الفساد يقود لبنان إلى حافة الهاوية

الأزمة المالية تزيد الضغوط على الحكومة للتعجيل بالإصلاحات في ظل حالة من الغليان في صفوف الشعب.
الأحد 2019/10/20
غضب متصاعد

تكاد الأمور تخرج عن السيطرة في لبنان في ظل الاحتجاجات التي عكست الغضب الشعبي من الطبقة السياسية الحاكمة، بالإضافة إلى المواقف التي تشير إلى تقلص الثقة في قدرة الحكومة على تطبيق الإصلاحات الموعودة، ما جعل التغيير أمرا حتميا لتجنب الانهيار.

 بيروت – أصبح لبنان أقرب للأزمة المالية من أي وقت مضى، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي التي شهدت دمارا مروعا خلال الحرب الأهلية، حيث تكالب حلفاء الحكومة والمستثمرون والمحتجون الذين خرجوا إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد على مطالبتها بمعالجة الفساد وتنفيذ الإصلاحات الموعودة منذ مدة طويلة.

وقد سارعت حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري الخميس، بإلغاء خطة -بعد ساعات من إعلانها- كانت تقضي بفرض رسوم على المكالمات الصوتية عبر تطبيقات مثل واتساب وذلك في مواجهة أضخم احتجاجات شعبية منذ سنوات أغلق فيها المحتجون الطرقات وأشعلوا إطارات السيارات.

ولبنان، الذي يعد إحدى أكثر دول العالم مديونية والذي تتناقص احتياطاته الدولارية بسرعة، يحتاج على وجه السرعة إلى إقناع حلفائه في المنطقة والمانحين الغربيين بأنه سيتحرك بجدية أخيرا لمعالجة مشكلات متأصلة مثل قطاع الكهرباء الذي يعاني من الإهدار ولا يمكن التعويل عليه.

وأوضح مسؤولون في الحكومة وسياسيون ومصرفيون ومستثمرون أن لبنان سيواجه إذا لم يحصل على دعم مالي من الخارج احتمال تخفيض قيمة العملة أو حتى التخلف عن سداد ديونه في غضون أشهر.

الشعب اللبناني ينتفض
الشعب اللبناني ينتفض

وذكر وزير الخارجية جبران باسيل، في كلمة بثها التلفزيون الجمعة، إنه قدم ورقة في اجتماع لبحث الأزمة الاقتصادية في سبتمبر الماضي قال فيها “إن القليل الباقي من الرصيد المالي قد لا يكفينا لفترة أطول من نهاية السنة إذا لم نعتمد السياسات المطلوبة”، دون أن يحدد ماهية ما يقصده بالرصيد المالي.

وكانت بيروت قد تعهدت مرارا بالحفاظ على قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار والالتزام بسداد ديونها.

غير أن المصادر تقول إن الدول التي اعتادت التدخل ماليا لإنقاذ لبنان من الأزمات بشكل يعتمد عليه نفد صبرها بفعل سوء الإدارة والفساد ولجأت إلى استخدام الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة في الضغط من أجل التغيير.

ومن هذه الأطراف دول عربية خليجية فتر حماسها لمساعدة لبنان بسبب النفوذ المتزايد الذي يتمتع به حزب الله المدعوم من طهران وما تراه حاجة إلى كبح نفوذ إيران المتنامي في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

وسبق أن قدمت الدول الغربية مساعدات مالية سمحت للبنان بتحدي الظروف الصعبة لسنوات. غير أنها قالت للمرة الأولى إنها لن تقدم أموالا جديدة إلى أن تأخذ الحكومة خطوات واضحة صوب الإصلاحات التي وعدت بها منذ مدة طويلة.

الإحتجاجات متواصلة
الإحتجاجات متواصلة 

وتأمل تلك الدول أن تتحرك الحكومة لإصلاح نظام استغله ساسة طائفيون في توزيع موارد الدولة بما يحقق مصالحهم بدلا من بناء دولة تعمل على أسس متينة.

ومن الممكن أن تغذي الأزمة المزيد من الاضطرابات في بلد يستضيف حوالي مليون لاجئ من سوريا.

وقال توفيق غاسبار، المستشار السابق بوزارة المال اللبنانية والاقتصادي السابق بمصرف لبنان المركزي وصندوق النقد الدولي، “إذا ظل الوضع (على ما هو عليه) دون أي إصلاحات جذرية فتخفيض قيمة العملة أمر محتوم”. وأضاف “منذ سبتمبر بدأ عهد جديد. علامات الإنذار كبيرة وفي كل مكان خاصة أن المصرف المركزي يدفع ما يصل إلى 13 بالمئة للاقتراض بالدولار”.

وعلى رأس قائمة الإصلاحات في بيروت مشكلة من أعقد المشكلات هي إصلاح انقطاع الكهرباء المزمن، الذي جعل اللجوء إلى مولدات الكهرباء الخاصة ضرورة باهظة الكلفة. ويرى الكثيرون أن هذه المشكلة هي الرمز الرئيسي للفساد الذي أدى إلى تدهور الخدمات والبنية التحتية.

وتأكيدا للضغوط الخارجية، سيتوجه إلى لبنان الأسبوع المقبل بيير دوكان السفير الفرنسي المكلف بمتابعة تنفيذ مقررات مؤتمر سيدر للمانحين الخاص بدعم لبنان وذلك للضغط على الحكومة بشأن استخدام محطات توليد الكهرباء العائمة وذلك حسب ما قاله مصرفي مطلع على الخطة.

وقال المصرفي، الذي طلب الحفاظ على سرية هويته، إن دوكان يريد إدراج هذه المحطات العائمة في خطة إصلاح القطاع الكهربائي.

وسيكون مضمون موازنة 2020 عنصرا أساسيا في المساعدة على الإفراج عن حوالي 11 مليار دولار صدرت بها تعهدات مشروطة من المانحين الدوليين بمقتضى مؤتمر سيدر الذي عقد العام الماضي. غير أن اجتماع مجلس الوزراء الذي كان مقررا عقده لبحث الميزانية الجمعة، ألغي وسط الاحتجاجات الشعبية.

وكانت حكومة الحريري، التي تشارك فيها أحزاب لبنان كلها تقريبا، قد اقترحت فرض ضريبة بمقدار 20 سنتا في اليوم على المكالمات الصوتية من خلال تطبيقات مثل واتساب وفيسبوك وفيس تايم.

وفي بلد يقوم على أسس طائفية ربما يكون انتشار الاحتجاجات على نطاق واسع على غير المعتاد علامة على تزايد الغضب من الساسة الذين شاركوا في دفع لبنان إلى هذه الأزمة.

وقال فادي عيسى (51 عاما) الذي شارك في الاحتجاجات “لم نعد نستطيع التحمل في ظل السلطة الفاسدة. لا نريد استقالة فقط نريد محاسبة وإرجاع الأموال التي سرقت وحدوث تغيير” فعلي.

وقال عدد من المصرفيين والمستثمرين والمسؤولين إن شروخا جديدة ظهرت بين الحكومة اللبنانية ومقرضيها من القطاع الخاص مع تبدد الثقة وندرة الدولارات.

3