الفصل بين الجنسين في رياض الأطفال.. استمرار لرهانات الإسلاميين

تنميط المجتمع خطوة في اتجاه تشكيله وتشويهه، والمشاريع الإسلامية تبدأ من الحواضن المدرسية في تونس.
الأربعاء 2018/03/14
الوقاية من التطرف تبدأ من هنا والآن

لئن حاولت كل التيارات الإسلامية في تونس وفي مقدّمتها حركة النهضة دحض حقيقة الفصل بين الذكور والإناث في المؤسسات التربوية وتوصيفها كالعادة على أنها لا تعدو أن تكون سوى فزّاعة لتخويف المواطنين من الإسلام السياسي، إلا أن ردّ وزارة التربية كان حاسما وتحديدا بتاريخ 26 يناير 2018 واضحا ولا لُبس فيه بعد أن وجّهت منشورا لكل المعاهد والمدارس منعت فيه بصفة تامة الفصل بين المتعلمات والمتعلمين بأي وجه كان في الفصول أو في قاعات المراجعة.

وأثار منشور وزارة التربية جدلا كبيرا في الساحة السياسية التونسية، خصوصا بعدما شنّ بعض المدرّسين المُتأسلمين لحملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي دافعوا فيها عن توجّهاتهم وخلفيات اعتمادهم للفصل بين الذكور والإناث في الأقسام أو في كل الفضاءات المتوفّرة بالمؤسسات التربوية أو لتكذيب ونفي وجود الظاهرة أصلا.

ورغم أن تفشي ظاهرة الفصل بين الذكور والإناث في المؤسسات التربوية أصبحت بارزة للعيان وليست من قبيل التهيؤات وتتطلّب وجوبا العديد من المراجعات والمعالجات النفسية والسوسيولوجية والسياسية على وجه الخصوص، فإنها بقيت إلى الآن مجرّد ورقة للتجاذب بين الأحزاب السياسية وخاصة بين مؤيديها من الإسلاميين ورافضيها من الحداثيين.

وأكّد ناجي جلول وزير التربية السابق ورئيس المعهد الوطني للدرسات الاستراتيجية لـ”العرب” أنّه لاحظ خلال قيادته لوزارة التربية بين عامي 2016 و2017 تواصل محاولات البعض من المدرّسين أو الأطراف السياسية فرض منطق الفصل بين الأطفال ذكورا وإناثا في الفصول.

 

تونس التي تميزت منذ حصولها على الاستقلال بتقدمها بخطوات عملاقة في مجال تحرير المرأة وتكريس المساواة بين الجنسين، اصطدمت بعد يناير 2011 وخاصة عقب مسك منظومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة الإسلامية بمحاولات العودة بالمجتمع إلى الوراء من خلال محاولات تعمّد بعض المدرّسين في عدة مدارس وحواضن للأطفال أو المدارس القرآنية الفصل بين الذكور والإناث داخل الفصول

وأشار جلول إلى أنه تمكّن من التدخّل في مناسبتين عندما كان وزيرا لمنع هذه الظاهرة التي تفشّت بعد الثورة، داعيا الجميع إلى ضرورة الانتباه إلى مثل هذه المنزلقات التي قد تؤدّي إلى إفراز مجتمع لا يقبل الآخر بحسب قوله.

أما من الناحية السوسيولوجية والسيكولوجية، يُقرّ العديد من المختصيّن والباحثين في تونس بتواصل محاولات تنميط المجتمع والدفع به إلى أن يكون قالبا إسلاميا موحّدا لا في تفكيره فحسب بل في ممارساته، وذلك عبر الاشتغال المكثّف من قبل بعض الأطراف على الوصول إلى أهدافهم الأيديولوجية مهما كانت الطرق أو الوسائل.

وأكّد عماد الرقيق المختص في علم نفس الأطفال لـ”العرب” أن ظاهرة الفصل بين التلاميذ ذكورا وإناثا في الأقسام تُعدّ من أخطر درجات التخلّف التي قد لا تؤثر على الطفل فحسب من ناحية توجهاته الفكرية المنمّطة بل تجعل منه رافضا للجنس الآخر والأمر ينطبق على الذكور والإناث بنفس الطريقة.

وشدّد الرقيق على أنّ من أهم الصعوبات النفسية التي تخلّفها عملية حرمان الأطفال ذكورا وإناثا في المؤسسات التربوية أو في المدارس القرآنية من عمليتي التجانس والتقارب تكمن في ترعرع كلا الجنسين على منطق نبذ الآخر، وهو ما يؤدي بالنهاية إلى إنتاج أجيال معقّدة نفسيا لن تكون قادرة لا على إنتاج الفكر ولا الإبداع.

وأوضح الأخصائي في علم نفس الأطفال أنّ ارتكاب حماقة الفصل بين الجنسين والحال أنهما في أهم فترات الحياة أو ما يسمّى بالمرحلة الفاصلة في التنشئة الاجتماعية يؤدي حتما إلى طريقين واضحين لا ثالث لهما وهما إمّا الالتجاء في فترة المراهقة إلى العنف بكل أشكاله الجسدي والجنسي وإما الانغلاق ورفض الجنس الأخر واختيار التشدّد وهو ما يصعّب على كل الأجيال القادمة عملية الاندماج والعيش المشترك.

