الفساد يثقب سفينة حكومة أردوغان ويقودها إلى الغرق السياسي

الجمعة 2013/12/20
الاعتقالات طالت وزراء ومسؤولين نافذين وأعضاء في حزب العدالة والتنمية الحاكم

لندن – هذه الفضيحة بالنسبة إلى الأتراك المحافظين هي في جوهرها مساس مباشر بعقيدتهم التي قادتهم إلى التصويت لحزب العدالة والتنمية، وبالتالي فإن ذلك سيساهم في اعتقادهم أن النظام “الإسلامي” الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة التي سبقته، وهو ما قد يؤدي إلى انعدام الثقة في الإسلام السياسي بشكل عام، وانهيار “الأردوغانية” نظريا إلى الأبد.

هزت قضية فساد مالي وإداري تركيا خلال اليومين الماضيين، في واحدة من أكبر الفضائح المالية ربما في تاريخ تركيا لارتباطها المباشر بمسؤولين كبار وأبنائهم في حكومة رجب طيب أردوغان.

وذكرت وسائل الإعلام التركية إن الحكومة عزلت 5 قيادات أمنية كانت لها سلطة اعتقال وملاحقة المتورطين في واحدة من أكبر قضايا الفساد والرشى، من بينهم أبناء وزراء بالحكومة ومقربين من الحزب الحاكم. وتحدثت تقارير عن أن المعزولين الخمسة، من بين ثلاثين آخرين، شرعوا في إجراءات التحقيق في القضية من دون إخطار الدوائر المختصة في شرطة الجرائم المالية، ودائرة مكافحة الجريمة المنظمة، واكتفوا فقط بالتعليمات الصادرة لهم من قاضي التحقيق، إلى جانب توجيه الاتهامات لهم باستغلال النفوذ.

وقال مراقبون أن هذه ليست هي المرة الأولى التي تتدخل فيها حكومة أردوغان في عمل القضاء التركي، وأن قضايا أخرى مشابهة تم التعتيم عليها نتيجة غياب الخط الفاصل بين السلطتين التنفيذية والقضــائية. وأصدر أردوغان قرارا بفصل كلا من يعقوب سايغيلي رئيس شرطة الأموال العامة التركية، وتوغرول تورهال رئيس وحدة مكافحة التهريب، ونظمي أرديتش رئيس وحدة مكافحة الجريمة المنظمة، وعمر كوز مدير إدارة مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى إرتان إيرتشيكتي مدير إدارة الأمن العام التركية. وخلال ساعات تم تعيين قيادات شرطية جديدة في مواقع تلك القيادات التي تم الاستغناء عنها، من بينهم عمر بركان أكتاش، ويوسف بينغو.

لكن الضربات الموجعة لنظام أردوغان تلخصت في المعلومات التي تم تسريبها من مديرية الشرطة في اسطنبول، والتي تتحدث عن تلقي وزير الاقتصاد التركي زافر تشاغلان رشى مالية تصل إلى 105 مليون ليرة تركية من رجل الأعمال الإيراني- الأزربيجاني، رازا زيراب، المقبوض عليه، والمتورط في عمليات تهريب شحنات سبائك ذهبية عبر الحدود الإيرانية، والمساهمة في غسيل مبالغ مالية تصل إلى 87 مليار يورو.

بالإضافة إلى طلب قاضي التحقيق في جهاز الكسب غير المشروع من وزير العدل رفع الحصانة عن وزراء الداخلية والبيئة وشؤون الاتحاد الاوروبي، فيما وردت أنباء عن تقديم الوزراء الاربعة لإستقالاتهم.وقد قامت وحدات الأموال العامة في شرطة اسطنبول وأنقرة ببعض المداهمات الليلية، واعتقلت على إثر ذلك أبناء وزير الداخلية التركي معمر غولير، ووزير الاقتصاد زافر تشاغلان ووزير البيئة والتخطيط العمراني أردوغان بايراكتار، بالإضافة إلى 41 آخرين ما زالوا يخضعون إلى الاستجواب، من بينهم رئيس مصرف “هالك بنكزي” سليمان أصلان ورئيس بلدية فاتح في إسطنبول مصطفى دمير العضو في الحزب الحاكم.

