجال المعرفة والعلم والطب شارك في تحقيقها عرب من مسلمين وغير مسلمين، ومسلمون من عرب وغير عرب في جهد مشترك وتعاون وثيق.

ويعتبر الطبيب العراقي أن الطب كمهنة وعلم وسلوك له ارتباط وثيق بالإنسان وصحته وراحته وهنائه وبقائه ووجوده بلا شك، فمن المؤكد أن تحقيق أي فضيلة وإبداع في تقدمه يحسب بكل المعايير أنه نهضة حقيقية بالحياة التي هي جوهر الكون.

كاتب عراقي

12