الفصحى والعامية.. علاقة أمومة أم عقوق

الثلاثاء 2016/04/19
مثقفون عرب: حماية الفصحى مهمّة توصف بـ"نبل المسؤولية"

لا يزال الجدال مستمرّا في الأوساط الأدبية والفنية بين مناصري العربية الفصحى من جهة ودعاة استعمال العاميّة “الدارجة” من جهة أخرى.

يشتعل وطيس “المعركة” ويخبو وفق مزاج المرحلة وخطابها السياسي الذي عادة ما يلقي بظلاله على أقلام تتحمّس لحلم الدولة العروبية الواحدة وأخرى تحسب على الدولة القطرية ومشروعها الوطني بعيدا عن “الطوباويّة القوميّة”.

ويمتلك كل فريق حجته في الإقناع والترويج لفكرته على اعتبار أنّ اللغة ليست مجرّد وعاء فكري يكتفي بوظيفة التبليغ، وإنما هي “كائن حضاري” يؤثر ويتأثّر، ينمو ويتطوّر.. وقد ينقرض إذا لم يواكب عصره، بدليل أنّ منظمة اليونسكو لازالت تدقّ ناقوس الخطر كل يوم حول انقراض لهجات ولغات لم تستطع الصمود أمام “تغوّل” تلك الحاملة لفتوحات معرفية ومنجزات تكنولوجية.

ويرى بعضهم أنّ تعدّد اللهجات وتنوّعها في العالم العربي ميزة حميدة تحسب لصالح الغة الأم وما تميّزت به من ثراء تراكم على امتداد جغرافيتها بفضل حركة الفتوحات الإسلامية التي ساهمت في انصهار شعوب وأعراق أضافت إليها الكثير من اللكنات والتراكيب والاستعارات.

في حين يرى بعضهم الآخر في هذا الكم الهائل من اللهجات – حتى داخل البلد الواحد- شططا ويصفها بـ”الكارثة” التي تهدّد “اللغة القوميّة” كأحد أبرز مقوّمات الوحدة والتضامن في عصر التكتلات الكبرى ويعوزها إلى الاستعمار الذي يشجع على تكريسها عبر “جيوب مشبوهة” قصد التفرقة التي تمكّنه من بسط السيادة وتسهّل عليه الانفراد بكل قطر على حدة.

ويبدو أنّ الإحالات السياسية قد سيطرت على هذا الموضوع الشائك أكثر من اللاّزم في الأوساط الثقافية العربية حتى ذهب بعضهم نحو انزلاقات كدعوات الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل (1912-2014) لكتابة العامية اللبنانية بأحرف لاتينية تماهيا مع “الأصول الفينيقية” بحسب زعمه، كما تشدّد أنصار الفصحى فطالبوا بإقصاء كل مفردة عامية محليّة من المدوّن المكتوب ونظروا إليها بازدراء على أنها “مشبوهة” المصدر أو أنها “لغة السوقة والدهماء”.

أكثر ما يعلق في أذهان الناس هو التراث الشفهي والفكرة تختار لغتها سواء كانت بالعربية الفصحى أو العامية الدارجة

وذهب غلاة كل فريق نحو الأقصى، لكنّ الكثير منهم قد تناسى طرح السجال من وجهات نظر ألسنية وحتى جمالية محضة، فالعربية الفصحى كانت بدورها إحدى لهجات الجزيرة العربية، أي لسان قريش و”الناطق الرسمي” باسم سوق عكاظ، وبها كانت تخطّ القصائد الشهيرة بماء الذهب وتعلّق على باب الكعبة، ثم صارت لها حظوة مع ظهور الإسلام على اعتبارها لغة القرآن فتحوّل بذلك “الفرع” إلى “أصل” على سبيل المفاضلة والتكريم، ثمّ أنّ النبي العربي نفسه كان يخاطب بعض وفود الأقوام بلهجاتهم وغيرها كما جاء في السيرة والحديث.