أهم المتهمين
*زافر تشاغلان وزير الاقتصاد.

*معمر غولير وزير الداخلية.

*ايجمين باغيش وزير شؤون الاتحاد الأوروبي.

*أردوغان بايراكتار وزير البيئة والتخطيط العمراني.

*رازا زيراب رجل أعمال إيراني- أزربيجاني.

*سليمان أصلان مدير بنك “هالك بنكزي”.

*مصطفى دمير، عضو الحزب الحاكم ورئيس بلدية فاتح باسطنبول.

*أبناء وزراء الداخلية والاقتصاد والبيئة.


توغل الفساد الحكومي


عندما نجح حزب العدالة والتنمية في الفوز بالانتخابات العامة في تركيا عام 2002، كان برنامجه الذي صوت الأتراك لصالحه يقوم على محاربة ثلاثة عناصر رئيسية: الفساد، وقمع الحريات، والفقر.

لكن بعد مرور 11 عاما على تولي رجب طيب أردوغان السلطة، تبين أن الحزب كان يحارب الفساد على المستويات الصغيرة فقط، من دون الاقتراب من قضايا فساد الكبار. فمنذ عشر سنوات كانت من المظاهر الطبيعية في اسطنبول أن يتلقى ضابط المرور رشوة لكي يغض الطرف عن مخالفة ما، وهو ما هبطت معدلاته بشكل ملحوظ الآن.

القضاء على فساد المستويات الصغيرة في الحكومة جعل الأتراك يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية نجح بالفعل في معركته ضد الفساد في مؤسسات الدولة بشكل عام، وقضى عليه، لذلك فإن القضية التي تم الكشف عنها من قبل الجهات القضائية التركية ستكون لها ثلاث تبعات رئيسية:

أولا: أنها ستؤثر كثيرا على النظرة العامة لحكومة حزب العدالة والتنمية في أعين داعميها، وبين القاعدة الجماهيرية التي يعتمد عليها أردوغان في كل مرة للتصويت له، ما ينبئ بأن الحزب سيفقد نسبة كبيرة من الأصوات في الانتخابات العامة القادمة.

أما على المستوى الدولي، فإن القضية تكشف النقاب عن حقيقة جديدة في العلاقات بين أنقرة وطهران، وهي أن تركيا تحولت إلى أحد المحطات الهامة التي اعتادت إيران على غسل الأموال بها خلال مناوراتها المستمرة في مواجهة العقوبات الإقتصادية. فقد تطرقت الجهات القضائية إلى أن أحد البنوك المملوكة للدولة شارك في غسيل 100 مليون دولار من الأموال الإيرانية داخل الأراضي التركية، قبل أن يتم ضخها بعد ذلك في السوق العالمية على أنها أموال تركية، وهو ما إن ثبت صحته، سيشكل عائقا كبيرا أما ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الملف الذي يعاني من عراقيل تتعلق بمعايير الانضمام وقضايا حقوق الإنسان.

يقود ذلك إلى مشكلات أخرى على المستوى الإقتصادي، فإذا ثبت تورط رجال أعمال لهم استثمارات ضخمة في قطاع البناء والعقارات، فسيتأثر ذلك القطاع بشكل كبير، وهو ما سيعود بالسلب على أداء الحكومة بشكل عام. وقد بدأ ذلك بالفعل في الانخفاض الحاد بعد أن شهدت أسهم “بورصة اسطنبول” خلال اليومين الماضيين، وكذلك ترنح الليرة التركية أمام الدولار واليورو، وهو ما يؤشر إلى إمكانية حدوث اضطرابات عنيفة قد تهز الاقتصاد التركي برمته خلال الأسابيع المقبلة.

