الفصائل الفلسطينية تعترف بعجزها: لا حل سوى توجيه البوصلة نحو الانتخابات

موجة الانقلاب على المنظومة التقليدية تطرق أبواب البيت الفلسطيني بعد العجز عن إيجاد حل ينهي الإنقسام.
السبت 2019/11/23
نغمة فلسطينية مختلفة

يتابع الفلسطينيون تصريحات قادة حركتي فتح وحماس وما تعكسه من بوادر تفاهم حول الانتخابات على أمل أن تكون خطوة جادة لإنهاء سنوات من الانقسام الذي بدأ بعد سيطرة حماس على قطاع غزة بالقوة بعد جولات اقتتال مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة فتح. وأثر الانقسام، الذي صاحبه جمود تام في مفاوضات عملية السلام، بشكل خطير على الوضع الفلسطيني برمته وشتت جهود مواجهة إسرائيل، التي ضاعفت في المقابل من مستوطناتها وتضاعف استفزازها في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أهدى الإسرائيليين اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لدولتهم.

رام الله – تبحث السلطة الفلسطينية وبقية الفصائل السياسية عن مقاربة جديدة خلاقة تنهي حالة الجمود التي أصابت المشهد السياسي الفلسطيني منذ الانقسام الذي حصل في عام 2006 بعد سيطرة حماس على قطاع غزة. تأتي هذه الخطوة، المتأخرة، بعد سنوات من الأخذ والرد والصدامات الداخلية التي لم تؤد إلى المزيد من الخسائر لصالح إسرائيل، ضمن تطورات كشفت أن لا حلّ في الأفق في غياب الوحدة والتوافق الفلسطينيين، كما أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها، وتشهدها، عدة دول في المنطقة والعالم، وحالة الانقلاب على المنظومات التقليدية التي تجتاح العالم تطرق أبواب البيت الفلسطيني.

واليوم، تبدو مختلف الفصائل الفلسطينية مقتنعة بأنها باتت في سلة واحدة في العجز عن اجتراح أفكار جديدة لمواجهة التحديات التي طرأت على المسألة الفلسطينية في السنوات الأخيرة. ويعكس هذا الموقف استيعابا للتحول الذي طرأ على المشهدين الإقليمي والدولي، والذي بات يفرض ضرورة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، خاصة وأن التهديد لم يعد مصدره إسرائيل فقط، بل أيضا الفلسطينيين أنفسهم، الذين باتوا يحملون الانقسام الداخلي مسؤولية الوضع الاقتصادي المتردي خاصة في قطاع غزة، كما الاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة والتي زادت قوتها في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويوجه المحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطاالله لوما كبيرا للفصائل والقيادات الفلسطينية وما يعتبره “قصور السياسة لديهم وإدارتها”. ويقول عطاالله بكثير من الحسرة “لقد استنزفنا أنفسنا في الصراعات الداخلية وخارت قوانا، وأخشى أننا فقدنا ما تبقى من احتياط القوة لصراعنا الرئيسي، وعلينا أن نعترف بأن الصراعات الداخلية كانت على حساب مشروعنا بعد تشتت القادة السياسيين”.

خبراء يتوقعون، إذا ما جرت هذه الانتخابات، ظهور مفاجآت قد تحمل أطرافا أخرى من خارج الطيف الفصائلي التقليدي لتكون الكفة المرجحة للأغلبية داخل البرلمان المقبل

وتدفع القوى الإقليمية العربية، لاسيما دول الخليج ومصر والأردن، باتجاه إنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس وإعادة زخم الوحدة في قطاع غزة من خلال الرئاسة في رام الله. وقد كشفت معركة غزة الأخيرة عن حجم التحولات الحاصلة في الرؤى السياسية الجارية في القطاع، كما أن إسرائيل تقصد استهداف حركة الجهاد الإسلامي دون غيرها من الفصائل، واقتصار الرد من قطاع غزة على حركة الجهاد دون غيرها، وانكفاء حركة حماس عن الانخراط في العمليات العسكرية، سلّط المجهر على المواقف الجديدة لحركة حماس ومدى انسجامها مع المساعي الخارجية لإعادة ضبط التوقيت الفلسطيني وفق خارطة طريق إقليمية دولية مازالت مجهولة المعالم.

وكانت حماس، وعلى نحو مفاجئ، قد أعلنت عن موافقتها على المشاركة في الانتخابات التشريعية التي أعلن عنها الرئيس محمود عباس قبل ذلك، لاسيما في ثنايا الخطاب الذي ألقاه في سبتمبر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقالت حماس إنها موافقة على دعوة أبومازن للمشاركة في هذه الانتخابات دون شروط مسبقة مسقطة بذلك شرطا سابقا كانت تطالب به وهو تزامن الانتخابات التشريعية مع الانتخابات الرئاسية.

وفيما ذكرت بعض المصادر أن تدخلات إقليمية خارجية مارست ضغوطا على حماس لإسقاط شروطها والذهاب إلى الانتخابات دون قيد أو شرط، يؤكد مراقبون أن هذه الضغوط حقيقية وهي التي حيدت حماس عن معركة غزة الأخيرة، وسط معلومات نشرتها الصحافة الإسرائيلية عن اتصالات أجرتها إسرائيل مع قيادة الحركة في غزة قبل أيام من القيام بشن ضربات في دمشق والقطاع استهدفت قياديين في حركة الجهاد الإسلامي.

