الفصائل الفلسطينية أمام الاختبار الأخير

الأربعاء 2017/11/22

تبدأ في القاهرة مجددا، وبرعاية مصرية، مباحثات الفصائل الفلسطينية وهي مخصصة حصرا، للاتفاق على تطبيقات اتفاق المصالحة المبرم في القاهرة نفسها، في مايو العام 2011 أي قبل أكثر من ست سنوات ولم ينفذ. هذه المرة يعود وفدا فتح وحماس إلى القاهرة، ومعهما ممثلو كل الفصائل، للاتفاق على إنفاذ التفاهم على التنفيذ، الذي توصل إليه الوفدان في شهر أكتوبر الماضي. وقد سبقت وصول وفدي فتح وحماس إلى القاهرة، غمامة تشاؤم، سببتها تصريحات استباقية واشتراطات من جانب رئاسة السلطة الفلسطينية وبعض القيادات في رام الله، غير أن وصول الوفود الفصائلية إلى القاهرة، عزز التفاؤل مرة أخرى، لا سيما بعد أن أُعلن في غزة عن تفاهم فتحاوي – حمساوي على تجاوز العقبات المتوقعة التي صنعتها التصريحات المسبقة والاشتراطات، لا سيما عقبة التعامل مع مسألة سلاح المقاومة، وكان ذلك محصلة لقاء بين رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية الذي زار غزة ويحيى السنوار قائد حماس فيها.

وفي الأثناء، بدا أن مشاركة جميع الفصائل في المباحثات التي بدأت يوم الثلاثاء، تعطي قوة دفع أخرى لتنفيذ بنود الاتفاق الشامل والتفصيلي، الذي أبرمته فتح وحماس في العام 2011. ذلك على الرغم من أن تنفيذ الاتفاق سيكون صعبا في نظر فتح وحماس، ويحتاج بسبب شموليته إلى ضغوط ومتابعات من خارج الإطار الفلسطيني بحكم كونه اتفاقا يتناول كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويكرّس القانون ويمنع التفرد والتجاوز، ولا يسمح بمصادرة الحريات في الضفة وغزة، ويقرر توحيد كافة المؤسسات في السلطة الفلسطينية، وإعادة هيكلتها، وفي طليعتها الجهاز القضائي، ويحدد مهام الأجهزة الأمنية على أن تكون عرضة للمساءلة من قبل المجلس التشريعي المنتخب، غير أن الطرف المصري الذي يحتضن المباحثات يرى في هذه الجولة اختبارا أخيرا وحاسما لطرفي الخصومة.

كانت حوارات فتح وحماس قد بدأت في القاهرة في العام 2009 وقد وصفها المشاركون آنذاك في بيانهم الختامي بأنها جرت “بمشاركة مصرية فاعلة ومقدّرة” وفرت للمتخاصمين “جلسات حوار متعددة ومكثفة اتسمت بالشفافية والمصارحة، والتعمق في مناقشة كافة قضايا العمل الوطني، بعقل مفتوح وإرادة سياسية، ورغبة حقيقية في إنهاء الانقسام السياسي والجغرافي والنفسي الذي أضفى سلبياته على كافة أرجاء الوطن الفلسطيني”.

وعلى الرغم من تلك الأوصاف النورانية التي أطلقت على حوار شهر فبراير 2009 إلا أن الأمور ظلت تراوح مكانها عشر سنين، تعرضت خلالها غزة لثلاث حروب كبرى أوقعت خسائر وآلاما ودمارا وأعادت حركة النضال الفلسطيني عشرات السنين إلى الوراء. ولعل طول أمد الخصومة، بعد مرور كل تلك السنوات، منذ بدء الحوار الذي قيل إنه شفاف وعميق وجرى بعقول مفتوحة وبإرادة سياسية؛ جعل الطرف المصري الراعي مصمما على رسم المشهد الختامي لهذه العبثية التي أعيت الشعب الفلسطيني. فقد صدرت العديد من الإشارات الدالة على أن الراعي المصري لم يعد مستعدا للمزيد من الصبر في حال التعثر أو العودة إلى المناورات والحيل للتنصل من تطبيق الاتفاقات، ما يعني أن مصر عازمة على أن تضع النقاط على الحروف في حال الانسداد، ثم تتخذ موقفا يُبنى عليه موقف عربي ضد الطرف المتنصل. ذلك لأن الملف الفلسطيني في مصر لم يعد يتقبل المزيد من الاتفاقات التي لم تنفذ. فقد كان هناك اتفاق في مارس 2005 لم ينفذ، فأعقبه بدء الاقتتال الذي استحث المملكة العربية السعودية على جمع الطرفين في رحاب مكة المكرمة في فبراير 2007 للتفاهم من جديد. ولضمان التنفيذ، قدمت السعودية 250 مليون دولار لدعم خزينة السلطة، وللمساعدة على إعادة البناء وتشجيع الطرفين على المصالحة، وما إن عاد الطرفان- وكانت حركة حماس آنذاك هي الجامحة- حتى توسع الاقتتال وتداعت الأمور إلى الأسوأ. ثم توصل الطرفان في القاهرة، في العام 2006 إلى تراض ووقعوا على ما سُمي “وثيقة الوفاق الوطني” ثم أهملت تلك الوثيقة وتغالظت الخصومة. بخلاف عنصر نفاد صبر الراعي المصري، هناك مخاطر التطورات المتوقعة في الإقليم، وهي تتهدد الفلسطينيين قبل غيرهم، وتنذر بمصير قاتم لحركة كفاحهم المعاصر، في حال أطلت برأسها تلك المسألة الغامضة التي يسمونها “صفقة القرن”، بينما الفلسطينيون في حال الانقسام.

لم تعد هناك ذرائع للاستمرار في الانقسام، وما إثارة مسألة سلاح المقاومة في غزة، في استباق لمباحثات القاهرة التي بدأت أمس الثلاثاء؛ إلا ضرب من الذرائع، لا سيما وأن وثيقة اتفاق 2011 تتيح في منطوقها، للطرفين، تأطير السلاح دستوريا لكي يصبح قوة دفاع فلسطينية موصولة بالمستوى السياسي، الذي ينبغي أن تعاد هيكلته من خلال انتخابات عامة.

لا يختلف اثنان على أن تطبيق اتفاق العام 2011 يتطلب إرادة سياسية وجهدا متواصلا وثقافة جديدة وترفعا عن الصغائر والمماحكات. وللأسف لم تأت الأسابيع الماضية بما يعطي الانطباع بأن مثل هذه الإرادة قد توافرت للجانبين، ما يعني مرة أخرى أن الضغوط المصرية وحدها ستكون سبب الشروع في تطبيق الاتفاق، مثلما كانت سببا في تفاهم أكتوبر الماضي على الشروع العاجل في حل لجنة حماس التي تدير غزة، وتسليم معبر رفح ومقار الوزارات في غزة لحكومة رامي الحمدالله.

كاتب وسياسي فلسطيني

9