الفصل العنصري.. ثقافة على الهويَّة

الخميس 2017/02/16

تتصاعد بشكل دراماتيكي موجة الاستهجان والإدانة لمواقف الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب العنصرية في أوساط المثقفين الأميركيين وبقية الأوساط الثقافية في العالم أجمع، فبعد رسالة الإدانة والانتقاد المؤثرة والعميقة التي وجهتها ممثلة القرن النجمة ميريل ستريب لدونالد ترامب أثناء حفل توزيع جوائز الغولدن غلوب الأخير، تتصاعد أصوات الاحتجاجات والإدانة في هوليوود وفي أوساط أكاديمية الفنون المشرفة على جوائز الأوسكار المتوقع تنظيم حفلها هذا الشهر نتيجة للغياب المرجح لطاقم عمل الفيلم الوثائقي “القبعات البيضاء” المرشح للمنافسة على أوسكار أفضل فيلم وثائقي هذا العام، الذي يحكي قصة ثلاثة رجال من المدنيين المتطوعين، العاملين وسط الأنقاض في أحياء المدن السورية المقصوفة لينتشلوا جثث الضحايا وينقذوا الجرحى، والفيلم من إخراج أورلاندو فون اينسيديل وتصوير السوري خالد الخطيب، وسبق لمتطوعي منظمة القبعات البيضاء الترشح لجائزة نوبل للسلام نتيجة لجهودهم الإنسانية.

ويواجه طاقم الفيلم السوري، الذي تقتضي تقاليد حفل الأوسكار حضوره إلى مدينة لوس أنجلوس الأميركية، شموله بإجراءات الرئيس دونالد ترامب العنصرية والمستهجنة والمثيرة للجدل، بعد إدراج حملة الجنسية السورية ضمن الدول السبع الممنوعة من دخول الولايات المتحدة. وكتبت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالة قبل أيام استهجنت فيها التأثيرات المدمرة على الثقافة والفنون التي تولدها تلك السياسات العنصرية، محذرة من غياب الكثير من الفنانين الأجانب المهمين عن حفل الأوسكار، فيما أشادت جوانا ناتاسيغرا منتجة الفيلم بجهود المخرج السوري الشاب خالد الخطيب الذي خاطر مرارا بحياته من أجل تجسيد وإنجاح تلك الوثيقة الإنسانية النبيلة.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات المثقفين في كل مكان من العالم منددة بتلك السياسات العنصرية، يلتزم أغلب المثقفين العرب الصمت وعدم الاهتمام الناتجين إما عن لا مبالاتهم بالقضايا المصيرية التي تتعرض لها الشعوب، وإما بجهلهم لما يدور حولهم من متغيرات نتيجة لقصور مشين في الرؤية والقدرة على التحليل السياسي، وشخصيا لا أجد تفسيرا لاهتمام المثقفين ووسائل الإعلام الغربية بقضايانا وتجاهلها من مثقفينا الذين لم يستطيعوا بلورة موقف حازم وواضح مما يجري، حتى لو كان ذلك بوسائل التواصل الاجتماعي كأضعف الإيمان.

يحضرني هنا موقف المخرج الإيراني الكبير أصغر فرهادي الذي اختير فيلمه الرائع “البائع” كأفضل خمسة أفلام أجنبية مرشحة للأوسكار هذا العام، عندما رفض مبكرا وقبل إجراءات دونالد ترامب الأخيرة، الحضور إلى الولايات المتحدة احتجاجاً على سياسات الحكومة الأميركية الجديدة المناهضة للمهاجرين.

وعلى الرغم من أن فرهادي يدرك تماما التأثيرات المحتملة على تسويق فيلمه داخل الولايات المتحدة، وفرصه في العمل مع شركات الإنتاج الكبرى في هوليوود، إلّا أنه أصر على موقفه المشرف هذا، وهو موقف المثقف الحقيقي الذي يعي قضايا الإنسانية ويمتلك الرؤية والقدرة على قراءة المواقف السياسية وتأثيرها على مصالح شعوب المنطقة، وكم كنت أتمنى لو يظهر من بين أوساط المثقفين العرب فرهادي عربي يمتلك مثل تلك الرؤية الحصيفة والشجاعة في تحديد مواطن الخلل والقبح التي باتت تعتري حياتنا الثقافية في العالم العربي ولا يستسلم لمغريات المال والمصالح الشخصية ويضع أصبعه في عين مفسدي الثقافة العربية واللاعبين على حبالها والمتحكمين بمقدراتها من دون دراية أو معرفة أو أحقية.

إن المثقف الحقيقي الواثق من منتجه الإبداعي وقدرته الحقيقية على الخلق لا يمكن أن يحابي أو يهادن على حساب قضايا الشعوب المصيرية، وشخصيا لا أرى جدوى من الثقافة والمثقفين ما لم تكن مقرونة بالمواقف السياسية المشرفة وتنتصر للإنسانية وقضاياها المصيرية، كما أن المثقف الذي لا يعي ما يجري من حوله ولا يكون له دور مؤثر فيه أو صوت مسموع، هو في المحصلة مثقف منزوع الدسم، أو مثقف عضوي جرى تهجينه ومواءمته مع متطلبات الموبقات السياسية التي تدور في عالمنا العربي وما أكثرها.

كاتب من العراق

15