الفصل الوهمي بين السياسة والرياضة

التاريخ يثبت عبر الكثير من الوقائع عكس ما تدعيه الفيفا والاتحادات الكروية من فصل غير واقعي لعلاقة الترابط بين الكرة والسياسة والحال أن الكرة باتت منذ عقود أحد أذرع الدبلوماسية الدولية لفض النزاعات السياسية.
الأحد 2019/12/22
مختبر لصناعة السياسة

في أقل من أسبوع واحد تعرضت رياضة كرة القدم إلى اختبارين أكدا أن اللعبة الشعبية الأولى في العالم ليست بمنأى عن السياسة، بل هي مختبر لصناعة السياسة حتى وإن ظل الاتحاد الدولي (فيفا) يدعي عكس ذلك في العلن.

برغم الاحتياطات الأمنية الكبرى في مقاطعة كتالونيا الإسبانية في محاولة للنأي بمباراة الكلاسيكو بين الغريمين الأقوى في العالم نادي برشلونة وفريق العاصمة ريال مدريد عن الاحتجاجات الانفصالية، فإن تلك المحاولات باءت كلها بالفشل لأن السياسة لم تكن مطلقا خارج التنافس بين غريمين يمثلان السلطة المركزية من جهة وإقليما مقاوما في الجهة المقابلة.

لا يمكن النظر إلى تلك الاحتجاجات كمجرد صيحات صادرة عن غوغائيين، فالأمر ليس مقتصرا على الشوارع والمدرجات، إذ لا يمكن التغاضي عن أن تلك المطالب الانفصالية في كتالونيا تلقى هوى ودعما عند بعض نجوم فريق برشلونة أنفسهم وأولهم جيرار بيكي. ليس هناك أفضل من هذه الدعاية!

وفي الحقيقة فإن العداء السياسي قائم بين الإقليم والعاصمة منذ عقود طويلة وكانت الرياضة والملاعب إحدى جبهات هذا التنافس منذ حكم الجنرال فرنكو الذي عرف بمناصرته للريال وإخضاعه للدعاية لحكمه.

والكرة قد تتحول إلى مواقف ومسار تصحيحي للسياسة مثلما شرح ذلك الصحافي الهولندي سايمون كوبر في كتابه “الكرة ضد العدو”، وهي مقاربة رسخها النجم الألماني التركي مسعود أوزيل لاعب أرسنال الإنجليزي عندما وجه عبر تغريدة، انتقادات صريحة لبكين بسبب الانتهاكات الممنهجة التي تتعرض لها أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ.

لم تُحدث انتقادات دولية سابقة، سواء من منظمات حقوق الإنسان أو من المجتمع الدولي، وقعًا على الحزب الشيوعي الصيني مثلما كان الأمر مع انتقادات مسعود أوزيل. وبرغم التبعات الاقتصادية والمالية لتصريحات اللاعب على نادي أرسنال في السوق الصينية فإن ذلك لم يمح آثار التشهير السياسي بما يحصل في الإقليم الصيني والذي سوقته كأفضل ما يكون تغريدة أوزيل.

ومن الغباء الحديث عن فصل يبدو وهميا ومنافيا للتاريخ بين الرياضة والسياسة، ليس فقط بالعودة إلى الدعاية الكلاسيكية في فترة حكم فرانكو أو الصعود النازي في أولمبياد برلين لعام 1938 مثلا، ولكن حديثا جسد رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني هذا التشابك المحكم منذ ثمانينات القرن الماضي عندما جمع بين رئاسته لنادي ميلان العريق ومنصبه السياسي وكانت لهذا التقاطع كلفته من الفضائح المتراكمة في عالمي المال والسياسة.

كان للجناح الطائر الهولندي الراحل يوهان كرويف موقف مباشر من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال خورخي فيديلا في الأرجنتين كلفه ذلك الغياب عن مونديال 1978 في قمة عطائه ونجوميته. وربما كانت لهذا الغياب كلفته عندما افتقدت الطواحين الهولندية أحد مفاتيح النجاح للفوز بكأس العالم أمام البلد المنظم للمرة الثانية على التوالي بعد خسارته نهائي 1974 ضد البلد المنظم أيضا ألمانيا الغربية آنذاك. ولكن الصحافيين المتخصصين كانوا قد علقوا بالعودة إلى أطوار البطولة بأنها كانت في كل الأحوال مهيأة بالمقاس لفوز الأرجنتين والتسويق للنظام العسكري.