وغفل المتشدّدون من الفريقين أيضا عن تكامليّة العلاقة بين العامية والفصحى حتى في إيقاع الجملة وجرسها الموسيقي الذي يحيلك إلى بيئتها المحلية حتى وإن كتبت وقيلت بالفصحى، كما ذكر ودلّل عليها الباحث التونسي الراحل البشير بن سلامة في أطروحته “نظرية التطعيم الإيقاعي في الفصحى”، هذا بالإضافة إلى إمكانية التجاور أو التمازج بين الاثنين في جسم الكتابة الواحدة كما في مسرح العراقي جواد الأسدي والمصري الفريد فرج وشعر التونسي المنصف المزغنّي وروايات نجيب محفوظ الذي جعل السرد فصيحا والحوار عاميّا رشيقا.

هذا عدا أنّ بعض المفردات المستعملة في اللهجات المغاربية مثلا، ويستقبلها أهل المشرق باستغراب، لم تكن إلاّ كلمات عربية قحّة نقلتها قبائل الفتح الإسلامي فعمّرت في بلاد المغرب واندثرت في حظائر ومدن المشرق العربي.

الفصحى واجهة ثقافة وحامية هوية

قال الشاعر أحمد شوقي (1868-1932) في ما يشبه قرع ناقوس الخطر “أخشى على الفصحى من عامبة بيرم التونسي” وذلك حين اكتسحت العاميّة المشهد الشعري المصري وجمعت حولها الفئات العريضة حتى باتت في نظره تهدّد كيان “الفصحى” لغة الفئات المتعلّمة وحلقات الأزهر وكذلك الصالونات الأدبية في مجتمع ينخره الفقر والأميّة. يكاد يجمع المثقفون العرب على أنّ حماية الفصحى مهمّة توصف بـ“نبل المسؤولية” لما فيها من خدمة للغة تكاد تكون أولى القلاع الحامية للثقافة وآخرها، بعدما فشلت المشاريع السياسية وأغلب خطط التنسيق والعمل العربي المشترك.

وتقول أصوات الدفاع عن الفصحى “لو أطلقنا العنان للهجات المحليّة لزدنا من حالة الفرقة والتشتّت بدليل أننا نطرح الآن، وهنا، هذا الموضوع الشائك على صحيفة عربية وبلغة عربية، فتخيلوا لو أطلقناه بلهجة عاميّة، سوف يتمحور التركيز عندئذ في “شرح المفردات” ونغفل عن مغزى الفكرة، ثمّ إنّ حروف الكتابة في حد ذاتها سوف تطرح إشكالا عويصا، فهل نكتب كلمة “سيجارة” مثلا بالجيم القاهريّة أو بـ“الكاف” على طريقة بلاد الشام والعراق التي يستنجد فيها بعضهم بحرف فارسي مقارب أم بـ“الغين” أم بالقاف مع ثلاث نقاط فوقها على الطريقة التونسية والتي يقرأها بعض أهل المشرق “V” بالحرف اللاتيني؟

العربية الفصحى تجمع وتهذّب وتربّي

نقطة أخرى لا يجب التغافل عنها في ميزات الكتابة بالفصحى، وهي الترجمة بكل أنواعها من العربية وإليها، إضافة إلى تلك التي تكتب أسفل الشاشات أو توفّرها محركات البحث الإلكترونية، علاوة على سهولة تبادل المطبوعات والعناوين في المعارض، (تخيلوا معرضا للكتب العربية بلهجات محلية)، كما أنها تشجع على القراءة التي تراجعت في البلاد العربية ووصفت بـ“الأمر المفزع”. “يأتي كل هذا بالرغم من أنّ المجامع الكبرى للغة العربية لم تتوحّد أسوة بقرارات الجامعة”، يعلّق أحد المتخصصين في الألسنية بكلية الآداب جامعة تونس الأولى.

ويرى أحد القائمين على هيئة التنظيم السمعي البصري في تونس، وقد طلب عدم ذكر اسمه، أنّ اعتماد العامية في نشرات الأخبار في بعض القنوات الخاصة قد أفقد الخبر رصانته بل ويهدّد حتى مصداقيته فيجعله مادة تشبه بقية المنوّعات الرائجة، وقد يأخذه المتفرّج على محمل الاستخفاف.

ولم تعرف لغة قديمة صمودا كما عرفته العربية الفصحى وذلك لتركيبتها الاشتقاقية ودقة معانيها، يكفي أن تكون للكلمة الواحدة العشرات بل المئات من المعاني، وفي حالات مختلفة .