وتحاول حركتا حماس والجهاد الإسلامي نفي أي خلاف بينهما على خلفية ما تعرضت له حركة الجهاد الإسلامي من استفراد في المعركة الأخيرة في غزة. وكان أمين عام الحركة زياد النخالة عبّر عن ذلك الاستفراد من خلال توجيه عتاب ضمني، حينما قال في لقاء تلفزيوني إن “حركة الجهاد الإسلامي قاتلت منفردة وقد تقدمت الصفوف في الميدان”.

وبعث موقف حماس برسالة قاسية لكل الفصائل الفلسطينية في القطاع مفادها أن حسابات حماس باتت مختلفة، وهي، وإن لم تستخدم قوتها حتى الآن لمواجهة أي “عبث” في قرار الحرب والسلم، فإنها على الأقل لن تشارك في حرب الآخرين ولن ينخرط مقاتلوها إلا في حربها وفي معارك الرد على أي عدوان يستهدفها.

ولم يكن اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبوالعطا مفاجئا، بل إن إسرائيل سبق أن حاولت اغتياله في السنوات الأخيرة فيما كثفت الصحافة الإسرائيلية حملة شيطنة ضده مهدت للقصف الذي أدى إلى اغتياله. وتواكبت عملية الاغتيال في غزة مع محاولة اغتيال استهدفت القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في دمشق أكرم العجوري.

نحو فلسطين حرة وقوية
نحو فلسطين حرة وقوية

وتذهب بعض التحليلات إلى الحديث عن جدل داخل حركة حماس حول أولويات التبعية بين محور تركيا-قطر من جهة ومحور إيران من جهة أخرى. ورأت أن إسرائيل ومن خلال استهدافها لقيادات حركة الجهاد الإسلامي في غزة ودمشق دون استهداف الفصائل الأخرى، تضع الأمر في سياق حملاتها العسكرية ضد امتدادات إيران في المنطقة، لاسيما في العراق وسوريا ولبنان وطبعا فلسطين.

بالمقابل فإن موقف حماس السريع بعدم المشاركة في المعركة يهدف إلى أخذ مسافة من الأجندة الإيرانية والتجاوب مع الأجواء الإقليمية التي تقودها مصر للحفاظ على التهدئة، كما الاتساق مع مساعي العودة إلى النظام السياسي الفلسطيني العام عبر المشاركة التي أعلنتها في الانتخابات التشريعية.

وتكشف مصادر فلسطينية في رام الله أن قيادة السلطة الفلسطينية فوجئت بقرار حماس المشاركة في الانتخابات دون شرط أو قيد، وأن فتح تعيد قراءة المشهد وفق هذا المعطى الجديد لقياس مصالحها في إجراء هذه الانتخابات.

وفيما تتحدث بعض التوقعات الانتخابية عن اختراق ستسجله حركة فتح في قطاع غزة إذا ما جرت هذه الانتخابات مقابل اختراقات لحركة حماس في الضفة الغربية، يحذر خبراء من ظهور مفاجآت انتخابية قد تحمل أطرافا أخرى من خارج الطيف الفصائلي التقليدي لتكون الكفّة المرجحة للأغلبية داخل البرلمان المقبل.

وتعتبر جهات سياسية فلسطينية أن المشهد السياسي الفلسطيني غير قادر على الرد بشكل نوعي وتاريخي على أعراض صفقة القرن التي تعد بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتضيف أن إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 18 نوفمبر الجاري عن اعتراف الولايات المتحدة بشرعية المستوطنات الفلسطينية، ليس سوى حلقة جديدة من سلسلة بدأتها واشنطن من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، ووقف تمويل وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، وإقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والاعتراف بإسرائيلية هضبة الجولان السورية.

في خضم هذه التطورات، تبدو الدول المعنية بالشأن الفلسطيني مهتمة بإعادة تجديد الشرعيات الفلسطينية من خلال دفع كافة الفرقاء للمشاركة في الانتخابات. وتذهب القراءات إلى أن إعلان الرئيس الفلسطيني عن الأمر جاء متأثرا بنصائح دولية، وبالمثل جاءت موافقة حماس على هذه الانتخابات متأثرة بنفس الأجواء الدولية في هذا الصدد.

والظاهر أن فشل حركتي فتح وحماس في التوصل وتنفيذ اتفاق للمصالحة، دفع إلى محاولة استعادة اللحمة الفلسطينية، ليس من خلال اتفاقات فصائلية، بل من خلال المؤسسات الدستورية وإعادة إنتاج السلطة الفلسطينية وتجديد قيادتها من خلال الانتخابات.

وسيكون موقف إسرائيل، التي تشهد بدورها أزمة تشكيل حكومة قد تقود إلى إجراء انتخابات للمرة الثالثة في غضون أشهر قليلة، محوريا بالنسبة لمسألة إجراء هذه الانتخابات، ذلك أن كافة أطياف المشهد السياسي ترفض إجراء انتخابات دون مشاركة المقدسيين، وهو أمر بات أكثر صعوبة منذ الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ناهيك عن الأزمة السياسية الراهنة في إسرائيل التي تمنعها من اتخاذ موقف مسهل لإجراء هذه الانتخابات.

7