الفساد يفشل محاولات الحكومة الجزائرية لإصلاح الاقتصاد

قال خبراء إن استفحال الفساد وسوء الإدارة والرؤية الاقتصادية الضعيفة تمثل عقبات كبيرة أمام محاولات الحكومة الجزائرية للخروج من الأزمات الاقتصادية، التي تفاقمت في السنوات الثلاث الأخيرة بسبب تدهور عائدات النفط.
الاثنين 2017/07/31
أسواق تشكو حصص الاستيراد المقننة

الجزائر - كشفت بيانات جديدة للجمارك الجزائرية عن حقائق صادمة، تعكس انعدام الرؤية في تحريك دواليب الاقتصاد والهوة الشاسعة بين حقيقة الأرقام وخطابات الحكومة وتغلغل ممارسات الفساد والتحايل التي أدّت إلى استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.

لكن مؤشرات الصادرات ليست الوحيدة التي تظهر فشل الحكومة في إصلاح الاقتصاد، بل حتى الاستثمارات طالتها شبهات الفساد الذي كبّد الدولة المليارات من الدولارات.

ويقول رئيس جمعية مستشاري التصدير إسماعيل لالماس إن الجزائر تنتهج اقتصادا مبنيا على الريع والاستيراد بنسبة تفوق 90 بالمئة، وبالتالي فإن الذهاب إلى التصدير يحتم المرور إلى التنويع الاقتصادي ببناء قطاعات تعطي دفعا إلى معدلات النمو الضعيفة.

952 مليون دولار، قيمة عوائد الصادرات غير النفطية في النصف الأول من 2017، وفق بيانات رسمية

وأضاف الخبير الاقتصادي متسائلا “كيف بالدولة التي تبقي على نفس الوجوه في الحكومة ونفس القوانين أن تتكلم عن التصدير الذي يعدّ شكلا اقتصاديا مهمّا لأي دولة يجب تحقيقه بإستراتيجية خاصة”.

وبلغ حجم الصادرات دون احتساب النفط والغاز خلال النصف الأول من هذا العام نحو 952 مليون دولار، مقابل 896 مليون دولار بمقارنة سنوية، وفق البيانات الرسمية.

وتمثل المنتوجات المصنعة والغذائية والتجهيزات الصناعية والمواد الخام والمواد الزراعية وغيرها نحو 6.25 بالمئة من مجموع عوائد الصادرات.

ودق رئيس الوزراء عبدالمجيد تبون، أجراس الإنذار، حينما بحث خلال مجلس وزاري في “تحايل” المصدرين، الذين يدرجون المواد الاستهلاكية المدعومة، كمواد أولية في المنتوجات الزراعية على غرار التجهيزات المنزلية والعجائن والألبان ومشتقاتها. واتجهت الحكومة أيضا إلى مراجعة ملفات حساسة مثل التصدير والصناعة والاستثمارات وتركيب السيارات ووقف تغول رجال الأعمال المنضوين تحت لواء جمعية منتدى رؤساء المؤسسات بقيادة حداد.

وسرّعت خطاها في الفترة الأخيرة لأجل تطهير الاقتصاد من الفساد ولا سيما بعد تلقيها معطيات خطيرة تتعلق بهيمنة البعض من رجال الأعمال المحسوبين في وقت سابق على السلطة، على الاستثمارات الحكومية خلال السنوات الأخيرة.

وقال تبون إنه “رغم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ منتصف العام 2014، إلا أن استثمارات حكومية بقيمة 7 مليارات دولار تبددت ولم تتحقق حتى الآن بالشكل المطلوب”، في إشارة إلى تزاوج المصالح بين المال والسياسة على حساب اقتصاد البلاد.

ولأجل استدراك الوضع المشلول للاستثمارات الحكومية، طالبت هيئات حكومية المستثمرين المحليين والأجانب بالإيفاء بالتزاماتهم حيال تنفيذ المشروعات في ظرف يتراوح بين أسبوع وشهرين أو فسخ الصفقات معهم.

إسماعيل لالماس: التصدير عنصر أساسي في اقتصاد جميع الدول ويجب تعزيزه بإستراتيجية خاصة

وقد تعلق الأمر بشكل لافت بشركات إسبانية وفرنسية وتركية وصينية، فضلا عن شريك محلي هو مجمع الأشغال العامة أو.تي.أر.أش.بي المملوك لرجل الأعمال الجزائري المثير للجدل علي حداد.

ويتهم حداد بالاستحواذ المشبوه على غالبية مشاريع البنى التحتية والأشغال العامة منذ سنوات طويلة نتيجة نفوذه السياسي الواضح وشبكة العلاقات المثيرة للجدل داخل مؤسسات ومفاصل الدولة.

وتحدثت مصادر محلية، استنادا إلى وثائق اطلعت عليها، بأن المجمع المذكور استحوذ منذ العام 2011، على استثمارات حكومية تقدر بنحو 4 مليارات دولار. وتقول المصادر إن حداد تسبب في خسائر بمليارات الدولارات لخزينة الدولة بسبب عدم قدرته على الإنجاز سواء في مجال سكك الحديد أو الطرقات.

وفتحت وزارة الصناعة تحقيقات في بعض المصانع الحكومية في كل من رويبة بالعاصمة، والحجار بعنابة بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها مصنعو المركبات الميكانيكية والحديد والصلب رغم الأموال التي ضختها الدولة فيهما لتحريك عجلة الإنتاج فيهما.

ويشكل قطاع تركيب السيارات، أبرز القطاعات المؤرقة للحكومة، بسبب الشبهات التي تلفه، وتحوّله إلى فضيحة بسبب تحايل وتورّط أصحابه في نزيف احتياطي الصرف.

وكان العديد من تجار وموزعي السيارات على غرار محيي الدين طحكوت ومراد العلمي ومحمد بايري قد تحولوا تحت رعاية ونفوذ التنظيم المهني منتدى رؤساء المؤسسات، إلى محتكري تركيب السيارات في البلاد.

وبحسب خبراء اقتصاد اتضح بمرور الوقت أن العملية برمتها كانت عبارة عن تحايل لنزف العملة الصعبة، قياسا بمحدودية نسبة الاندماج في الاقتصاد المحلي التي لم تتجاوز نحو 5 بالمئة.

وفي ظل هذا الوضع، تستعد الحكومة لفتح حوار وطني شامل مع الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الاجتماعيين والطبقة السياسية لإيجاد أرضية ملائمة للخروج من الأزمة، خاصة في ما يتعلق بتقليص التبعية النفطية وتنويع مصادر الدخل.

لكن لالماس، يعتقد أن الحكومة تبقى مكبلة بعدة تحديات للوصول إلى أهدافها في ظل عدم حسم مفاوضات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية وعدم انخراطها في المنظمات والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، ما يجعلها في عزلة اقتصادية.

11