مختبر لصناعة السياسة
مختبر لصناعة السياسة

ومثل كرويف عرف أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دياغو مارادونا كصديق وفي لزعماء اليسار في أميركا اللاتينية والمناهضين للإمبريالية الأميركية، الراحلين هوغو تشافيز وفيدال كاسترو وإيفو موراليس المستقيل، واليوم يقف بقوة إلى جانب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ضد الضغط الأميركي.

وفي صراع المعسكرات لا يزال العالم يستحضر المقاطعة الواسعة من قبل دول الكتلة الليبرالية لأولمبياد موسكو عام 1980 ردا على الاجتياح السوفياتي لأفغانستان قبلها بعام، وبالمثل قاطع الاتحاد السوفياتي الدورة التالية للألعاب الأولمبية في لوس أنجلس الأميركية عام 1984، وهي المدينة الوحيدة التي رشحت لاستضافتها.

لقد خصص الصحافي الهولندي سايمون كوبر كتابه “الكرة ضد العدو” للتأكيد على الدور الثقافي والسياسي الذي تلعبه الرياضة الأكثر شعبية في العالم، إذ بينما كان الهولنديون يحتفلون بشكل هستيري بفوز منتخبهم التاريخي ضد “العدوة” ألمانيا في نصف نهائي أمم أوروبا على أرض ألمانيا عام 1988، يذكر سايمون في كتابه كيف ألقى سكان أمستردام بدراجاتهم في الهواء صارخين “لقد استرجعنا دراجاتنا”، في تذكير بأكبر سرقة دراجات هوائية ارتكبها الألمان حينما صادروا جميع الدراجات الخاصة بالهولنديين أثناء الاحتلال النازي.

بل إن الصحافي الهولندي يستحضر مزهوا إحدى الأناشيد التي أطلقها الهولنديون في المدرجات الألمانية “في 1940 جاءوا.. في 1988 جئنا” كناية عن اجتياح الهولنديين بألوانهم البرتقالية مدرجات ملعب هامبورغ في قلب ألمانيا حتى بدا الأمر وكأن المباراة تلعب في هولندا، ردا على الاجتياح النازي لهولندا عام 1940.

دور ثقافي وسياسي تلعبه الرياضة الأكثر شعبية في العالم
دور ثقافي وسياسي تلعبه الرياضة الأكثر شعبية في العالم

يريد سايمون التأكيد على أن كرة القدم ليست مجرد لعبة على مستطيل أخضر بل إنه لم يتردد في وصفها في كتابه بـ”الحرب” وفقا لما عاينه في زياراته وتنقلاته لدول العالم، وهو في هذا يشبّه فوز هولندا على ألمانيا بفوز إيرلندا على إنجلترا بكل ما يختزله ذلك من عداوة سياسية وتاريخية بين البلدين.

يثبت التاريخ عبر الكثير من الوقائع عكس ما تدعيه الفيفا والاتحادات الكروية من فصل غير واقعي لعلاقة الترابط بين الكرة والسياسة والحال أن الكرة باتت منذ عقود أحد أذرع الدبلوماسية الدولية لفض النزاعات السياسية وبمباركة من الاتحاد الدولي للعبة نفسه.

نجحت هذه الدبلوماسية الناعمة في أن تمهد لأول لقاء بين زعيمي تركيا وأرمينيا على مدى نحو 100 عام على خلفية العداء التاريخي بين البلدين والجراح المتوارثة عن مذابح الأرمن أثناء الحكم العثماني، والمناسبة مباراة ودية بين المنتخبين عام 2008 في يريفان حضرها آنذاك الرئيس التركي عبدالله غول والرئيس الأرميني سيرج سركسيان.

والكرة كانت جزءا من عمليات التقريب بين دول مجلس التعاون الخليجي في أزمة قطر وجيرانها خلال بطولة كأس الخليج التي احتضنتها الدوحة بأن تم رفع حظر تنقل الأشخاص جزئيا، حدث هذا بترحيب صريح من الفيفا في مسعى لتذليل العقبات اللوجستية في بطولة كأس العالم لكرة القدم المقررة بقطر عام 2022.

6