الفسيفساء الرومانية أبرز الشواهد على عراقة الفن الجزائري

الاثنين 2014/10/27
تظل لوحات الفسيفساء من أهم علامات الإبداع البشري التي تخلد نمط عيشه عبر العصور

التراث الجزائري الروماني ثري برسوماته ونقوشه الفريدة والمميزة، فكثيرة هي الصخور التي تضُم بين ثناياها نقوشا ورسوما يعود تاريخها إلى عهود قديمة، ولا زال الجدل دائرا حتى اليوم بين الأثريين والمؤرخين حول عمر هذه النقوش، وهذه الرسوم التي تزخرف مساحات كبيرة من الأرضيات والصخور الموجودة في محافظة “تيبازة” الجزائرية في منطقة تُسمى “شرشال”، هذه الأخيرة كانت العاصمة والمقر الرئيسي للملك النوميدي “جوبا الثاني”، وكانت تُسمى “مدينة سيزاري”، والبعض يرجع تلك الرسوم إلى 8000 سنة.

من أهم المتاحف في منطقة ساحل “تيبازة” المتحف الأثري القديم لـ“جوبا الثاني” الذي يزخر بمعالم أثرية تاريخية عريقة، حيث تكسو جدرانه جداريات عديدة تمثل مشاهد تاريخية ومناظر وصورا كثيرة، أهمها جداريتان؛ الأولى موجودة في الطابق الأرضي للمتحف.

وتحمل صورة مدينة تيبازة القديمة إبان العصر الروماني، فيما تمثل الأخرى صورة المسرح الروماني القديم، الذي أصبح حاليا مكانا لإقامة الحفلات والسهرات الهامة، لاسيما خلال أشهُر الصيف، والمتحف مكان سياحي بالدرجة الأولى، فبالإضافة إلى آثاره التاريخية فإن توسطه وتربعه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، زاده سحرا وجمالا وجعله أكثر استقطابا لعشاق التاريـخ والآثار.

ولا تقتصر التحف والمقتنيات التاريخية على المتحف وحده، بل إن المعالم تغطي مساحة كبيرة من مدينة “شرشال”، لما تحمله من أرضيات تضم رسوما ونقوشا معبّرة تحاكي التسلسل التاريخي الذي دار على هذه البقعة الجغرافية، هذه الرسوم التي تصور الطبيعة من حيوانات وطيور وحسناوات يرتدين الزي الروماني الإغريقي، تعتبر نادرة الوجود وتجعل المتأمل فيها يخمّن في نمط عيش الرومان قديما من خلال قراءة مشاهدها وصورها، فهي تُعبّر عن أساطير تلك الشعوب الغابرة، لكنها للأسف كانت مهملة ممّا جعلها مهددة بالاندثار والزوال، إلى أن تفطن المسؤولون لذلك، وقرروا إنقاذها وترميمها.

فكرة ترميم المدينة كانت تجاوبا مع رؤية الباحثين الأثريين في الجزائر الذين أكدوا القيمة الفنية والتاريخية لهذا الكنز المدفون في مدينة “شرشال” العريقة، فقرر فريق منهم المباشرة في تنظيفها وترميمها، وإكمال ما اندثر منها من رسوم ومكعبات تربيعية رخامية ملونة، وكان الفريق مكونا من موسى جمال، شريف حمزة وأحمد جيلاهين؛ وهم أعضاء متحف “لامبيردي” في مدينة “تيبازة” للآثار الرومانية القديمة.

فكرة ترميم المدينة كانت تجاوبا مع رؤية الباحثين الذين أكدوا قيمة هذا الكنز المدفون في مدينة "شرشال"

وعمل الفريق على إصلاح ما فسد منها وترميم ما تغير من ملامحها، وتم عقد اتفاقية بين الجهات الجزائرية المختصة ومسؤولي قطاع الآثار في فرنسا، من أجل إقامة معرض خاص بهذه الفسيفساء الرومانية باعتبارها قطعة أثرية نادرة، وتم ذلك في معرض أُقيم بالعاصمة باريس في “آرلس”.

وقد قام المسؤولون في فرنسا بتخصيص ورشة خاصة للفريق الساهر على الترميم، وتزويدهم بكل التقنيات والوسائل الفنية التي تساعدهم على إصلاح تلك الفسيفساء نادرة الوجود في العالم، واستغرقت العملية سبعة أشهُر لكشف خبايا ورموز تلك الرسوم التي تُعبّر عن أنماط الحياة التي كان يعيشها الرومان في ذلك العصر، ونجح عرض تلك المجموعات الفسيفسائية بين الفترة الممتدة من شهر إبريل إلى شهر أغسطس الماضيين، حيث خُصص لهما جناحان كبيران؛ الأول كان لعرض تلك الأرضيات الرخامية الضخمة والمكعبات التربيعية الساحرة، أما الثاني فقد خُصص لعرض بعض التماثيل الرومانية البرونزية والنصب التذكارية الصخرية وموزاييك أخرى فائقة الجمال.

وقد جذبت تلك القطع الرخامية الكبيرة الأنظار والتي سُميت “وحوش الإله أسيوس البحرية”، حيث تضُم رسوما لعدة حيوانات، أبرزها النمر، والفهد، وحصان البحر، ملونة بطريقة رائعة وألوان متجانسة ومتناسقة، ويبلغ حجم هذه القطعة 4.39 أمتار عرضا و1.24 متر طولا.

وقد استعمل الفريق في ترميمها خاصية التبليط الفسيفسائي، أي وضع قطع زجاجية وأخرى رخامية، كما أضيف إليها الرمل والكلس للمحافظة على دوامها لفترة زمنية طويلة، أما اللوحة الثانية فكان الرسم وترميم النحت فيها في كامل الدقة والحذر إذ يعود تاريخ وجودها لعام 1905، وتضُم هذه اللوحة رسما جميلا لحورية فاتنة حسناء متمددة فوق جذع شجرة متمايل، وبجانبها رسم لرجل يمُد لها يده، ويقال إنه كان يُدعى “أبوبون”، وهو أحد حرَّاس الملك “جوبا الثاني”، وقد عرضت في هذه القطع قيمة نقدية وصلت إلى 5000 يورو، لكن المسؤولين رفضوا بيعها، منوّهين إلى أنها تراث عريق لا يقدر بثمن ولا يجب إخراجه من معقله الأصلي.

12