الفساد يعبّد طريق عودة داعش إلى العراق

قادة داعش يستخدمون الثروات التي جمعوها أثناء سيطرة التنظيم على المناطق العراقية في رشوة منتسبي القوات الأمنية.
السبت 2018/11/10
خطوات متعثرة نحو مستقبل غامض

الموصل (العراق) - أثار الهجوم الذي استهدف بسيارة مفخّخة مطعما في مدينة الموصل وأدّى لسقوط ما لا يقل عن 15 ضحية بين قتلى وجرحى، المخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة، بعد أن كان احتلاله لها على مدى قرابة الثلاث سنوات قد جرّ على سكانها ويلات غير مسبوقة، حيث لا يكاد يخلو بيت، من قتيل أو جريح أو نازح أو مختفٍ، فضلا عن الدمار الهائل الذي طال المدينة جرّاء الحرب الضروس التي دارت داخل أحيائها السكنية، وهو دمار سيظل ماثلا إلى فترة غير محدّدة نظرا إلى عدم توفّر الإمكانيات المالية لإعادة الإعمار.

وما يضاعف المخاوف أنّ الأسباب التي فتحت باب الموصل وباقي المناطق العراقية للتنظيم المتشدّد لا تزال ماثلة ومن ضمنها الفساد الذي طال جميع أجهزة الدولة العراقية، بما في ذلك قواتها المسلّحة وأدّى بها سنة 2014 إلى مشارف الانهيار أمام زحف بضع مئات من عناصر تنظيم داعش.

وتلقّى سكان الموصل خلال الأيام الماضية بامتعاض شديد، أنباء عن قيام ضباط ومنتسبين للأجهزة الأمنية بتلقّي رشاوي مقابل إطلاق سراح مقاتلين من داعش سبق اعتقالهم خلال الحرب على التنظيم، أو في حملات أمنية لاحقة.

كما راجت أنباء عن قيام بعض المنتسبين بغض الطرف عن خلايا نائمة للتنظيم يتمّ اكتشافها مقابل تلقي مبالغ مالية من قبل أشخاص على علاقة بداعش.

ولا يبدو أنّ الأموال تعوز عناصر داعش وداعميهم، حيث أن سيطرتهم على مناطق العراق أتاح لكثيرين منهم جمع ثروات طائلة من الأتاوات التي كانوا يفرضونها ومن الممتلكات الخاصة والعامة التي نهبوها، فضلا عن تصرّفهم بثروات الدولة من نفط وآثار وغيرهما.

وبالنسبة إلى عدد من أهالي الموصل الذين أمضوا ثلاث سنوات تحت حكم التنظيم المتشدّد فإنّ التفجير الذي استهدف مطعم “أبوليلى الشهير” في غرب المدينة هو مؤشّر على هشاشة الأمن ودليل على وجود خلايا نائمة في محافظة نينوى، وكبرى مدنها الموصل. ويقول الشاب مصعب الذي اكتفى بذكر اسمه الأول وهو أحد عمال المطعم الذي استهدف بالتفجير “كنا نعتقد أننا بأمان. قلنا إنّنا تحرّرنا وتحقّق الأمن، هذه المرة نعود إلى الأسوأ”.

ووفقا لمصادر أمنية وطبية، أدّى التفجير الذي وقع وقت العشاء إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 12 آخرين بجروح.

ويضيف الشاب الذي لحقت به إصابة طفيفة جرّاء التفجير أنّ أغلب الضحايا هم أرباب عائلات، ويتساءل بحسرة “من سيعوّض على تلك الأسر الآن”.

ولم يجد عامل المطعم هذا لدى عودته صباح الجمعة إلى مكان عمله سوى هيكل متفحم لسيارته كما لجميع السيارات التي كانت مركونة هناك.

ويقول بينما هو ينظر بحسرة إلى الهيكل المتفحّم “أربع سنوات وأنا أعمل حتى اشتريت السيارة وها قد ذهبت”.

ولا يقتصر القلق الذي خلّفه التفجير على المواطنين العاديين بل امتدّ ليصل إلى مسؤولين بارزين في محافظة نينوى، لم يتوان بعضهم عن تحميل جهات أمنية المسؤولية عن وقوع التفجير لأسباب عدّة. ويلقي أهلي محافظة نينوى باللوم على الأجهزة الأمنية وينتقدون تشتّت مراكز القرار فيها.

وتتولّى حفظ الأمن في المحافظة قوات متعدّدة أبرزها الجيش والحشد الشعبي، الهيئة المشكلة أساسا من فصائل شيعية.

وتعلن القوات العراقية بصورة شبه يومية عن اعتقال عناصر من داعش أو أشخاص تشتبه بتورطهم مع التنظيم، كما تؤكّد باستمرار العثور على مخابئ ومخازن أسلحة وذخيرة ومتفجرات في الموصل ومناطق أخرى من محافظة نينوى.

وكانت السلطات العراقية أعلنت في يوليو 2017 استعادة السيطرة على مدينة الموصل التي ظلت طوال ثلاث سنوات “عاصمة” لـ”دولة الخلافة” التي أعلن تنظيم داعش إقامتها في المناطق الشاسعة التي سيطر عليها في كل من سوريا والعراق.

وفي ديسمبر من العام نفسه أعلنت السلطات العراقية دحر التنظيم من كل المناطق الحضرية التي كان يسيطر عليها، لكنّه مازال يحتفظ بخلايا سريّة في أنحاء عدة من العراق مثل غرب الموصل، وكذلك في المناطق الصحراوية وعلى طول الحدود مع سوريا.

وفي محاولة لتنشيط جهود الكشف عن تلك الخلايا وتفكيكها، أعلنت قيادة شرطة محافظة نينوى، الجمعة، عن رصد مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عن سيارات مفخخة أو أماكن تفخيخها.

وجاء ذلك في بيان وجّهه، قائد شرطة نينوى اللواء الركن حمد الجبوري، إلى سكان المحافظة. وقال الجبوري “على كل من تتوفر لديه أي معلومة خاصة عن مكان تفخيخ سيارة أو وجود عربة مفخخة متروكة، أو لديه معلومة عن قيام أشخاص بتفخيخ عربة في أي مكان، الاتصال على الأرقام الساخنة لقيادة الشرطة”، ووعد بتقديم مكافأة مالية قدرها ما يعادل نحو 8 آلاف دولار لمن يقوم بالتبليغ.

وتشكّل عودة التهديدات الإرهابية إلى العراق، عامل إحباط إضافيا للعراقيين، في فترة انتقال السلطة إلى حكومة جديدة يفترض أن تنصرف بشكل رئيسي إلى جهود إعادة الإعمار وتحسين ظروف العيش، على عكس سابقتها التي وجهت أغلب جهودها وما توفّر لديها من مقدّرات، نحو الشأن الأمني وخوض الحرب على تنظيم داعش.

ومن عوامل الإحباط الإضافية أن حكومة رئيس الوزراء الجديد عادل عبدالمهدي لا تزال غارقة في صراع الأحزاب والمكوّنات العرقية والطائفية على المناصب الوزارية، بما في ذلك المنصبان المرتبطان بشكل مباشر بالشأن الأمني، أي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية اللتان حال الصراع الشديد عليها دون التوافق على من يتولاّهما.

3