لكن التأثير الاجتماعي جراء تلك الفضيحة يظل هو التأثير الأعمق على الشبكة التي تنظم القوى المجتمعية المختلفة في تركيا. فقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أن ما يقرب من 50 بالمئة من تعداد الناخبين الأتراك كانوا يدعمون، بشكل أو بآخر، حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء آنذاك، لأسباب متعددة، على رأسها الدين.

هذه الفضيحة بالنسبة إلى هؤلاء هي في جوهرها مساس مباشر بعقيدتهم التي قادتهم للتصويت لهذا الحزب، وبالتالي فإن ذلك سيساهم قطعا في اعتقادهم بأن النظام “الإسلامي” الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة التي سبقته، وهو ما قد يؤدي إلى انعدام الثقة في الإسلام السياسي بشكل عام، وانهيار “الأردوغانية” نظريا إلى الأبد.

إدراك النظام التركي لهذه الحقائق دفعه إلى فصل 5 ضباط شرطة كبار كانوا قد بدأوا فتح ملفات القضية، اعتقادا منه أنه بذلك سيتمكن من دفن القضية، وسيدفع الأتراك إلى نسيانها. لكن بعد مشاهدة مقطع الفيديو الذي يعرض أحد وزراء حكومة أردوغان وهو يتلقى 1.5 مليون دولار على سبيل الرشوة، من الممكن وصف تلك المحاولات باليائسة.

أهم الضباط المعزولين
*يعقوب سايغيلي رئيس شرطة الأموال العامة.

*توغرول تورهال رئيس وحدة مكافحة التهريب.

*نظمي أرديتش رئيس وحدة مكافحة الجريمة المنظمة.

*عمر كوز مدير إدارة مكافحة الإرهاب.

*إرتان إيرتشيكتي مدير إدارة الأمن العام.


أردوغان وكولن


في مايو الماضي، قام رئيس الوزراء التركي بزيارة إلى واشنطن ألقت حينها الضوء على استغلال الولايات المتحدة لأردوغان باعتباره رجلها الأول في منطقة الشرق الأوسط، لكن في الخلفية المظلمة كانت هناك زيارة سرية لا تقل أهمية بالنسبة للأتراك عن زيارة أردوغان لواشنطن. ففي أثناء زيارته أوفد أردوغان نائبه إلى فتح الله كولن،المقيم في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات بين الحكومة التركية والجماعة المعارضة.

جماعة فتح الله كولن، ذات النفوذ الواسع الذي يعبر حدود تركيا، كانت حليفا قويا لحزب العدالة والتنمية منذ انشقاق أردوغان ورفاقه من تيار أربكان، وأثمر هذا التحالف عن معركة شرسة ضد “الدولة العميقة” لعب فيها كل من حزب العدالة والتنمية وجماعة كولن أدواراً هامة، انتهت بخلافات عميقة بينهما.

أردوغان ورفاقه مهما تخلوا عن الخط السياسي لتيار أربكان واقتربوا من خط الرئيسين السابقين، عدنان مندريس وطرغوت أوزال، فإن خلفيتهم الأيدلوجية ما زالت تحمل بصمات البيئة التي ينتمون إليها، أما فتح الله كولن، فكان دائما يحرص على وضع مسافة بين جماعته وتيار أربكان الذي يطلق على نفسه حركة “ملِّي غوروش” أي “الرؤية الوطنية”. وبسبب هذه الخلفيات المختلفة ظهرت اختلافات في بعض المواقف، مثل انتقاد فتح الله كولن انطلاق سفينة مرمرة دون التنسيق مع إسرائيل وسقوط تسعة مواطنين أتراك “في مواجهة لم تكن تركيا بحاجة إليها”، بينما كانت حكومة أردوغان تؤيد أسطول الحرية. ثم جاءت في فبراير 2012 أزمة استدعاء رئيس الاستخبارات التركية “هاكان فيدان”، للإدلاء بأقواله بصفة المشتبه به في قضية اللقاءات مع قادة حزب العمال الكردستاني وتسهيل تواصلهم مع أوجلان، واتهمت أطرف مقربة من الحكومة التركية جماعة فتح الله كولن بمحاولة تصفية فيدان لوقوفه سدا منيعا أمام سيطرة الجماعة على جميع المناصب الحساسة.

