الفساد في قلب الصراع السياسي في تونس

صنّاع القرار يثيرون الملفات حسب مقتضيات التموقع والمصالح.
الأحد 2021/04/04
الفساد.. ورقة ضغط ضد خصوم الحكم

بات الفساد في قلب الصراع السياسي الدائر في تونس بين الرئاسات الثلاث، حيث يتعمد صناع القرار في البلاد إثارة ملفات الفساد كورقة ضغط ضد الخصوم وحسب مقتضيات التموقع وحساباتهم السياسية الضيقة، ووسط هذا المناخ المأزوم تتضاءل آمال التونسيين في التخفيف من هذه الآفة التي تلقي بظلالها على واقعهم المعيشي والاقتصادي.

تونس – تحولت مكافحة الفساد إلى ورقة ضغط في الصراع السياسي بتونس، حيث تسارع مكونات المشهد السياسي باستعمالها كمناورة ضد الخصوم في ظل احتدام المعركة حول الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث وتواصل التجاذبات بين رؤوس السلطة، ما يعني أن إثارة هذا الملف من قبل صناع القرار تتم حسب ما تقتضيه فرضيات وحسابات تموقعهم في الحكم.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الفساد عماد بوخريص قوله إن “الهيئة تمتلك ملف فساد من الحجم الثقيل سيتم الكشف عن تفاصيله قريبا”، مشيرا إلى أنه “يهم أشخاصا نافذين في البلاد”، لافتا إلى أن “الهيئة تحصلت مؤخرا على عدد من الأدلة وستتم إحالتها على القضاء”.

ورفض بوخريص الإفصاح عن المزيد من التفاصيل بخصوص الملف بسبب سرية الأبحاث، فيما ربط متابعون توقيت إثارة هذه الملفات بصراع النفوذ الدائر بين الرئاسة الحكومة والبرلمان.

ويعد ملف مكافحة الفساد من بين المواضيع التي لم تكن تطرح في تونس بطريقة مباشرة قبل ثورة يناير 2011 لضلوع النظام السابق في ملفات الفساد بصفة مباشرة أو غير مباشرة وإصراره على انتهاج سياسة التعتيم، ولذلك لم يكن النظام القانوني المتعلق بمكافحة الفساد قبل الثورة متكاملا وناجعا يهدف بجدية إلى تطويق هذه المعضلة.

فاروق بوعسكر: الأحزاب ترفع شعار محاربة الفساد دون تحقيق أي نتيجة

ومع اندلاع ثورة يناير زادت الآمال والتطلعات في القدرة على محاربة الفساد وإرساء دولة قائمة على الشفافية والديمقراطية.

وشكلت مكافحة الفساد إحدى الأولويات التشريعية لجميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، حيث وقع سن قانون سنة 2011 يتعلق بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، ثم سن قانون في العام ذاته يتعلق بمصادرة الأموال المنهوبة. كما تم في الإطار نفسه وبهدف تعزيز الشفافية سن قانون يتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية.

ومع ذلك يعتبر أغلب التونسيين أن الفساد ما زال منتشرا بشكل مرتفع منذ عام 2011 وإلى غاية نهاية العام الماضي.

وفي دراسة حديثة تتعلق بمفهوم الفساد في تونس لسنة 2020 نشرتها الهيئة التونسية لمكافحة الفساد (دستورية مستقلة) فإن “أكثر من 80 في المئة من المستطلعين يرون أن تأثير الفساد سلبي، فيما اعتبر 87.2 في المئة منهم أنه ارتفع خلال العام الماضي”.

وأوضحت الدراسة أن “28.5 في المئة من المستطلعين تعرضوا على الأقل مرة واحدة لحالة فساد عام 2020، وهذا يمثل تحديا كبيرا في طريق تنمية ثقة المواطنين في المؤسسات العامة خلال عملية التحول الديمقراطي بتونس”.

ويعزو المراقبون عدم تحقيق الحكومات نتائج ناجعة في الحرب ضد الفساد إلى استغلاله كورقة في المعارك الدائرة بين النخبة الحاكمة في البلاد، وتم استغلال هذا الملف بشكل انتقائي لإضعاف نفوذ الخصوم على الساحة السياسية.

واستحضر هؤلاء كيف وقع توظيف مكافحة الفساد كشعار سياسي لحكومة يوسف الشاهد (2016 – 2019) بهدف تقوية شعبيته من جهة واستهداف خصومه من جهة ثانية.

وقامت حكومة الشاهد بمحاولات لإيقاف العديد من المشتبه فيهم بالفساد، لكن البعض اتهمها بـ “الانتقائية”.

وأفاد فاروق بوعسكر نائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن “الجميع يتحدث عن مقاومة الفساد فيما لا توجد أي نتيجة تذكر إلى حد الآن بالرغم من وجود هيئة مكافحة الفساد ووزارة كاملة في السابق”.

وتابع في تصريح لـ”العرب” أن “كل الأحزاب رفعت شعارات مكافحة الفساد، لكن وقع التغاضي عن ذلك وتجاهله في أحيان كثيرة”.

ورأى أن “محاربة الفساد باتت مسألة ظرفية، وحين تثار مشكلة فساد يتم الركوب على الحدث”.

وتابع بوعسكر “مرت عشر سنوات ولم نصل إلى أي نتيجة، نحن نرفع الشعارت منذ 2011 دون تحقيق أي نتيجة تذكر”.

Thumbnail

واستدرك “إذا كانت هناك نوايا حقيقية لفتح ملفات الفساد لوصلنا إلى نتائج إيجابية، فضلا عن أن أهم مؤسسة تعنى بمكافحة الفساد أو الهيئة الدستورية الدائمة للحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد لم تركز إلى الآن”.