ورغم وجود إجماع شبه كلي في تونس على تراجع ظاهرة الفصل بين الأطفال في المؤسسات التربوية عقب إسقاط منظومة حكم الإسلاميين في تونس منذ العام 2014، فإنه يوجد إجماع آخر حول مأتى الظاهرة وأصلها التي لم تكن منعزلة بل وليدة محاولات سابقة يائسة لأسلمة التونسيين عُنوة، خصوصا عبر إنشاء المئات من المدارس القرآنية أو الحواضن غير القانونية، وهنا تشير آخر الإحصائيات الرسمية التونسية إلى وجود قرابة 47 ألف طفل تونسي يدرسون في الكتاتيب التابعة للمساجد.

في هذه المسألة الشائكة، أكّدت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية في تصريح لـ”العرب” أنه من غير المعقول بعد أن دأبت تونس منذ بدايات بناء الدولة الوطنية على نهج خطوات تحرّرية للمرأة أن نسمع عن تواصل وجود مساعي بعض المدرّسين إلى الفصل بين الذكور والإناث في أقسام الدراسة.

وأشارت الجربي إلى أن تونس التائقة عبر الدفع إلى مزيد إعطائها المكانة الحقيقية التي تستحقها عبر الاستماتة في الدفاع عن وجوب المساواة بين الجنسين في الميراث لا تقبل اليوم العودة بالناشئة التونسية إلى مرحلة القرون الوسطى أو إلى مرحلة ما قبل الثورات الأوروبية التي كرّست مبادئ كونية تحترم الإنسان على قدر المساواة ذكرا كان أو أنثى.

وشدّدت رئيسة اتحاد المرأة على أن المتسبّبين في هذه الممارسات هم معتنقو فكر الإسلام السياسي بمختلف مدارسهم سواء تعلّق الأمر بالذين حكموا بين 2011 و2013 أو الذين لم يحكموا ولكنهم مازالوا ينشطون علنا وطبق القانون. ودعت الجربي إلى وجوب استئصال هذا الورم الخبيث الساعي إلى الزيغ بالمجتمع التونسي عن ثوابته ومرتكزاته التقدّمية، قائلة “أدرك جيدا أن الإسلاميين في تونس يتلقفون ويتلذّذون بنهم كلمة استئصال، إذن هذه فرصة لكي ينعتوني بالاستئصالية".

وزارة التربية وجهت منشورا لكل المدارس منعت فيه الفصل بين المتعلمات والمتعلمين بأي وجه كان في الفصول

 تختلف الآراء والمواقف حول تاريخية اجتياح ظاهرة الفصل بين الذكور والإناث للمؤسسات التربوية التونسية بين من يحمّلها رأسا لفترة حكم الترويكا وحزب حركة النهضة وبين من يعتقد أنها وُجدت في مختلف فترات بناء الدولة الحديثة أي منذ الاستقلال في العام 1956.

ومن بين أصحاب الآراء التي تعتقد أن الظاهرة على كثرة علاّتها ودرجة خطورتها ليست وليدة اليوم أو وليدة الثورة، قالت آمال قرامي الباحثة والكاتبة التونسية لـ”العرب” إن ظاهرة فصل الأطفال في المدارس والمعاهد التونسية ذكورا وإناثا ليست جديدة في تونس، بل وُجدت محاولات سابقة لفرضها بالقوة، مشيرة إلى أنّ تطوّر مستوى الصحافة الاستقصائية في البلاد منذ عام 2011 جعل من هذا الملف الخطير ينكشف بصفة متواترة للرأي العام.

وأكّدت قرامي أن تواصل تفشي هذه الظواهر الرجعية في بلاد تستميت جل مكوّناتها نساء ورجالا ومجتمعا مدنيّا لتكريس المساواة الحقيقية بين الجنسين، متأتية بالأساس من عدم وضوح الرؤية أو السياسات التي تتوخاها السلطة وتحديدا وزارة التربية.

وأضافت قرامي "تواصل نهج بعض المدرّسين أو من ورائهم أطراف سياسية ومراجع فكرية إسلامية في هذا النفق المظلم لن يؤدي سوى إلى إنتاج أجيال رجعية متخلّفة ومنغلقة ومتشددة".

تواصل انغماس العديد من الظواهر الرجعية والمتشدّدة في المجتمع التونسي، يُعيد بصفة آليه إلى الأذهان تلك الفترة التي عاش على وقعها التونسيون من أحلام وآمال عريضة خلال الحملات الانتخابية عام 2014 في القطع مع سياسات الإسلام السياسي التي أدت وبلا شك إلى إنتاج المئات من الشباب المتشدّد والتكفيري أو المنغلق غير القابل للنقاش والمحاججة الفكرية وهو ما تتحّمله بصفة كبرى الطبقة السياسية وخاصة الحاكمة اليوم.

وقال الطاهر بن حسين رئيس حزب المستقل لـ”العرب”، “لقد حذّرنا في أكثر من مرة من تواصل محاولات تكبيل المجتمع التونسي وإعادته إلى مربّع الجهل والتخلّف، لكن للأسف فان مظاهر مثل فصل الذكور والإناث في الأقسام بالمؤسسات التربوية تؤكّد عدم وجود إرادة سياسية حقيقية الآن تكون قادرة على القطع مع فظاعات الإسلاميين السياسية وخاصة المجتمعية".

13