اللافت أن وسائل الإعلام التابعة لجماعة فتح الله كولن والأقلام المقربة منها كثّفت في الآونة الأخيرة انتقاداتها لحكومة أردوغان وتركزت هذه الانتقادات على الأسلوب الذي تعالج به حكومة أردوغان مشكلة حزب العمال الكردستاني، رغم إعلان زعيم الجماعة كولن دعمه لعملية السلام التي أطلقتها الحكومة التركية.

وكان موقف حكومة أردوغان من الثورة السورية له نصيب أيضا من هذا التصعيد، حيث بدأ ممثلو الجماعة يتهمون الحكومة بأنها أخطأت في حساباتها في الملف السوري واستعجلت في تبني موقف متقدم وحاسم، ويقولون إن السياسة الخارجية التركية تتسم إلى حد ما بالتهور والرومانسية وغير الواقعية. بعد ذلك مباشرة تواردت الأنباء عن تصفية واسعة في جهاز الاستخبارات التابع للشرطة طالت عددا من المدراء المحسوبين على الجماعة.


المشهد السياسي والانتخابات المقبلة


وأثارت المعلومات الأخيرة عن تورط تلك الشخصيات القريبة من الحكم، صدمة في تركيا حيث تسخر مواقع التواصل الاجتماعي من “جنون الورقة الخضراء” الذي تملك هذه الشخصيات. لكن توقيت اندلاع الفضيحة شكل أسوأ ما فيها بالنسبة للحزب الحاكم ورئيس وزرائه، الذي انطلق خلال الأيام الأخيرة في افتتاح الحملة الانتخابية لحزبه استعدادا للانتخابات البلدية المقررة في أذار/ مارس في مهرجانات ضخمة.

ويرى مراقبون أن الثمن الذي سيدفعه أردوغان على الصعيد الانتخابي، بسبب هذه القضية التي تدل على عمق النزاع بين الحكومة وجمعية فتح الله كولن، قد يكون باهظا. لكن يبدو أن أردوغان مصر على الهروب إلى أبعد نقطة في هذه القضية. فقد صرح رئيس الوزراء التركي أن هذه الفضيحة هي جزء من مؤامرة مدبرة ضد الحكومة.

تصريحات أردوغان ربطها المراقبون بالخلاف الحاد بينه وبين الزعيم الإسلامي التركي فتح الله كولن، والذي من المرجح أن تكون له علاقة بتحريك القضية، خاصة وأن نفوذ جمعية كولن ممتد في مواقع مؤثرة في الدولة كوزارة الداخلية والقضاء.

ففي شهر نوفمبر الماضي، أعلنت الحكومة التركية عن خطط لإغلاق مدارس خاصة وقاعات استذكار، ضمن خريطة تخفيض الدعم المدرسي وتحويلها إلى منظومة التعليم الحكومية، وهو ما مثل ضربة موجعة لتيار كولن، حيث أن تلك المدارس تعد مصدراً للمال والتأثير له، مما جعل كولن ينتقده في تصريحات علنية بسوء التصرف، ووصف ممارسات أردوغان بالديكتاتورية والمستبدة، في الوقت الذي اعتبر فيه المحلل روسن شاكر ـن “حركة كولن أعلنت أنها تقاوم وقررت حماية مصالحها”.

وفي مواجهة هذا التهديد قد يغتنم أردوغان فرصة تعديل وزاري معلن لاستبدال الوزراء المرشحين لخوض الانتخابات البلدية، والتخلص من الأعضاء الآخرين المتهمين، وفق مصادر قريبة من السلطات التركية، وهو ما قد يتم قبل نهاية الشهر الجاري.

وبات من المرجح أن تركيا تتــجه نحو عام التغيرات (2014) في الخارطة السياسيــة مــع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وأن قواعــد رئيس الوزراء التــركي تتآكل في عد تنازلي سيشكل نقطة تحول هامة في تاريخ حركات الإسلام السياســي التركية علــى المدى البــعيد.

7