وأشار إلى أن “تونس صادقت على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي تلزمها بذلك لكن لم نرَ إطارا قانونيا لتنفيذها”.

ونص الفصل 130 من الدستور التونسي لسنة 2014 على ضرورة إرساء هيئة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وجاء هذا التنصيص الدستوري ليواكب وجود هيئة وطنية لمكافحة الفساد التي تمّ إحداثها سنة 2011.

لكن الهيئة لم تكن بمنأى عن الاتهامات بالاصطفاف وراء أطراف بعينها، حيث وقع التشكيك في مصداقيتها.

وما يثير الانتباه هو تغير موقف رئيس هيئة مكافحة الفساد، فبعد تأكيده وجود شبهات فساد تحوم حول الوزراء الأربعة الذين اقترحهم هشام المشيشي في التعديل الوزاري الأخير تراجع عن موقفه، وهو ما رجح مراقبون أن تكون وراءه ضغوط سياسية على الهيئة.

كلثوم كنّو: تعاطي القضاء مع العديد من الملفات فيه الكثير من اللبس

وأكدت الهيئة في مارس الماضي أنه “خلافا لما نسب خطأ في تصريح إعلامي لرئيس الهيئة عماد بوخريص تأكيده وجود شبهات فساد تحوم حول وزراء مقترحين للحكومة، أن تذكّر بما صرح به بوخريص حرفيا وهو كالآتي ‘الفصل 47 يمنعنا من تقديم المعطيات’”.

وذكّرت الهيئة في بيان لها “أنّه وطبقا لأحكام الفصل 47 من القانون والمتعلّق بحماية المعطيات الشخصية، تحجّر إحالة المعطيات الشخصية إلى الغير دون الموافقة الصريحة للمعني بالأمر”.

وكان الرئيس سعيد رفض الموافقة على تعيين أربعة وزراء رشحهم المشيشي في تعديل وزاري قائلا إن لكل منهم شكلا محتملا من تضارب المصالح.

وترى أطراف حقوقية وقضائية أن ملفات الفساد أصبحت مناورة سياسية في المقام الأول تتم على أساسها المقايضات الحزبية والابتزازات السياسية حسب المصالح والأهداف.

وقالت القاضية كلثوم كنّو الرئيسة السابقة لجمعية القضاة التونسيين في تصريح لـ”العرب” إن “مقاومة الفساد تكون بعدة أشكال وليس فقط بالشكل القضائي، وأن هناك العديد من الملفات وضعت على أنظار القضاء”. لافتة إلى أن “تعاطي القضاء مع عدة ملفات فيه الكثير من اللبس”.

وأضافت “لقد أحيلت العديد من القضايا على القضاء لكن لم يقع التطرق إليها بعد”. وبينت أن “هذه القضايا تثار خصوصا عند الاحتجاجات (الأمنيين والجمارك وصفقات اللوبيات) على غرار ملف النفايات الإيطالية”.

لكن هذه القضايا لم يقع فتحها بسبب الضغوط السياسية. وأشارت إلى وجود ضغط على القضاء بعدما تمت إحالة 16 قاضيا على مجلس التأديب للوزير السابق، لكن وزيرة العدل ألغت ثلاثة أسماء منهم وهذه مسألة سياسية بامتياز، حسب تعبيرها.

واستطردت “إذا وضع رجل السياسة يده على إصلاح المنظومة لن نرى إصلاحا ولا مقاومة حقيقية للفساد (…) السياسيون يقتاتون من الملفات ويبتزون أصحابها ويستفيدون من مواقعهم في السلطة”.

وكثيرا ما راهن رؤساء الحكومات المتعاقبة على فتح ملفات الفساد، لكن جهودهم كانت تصطدم بضغوط ونفوذ الأحزاب الحاكمة، وفي كل مناسبة يتعهد هؤلاء بتطبيق شعارات محاربة الفساد، لكنها سرعان ما تختفي كسابقاتها.

الفصل 130 من الدستور التونسي لسنة 2014 نص على ضرورة إرساء هيئة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وجاء هذا التنصيص الدستوري ليواكب وجود هيئة وطنية لمكافحة الفساد التي تمّ إحداثها سنة 2011

وسبق أن لعبت حركة النهضة الإسلامية “ورقة الفساد” في مواجهة رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ عبر إثارة ملف شبهة تضارب المصالح، وأحرجته بقبول شروطها في الحزام السياسي لحكومته مقابل استمراره على رأس الحكومة.

وصادقت تونس على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد في نوفمبر 2016. كما صادقت في 2019 على الاتفاقية الأفريقية لمكافحة الفساد التي تم تقديمها منذ سنة 2016 مع طلب استعجال النظر.

وفي يناير الماضي قالت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها حول مؤشر مدركات الفساد للعام 2020، إن تونس حصلت على 44 نقطة من بين 100 مقارنة بـ45 نقطة عام 2019 وهي أعلى درجة تتحصل عليها منذ 10 سنوات.

وبحسب المنظمة احتلت تونس المرتبة 69 عالميا في مؤشر مدركات الفساد عام 2020 بعد أن كانت في المرتبة 74 عام 2019.
ويستند مؤشر مدركات الفساد إلى 13 استطلاعًا وتقييمًا للفساد أجراها خبراء لتحديد درجة انتشار الفساد في القطاع العام في 180 دولة وإقليمًا عن طريق إسناد درجة تتراوح بين 0 (الأكثر فسادا) و100 (الأكثر نزاهة).

4