الفشل في استقطاب "حلفاء الأمس" يُرغم النهضة على تأجيل المشاورات بشأن الحكومة الجديدة

الحركة الإسلامية تبرر عدم استعدادها لنقاش سياسي بالوضع الصحي في تونس.
السبت 2021/07/17
عين النهضة على مشاورات الحكومة الجديدة أم إبقاء المشيشي؟

تُحاول حركة النهضة الإسلامية في تونس مداراة فشلها في استقطاب حلفائها الذين شكلوا معها “حكومة الرئيس 1″، على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب، بإعلان تأجيل المشاورات السياسية تحت ذريعة الوضع الصحي الصعب الذي تعرفه تونس. وهو ما يعكس المأزق الذي تعيشه الحركة التي أرادت من خلال دعوتها إلى تشكيل حكومة سياسية اختبار مواقف خصومها، وفي مقدمتهم الرئيس قيس سعيد وحلفاؤه.

تونس - دفعت حركة النهضة الإسلامية في تونس (53 نائبا من أصل 217) بمناورة جديدة تستهدف تدارك فشلها في تشكيل حكومة سياسية جديدة، وذلك بعد أن فشلت في استقطاب “حلفاء الأمس” -التيار الديمقراطي وحركة الشعب (38 نائبا)- لتشكيل تلك الحكومة.

وأعلنت النهضة الجمعة أنها لن “تلتفت إلى أي مشاورات سياسية” الآن، مبررة ذلك بالوضع الصحي الصعب الذي تعيشه البلاد، وهو ما يتناقض مع مواقف قياداتها التي صدرت الأيام الماضية والتي تشدد على أن الحركة تريد الإسراع في إطلاق المشاورات لتشكيل الحكومة.

وبدت كأنها تعلن عن تأجيل تلك المشاورات بعد أن اختبرت مواقف بقية مكونات المشهد السياسي التي رفضت دعوتها إلى تشكيل حكومة سياسية على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب وكذلك شريكها الحالي كتلة الإصلاح الوطني (18 نائبا).

وقال عضو مجلس شورى الحركة منذر لونيسي خلال مؤتمر صحافي إن “الحركة لن تلتفت إلى أي نقاش ومشاورات سياسية في الوقت الحالي في ظل مواصلة تفشي فايروس كورونا”.

خليفة بن سالم: النهضة في وضع لا تُحسد عليه بسبب حساباتها السياسية

وأضاف لونيسي الذي يرأس اللجنة المركزية لمكافحة كورونا داخل الحركة أنه “لا مجال للقول بأن المنظومة الصحية انهارت أو أنها ستنهار”.

وبعثت الحركة برسائل ود إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد في محاولة للتهدئة معه، حيث شكر الناطقُ الرسمي باسم النهضة فتحي العيادي الرئيسَ سعيد على تحركه لاستجلاب التلاقيح المضادة لكورونا قائلا إن ذلك يأتي “باعتبار أن جائحة كورونا هي أصل المعارك”.

ويرى متابعون للشأن السياسي في تونس أن النهضة وجدت نفسها في مأزق لسببين رئيسيين؛ الأول هو الفشل في استمالة الأحزاب التي شكلت “حكومة الرئيس 1″، وهي حكومة إلياس الفخفاخ، إلى جانب حركة الشعب والتيار الديمقراطي وأطراف أخرى. والسبب الثاني هو الحسابات المعقدة المرتبطة كذلك بمنصب رئيسها في رئاسة البرلمان.

واعتبر المحلل السياسي خليفة بن سالم أن “النهضة في وضع لا تُحسد عليه، فإذا دخلت في مشاورات لاستبعاد المشيشي ستخسر جزءا من التحالف مع ائتلاف الكرامة الذي ترفضه جميع المكونات السياسية، وفي نفس الوقت ستخسر الحركة حليفها قلب تونس لأن بقية الأطراف غير مضمون أن تكون على تناغم معه أو تتحالف معه”.

وتابع بن سالم، في اتصال هاتفي مع “العرب”، “إذا أعلنت النهضة رسميا الدخول في مشاورات قد تخسر هذا التحالف، ما يجعل منصب رئيس الحركة راشد الغنوشي في رئاسة البرلمان على المحك. ونحن نعرف الآن أن التحالف نفسه في غياب بعض الكتل غير قادر على تجميع 109 نائب”.

ويبدو أن النهضة أرادت فقط جس نبض بقية الأطراف السياسية في محاولة خاصة لإيجاد مخرج للأزمة مع الرئيس قيس سعيد الذي وجه انتقادات لاذعة للطبقة السياسية في البلاد وفي مقدمتها حركة النهضة لأسباب تتعلق بالحكومة وكذلك بصراع الصلاحيات مع رئيس الحركة راشد الغنوشي.

وقال خليفة بن سالم إن “النهضة بعثت برسائل متعددة العناوين، فالحركة تُدرك أن التخلي عن المشيشي يبقى خطوة غير مضمونة النتائج، لذلك كانت تلوّح بمؤشرات على التخلي عن المشيشي في رسالة له من جهة ورسالة للرئيس من جهة أخرى”.

منذر لونيسي: النهضة لن تلتفت إلى أي نقاش ومشاورات سياسية في الوقت الحالي

وأضاف “فهي أرادت أن تكشف لرئيس الجمهورية أنها مستعدة للتخلي عن المشيشي إذا وجدت تفاهمات مع الرئيس سعيد، وهذا يعتبر في نفس الوقت رسالة ابتزاز للمشيشي في علاقة بالتعيينات واستحقاقات الحركة على غرار ما عُرف بصندوق الكرامة”، في إشارة إلى صندوق تريد النهضة تفعيله ويتعلق بالتعويض لسجنائها في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وكذلك خلفه الراحل زين العابدين بن علي.

ومؤخرا دعت حركة النهضة الأحزاب السياسية إلى ضرورة المضي قدما في تشكيل حكومة سياسية، لكن ذلك جوبه برفض من جل مكونات المشهد السياسي، وخاصة حركة الشعب والتيار الديمقراطي اللذين يشكلان حزاما سياسيا للرئيس قيس سعيد.

واتسعت دائرة رفض مقترح النهضة لتشمل كتلة الإصلاح الوطني الذي يشكل هو الآخر أحد أبرز مكونات الحزام السياسي الداعم لحكومة هشام المشيشي، وهو ما دفع الحركة إلى شن هجوم حاد على الكتلة وعلى المحيطين بالمشيشي في الوقت نفسه.

وتعرف تونس أزمة سياسية منذ أشهر بسبب رفض الرئيس سعيد تعديلا وزاريا أعلنه المشيشي بضغط من النهضة ومرره البرلمان لكن الرئيس سعيد رفض أن يؤدي الوزراء الذين شملهم التعديل -وهم 11 وزيرا- اليمين الدستورية.

وبالتوازي مع الأزمة السياسية تشهد تونس وضعا صحيا صعبا حيث تسجل البلاد أرقاما قياسية في عدد الوفيات والإصابات بفايروس كورونا.

4