الفساد وباء عراقي ديمقراطي

الخميس 2015/03/12

بمناسبة الدعوة إلى قيام تظاهرات ضد الفساد في 14 آذار الجاري. تستخدم مفردة “الوباء” حين ينتشر بين الناس مرض يفتك بهم ويصعب السيطرة عليه كالذي حصل للعراقيين في أربعينات القرن الماضي، حين فتكت بهم الكوليرا وأرّخوها شعبيا بأن أطلقوا عليها (سنة أبو زوعة).

والمفارقة أن الوباء في انتشار الأمراض صار يمكن القضاء عليه بابتكار المضادات التي تقتل جرثومته، فيما الوباء في الظواهر الاجتماعية المنافية للدين والقيم والأخلاق، لا يمكن السيطرة عليه إذا سكتت عنه الحكومة أو كانت متورطة به، وإذا عجز الناس عن إيقافه أو تقبّلوه باعتباره واقع حال في نظام ديمقراطي!

وما يجعل المواطن يلطم رأسه أن المرجعية الموقّرة تقر بوجود الفساد بتصريح ممثليها علنا في خطب الجمعة بأن في الحكومة (السابقة) لصوصا وحيتانا، وأن الحكومة نفسها تعترف بوجوده، والكتل السياسية المختلفة على كل شيء تتفق على أن الفساد موجود، والناس بحّتْ أصواتهم من المطالبة بالقضاء عليه، وما من مستجيب، و“انفضحنا” عالميا بوضع العراق ثاني أفسد دولة عربية ورابعها دوليا. والأمور تجري بما يشبه مسرحية هزلية أو كوميديا سوداء من نوع شرّ البلية ما يضحك.

حدث أحد مشاهدها في شباط 2011 يوم هتف الناس في ساحة التحرير “نواب الشعب كلهم حرامية” وطالبوا الحكومة بمحاسبة الفاسدين فردت عليهم الحكومة بضربهم، وحين شعرت بخطرهم سدت جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء بالدبابات.

والآن يعود ممثلو الجماهير من المثقفين، الموجوعة قلوبهم بتنظيم مظاهرة في ساحة التحرير يوم 14 آذار 2015، بتكرار نفس الطلب مضافا إليه طلب أجرأ؛ أن تتظاهر الحكومة داخل المنطقة الخضراء إن تعذّر على رئيسها الوصول إلى ساحة التحرير!

يا إلهي، قرأنا في الأدب السريالي ومسرحيات اللامعقول فما وجدنا غرابة وسخرية وكوميديا فجائعية كالتي تصدمنا مشاهد مسرحية الفساد في عراق النظام الديمقراطي! آخرها أن نطلب من الحكومة بأن تتظاهر ضد نفسها.

ولا تستغربوا فقد يظهر رئيس الحكومة رافعا بنفسه لافتة مكتوبا عليها “الموت للفساد” وقد ترفعه الناس على الأكتاف، وحين تنفض التظاهرة ويودعونه بوجوه مستبشرة وبمدح عراقي “من هذا اليعجبك!”، ويعود ليجلس على كرسي رئاسة الوزارة، فإنه لن يجرؤ على إحالة حوت واحد إلى القضاء، لأن لحظتها سيصيح صوت في رأسه “إن فعلتها يا حيدر العبادي فيا ويل حزبك من الفضيحة”.

وكان هذا الصوت قد أسمع علنا بلسان سلفه نوري المالكي: “لديّ ملفات فساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها” ولم يكشفها لأن الحيتان موجودة في كل الكتل خمطوا المليارات بالأطنان، ولم يستطع خلفه العبادي صيد حوت واحد رغم أنه أعطى وعدا والتزاما سياسيا بصيد كل الحيتان، فابتلى بوباء أشاعه سلفه و”رفيق دولة قانونه”. وصدقونا لن يستطع إلا أن يغادر حزبه ويكون الناس حزبه وظهيره، وتلك نصيحة قدمناها له قبل ثلاثة أشهر بعنوان “افعلها تدخل التاريخ” وما فعلها.

الحقيقة كنا شخصّناها عام 2009 بعد أن لاحظنا شيوع الفساد وصغناها في حينه بما يشبه النظرية أو قانون اجتماعي هو: “إذا زاد عدد الأفراد الذين يمارسون تصرّفا يعدّ خزيا، وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه وعجز الناس عن إيقافه أو وجدوا له تبريرا، تحول إلى ظاهرة ولم يعد خزيا كما كان”.

المرجعية الموقرة تقر بوجود الفساد بتصريح ممثليها في خطب الجمعة بأن في الحكومة السابقة لصوصا وحيتانا

الفساد يا سادة يشبه المرض، فكما أن المرض ينشأ خفيا ثم تبدأ أعراضه بالظهور، فإن لم يعالج في حينه تضخمت هذه الأعراض وأصبحت عصية على العلاج، كذلك الفساد في العراق الذي ظهرت أعراضه قبل ثلاثة عقود وتضخمت بعد التغيير، وكان الاحتلال أحد أهم عناصرها لأنه أوصل المسؤول العراقي إلى حوار داخلي تبريري مع نفسه: “ما دام المحتل ينهب العراق وليس له من رادع، فلماذا لا أنهب وطني؟”، فضلا عن أن أميركا حمت وزراء ومسؤولين عراقيين كبار نهبوا المليارات ويعيشون الآن فيها مرفهّين.

الحقيقة التي تبدو غائبة عن كثيرين، أن الفساد في زمن النظام الدكتاتوري تكون الحكومة أو رئيس النظام هو المسؤول الأول عنه، فيما الفساد في النظام الديمقراطي يكون المسؤول الأول عنه هو الناس، لأنهم هم الذين انتخبوا أعضاء برلمان معظمهم يسيل لعابهم على الدولار، وتحديدا من يوم جاؤوا ببرلمان 2005 الذي التف على مبدأ الحلال والحرام وطرحه أرضا بشرعنة قانونية أفضى بعد أن توسع في مؤسسات الدولة، إلى توليد انطباع عام لدى الناس هو أن الحكومة غير جادة في محاربة الفساد بنوعيه اللاقانوني و“المشرعن” المتمثل بتخصيص رواتب ضخمة وامتيازات خيالية للرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان والحمايات بمعدل 30 عنصرا لكل مسؤول وآخرها الفضائيون “الموظفون الوهميون” بعشرات الآلاف.

أيها المثقفون المفجوعة قلوبهم على وطنهم وأهلهم، نبارك لكم تظاهراتكم، بما فيها دعوتكم الحكومة إلى أن تتضامن معكم وتتظاهر داخل المنطقة الخضراء، ولا تصابوا بالإحباط إن خذلكم من تراهنوا عليه أو عليهم، ولكن إعلموا أن الذي يقضي على الفساد في العراق هو إحياء الشعور بالانتماء إلى الوطن وإيقاظ الوعي الانتخابي من مخدّر الطائفية. وتلك ستكون مهمتكم ورهانكم الذي يضمن لكم استرداد ثروة الوطن من الحيتان… حتى الذين في أميركا.


رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

8