ويعود هذا الفضل إلى صرامة التقعيد في مدارس نحوية واضحة المعالم كالبصرة والكوفة التي أعقبت عصر التدوين رغم عدم براءتها من الخلافات السياسية في العراق آنذاك، كما أنّ نسبة كبيرة من النحاة كانوا من العجم، ممّا يدلّ على قوة انبهارهم بهذه اللغة وكونهم أكثر استعدادا من “أهلها” للنظر فيها على مسافة، أي من خارج بيئتها الطبيعية الأوّلى .

وتكمن ميزة التأليف الأدبي والفني بالعربية الفصحى في نظر مناصريها إلى ما أسموه بـ”رقي الذائقة ورهافة التلقّي” نظرا لطبيعتها النخبويّة في ما يشبه فن الأوبرا باللغات الأوروبية الكلاسيكية كما أنها ترسخ حتى في أذهان عامة الناس وذلك لفرادة وقعها وبعدها عن الخصوصيات الجهويّة التي من شأنها أن تثير النعرات الضيقة.

إنّ غالبية الذين يتقنون التحدّث والكتابة بالفصحى يحيطون حتما بالعاميّة وقادرون على خوض غمارها لأنّهم قد حصلوا على الحد الأدنى من التكوين التعليمي والمهارة المهنية على عكس الذين اتجهوا إلى العامية من ذوي الثقافة الشفهية التي قد تموت موهبتها بموت أصحابها في حالة غياب التدوين.

لعلّ خير دليل على ما سبق ذكره، هو ما فعله أحمد شوقي حين “ترجّل” من صهوة الفصحى وكتب قصيدة “النيل نجاشي” التي غناها محمد عبدالوهاب في ما يشبه تحدّي المثقف العارف والمسؤول، لكنّ الذين عرفوا بتقديم إنتاجهم الفني باللهجات المحكية يجدون صعوبة بالغة في الكتابة أو الغناء بالفصحى.. تخيلوا عدويّة يغني بالفصحى. وإن خاضوا “المغامرة” تراهم ينجزون نصوصا ضعيفة كما حصل مع الشاعر البدوي السوري الراحل عمر الفرّا.. ويبقى مظفّر النوّاب موهبة استثنائية في “الطيران بجناحين” فهو من القلّة النادرة التي قد تحفظ ولا يقاس عليها، لكنّ شاعرا مثل العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري لا يمكن لقارئ أن يتخيّل بأنهما ما “يتجرّآن” على العامية، فهما يمثّلان هيبة الفصحى بامتياز.

حماية الفصحى من زحف العامية مهمة توصف بــ"نبل المسؤولية" خدمة لهذه اللغة التي تكاد تكون آخر القلاع

العامية.. ليست "بنت الجارية"

يقول الممثل والمخرج المسرحي السوري أيمن زيدان في معرض ردّه عن سبب تمسّكه بالعاميّة “إن اللهجة المحكيّة تلغي المسافة بين المنطوق والمفكّر فيه ”.

هكذا يدعّم مناصرو الكتابة بالعامية اتجاههم القائل، إنّ الفكرة يجب أن تلتصق بحاملها اللغوي، فلا يعقل أن نتخيّل سمكريّا يتحدّث بفصحى مقعّرة .

وترتبط اللغة بالنسيج النفسي والثقافي لصاحبها، فلا أحد يشبه الآخر في منظومة مفرداته ونسق تراكيبه، كما أنّ ما يعرف بـ”اللهجة” هو في الحقيقة “لغة” لها قواعدها من منظور ألسني، أليست اللغات الأوروبية الآن هي في الأصل لهجات تنحدر من “عائلات” محدّدة وفق كشوفات الألسني السويسري فردينوند دي سوسير؟

ويرى المخرج المسرحي التونسي محمد إدريس، أنّ للعامية إيقاعياتها وجمالياتها الصوتية بمعزل عن المعنى وهو الذي اشتغل على هذه “الثيمة”، تأليفا وإعدادا، في أعمال ذائعة الصيت مثل “غسالة النوادر” المستوحاة من رائعة سترينبرغ “الآنسة جولي” أو “الدحداح ري” عن “إيبو ملكا” للفرنسي الفريد جيري، أو حتى “حدّث” في إعداد استثنائي لـ”سيد الفصحى”الكاتب الوجودي التونسي الراحل محمود المسعدي في روايته الشهيرة “حدّث أبوهريرة قال”، فهل كانت أفكار هؤلاء ستصل إلى الجمهور العريض لولا تقريبها باللغة العامية.

أليس داريو فو الإيطالي الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1997 واحدا من أشهر كتّاب اللغة الشعبيّة في العالم؟ لذلك “آن للفصحى أن تنزل من عليائها وتلبس ثوب الناس”، كما يقول مسرحي سوري يقدم عروضه في مخيم الزعتري للاجئي بلاده في الأردن في تجربة مشابهة لما قدّمه اللبناني روجيه عساف في مسرح الحكواتي ورجاء بن عمار في تونس التي تشهد الآن سجونها عروضا مسرحية زائرة في تجربة مميّزة، ويقول في هذا الصدد المسرحي التونسي الشاذلي العرفاوي معلّقا “إنّ السجين واللاجئ والمشرّد لا يهمهم رفع الفاعل ونصب المفعول بل شيئا آخر يتحدث بلغتهم”.

ثلاث لغات داخل سهم واحد

ولا يخطر على بال أحد أن يتخيّل غير العاميّة مع نجيب سرور المصري في “البحر بيضحك ليه” أو طلال حيدر اللبناني وهو يكتب بلهجة بعلبك أغنية فيروز “زهر البيلسان” أو إياس خضر العراقي في “حن وأنا حن” أو محمد عبده السعودي في “الأماكن” أو أحمد البرغوثي الجنوبي التونسي وهو يلامس أسئلة وجودية في قصيدته “يا ليتني ما جيتش” وكذلك مواطنه عبدالرحمن الكافي في “ملزومته” الشهيرة التي ترجمها الآباء البيض في منتصف القرن الماضي ثم أضحت بيانا تأسيسيا عالميا لحركة الفوضويين، لكنّ “الحياء” الرقابي لا يسمح بذكرها في الحافة الورقية.

هذا “الحياء” هو الذي جعل من الأدب العامي “ابن الجارية” في الموروث الشفهي و”مكّن المتفاصحين من ركوب الموجة وافتكاك المنابر من مواهب حقيقية لا ذنب لها سوى أنها لا تريد الكتابة بالفصحى”، كما يقول أحد أحفاد الشاعر الأول أحمد البرغوثي .

ويقول الفنان والمسرحي التونسي رجاء فرحات صاحب مسرحية “الأيام الأخيرة في حياة بورقيبة” في أحد مقابلاته، إنّ أهم ما ميّز شخصية الزعيم بورقيبة هو أنه كان يتحدّث بلغة الناس ، وبلهجة تونسية صرفة”.

العامية ضرورة لا بديل عنها وخيار معرفي أملته الحاجة إلى الاقتراب من هموم الناس، ولو كان صاحبها متفاصحا ذا لغة خشبية لانفضّ الناس من حوله وتركوه قائما.

ويرى المخرج السينمائي التونسي ن.ب أنّ أنصار الفصحى قد حاصروا كتّاب اللهجة وفنانيها عبر المؤسسات التربوية والثقافية التي أداروها وصوّروها على أنها لغة السوقة والرعاع" ويقول أحد كتاب العامية “صارت الفصحى "خليّة نائمة” في أدراج الكثير من السلفيين ويختفي خلفها الأصوليون ممّا زاد من نفور الأجيال المنفتحة .

وثمّة كشف آخر نبّه إليه أحد المثقفين، وهو “أنّ الشباب الحالي بات يعبّر بجمل ومفردات غربيّة كي لا يقع بين سندان ومطرقة الطرفين، وتلك لعمري، قضية أخطر مثل الذي هرب من تحت الدلق إلى تحت المزراب” ثمّ أضاف مستدركا“تضحكني كلمة ‘لعمري’ أحسّ أنّ أغلب قائليها من المتفاصحين والمتحذلقين.

ويقول الباحث والمترجم الشريف المبروكي من كلية الآداب في تونس “إنّ أكثر ما يعلق في أذهان الناس هو التراث الشفهي وليس الفصيح المكتوب، وتبقى الفكرة هي التي تختار لغتها سواء كانت بالعربية الفصيحة أو العامية الدارجة”، ويضيف “فلنكن مثل محمد عبدالوهاب وناظم الغزالي وأم كلثوم الذين أطربوا عشاق الفصحى كما أطربوا عشّاق العامية”.

12