الفصل بين الدعوي والسياسي خدعة

إذا واصلت النهضة حملاتها ضد لجنة الحريات الفردية والمساواة، فإن الصراع بينها وبين خصومها سيزداد حدة ويعصف بسياسة التوافق.
الثلاثاء 2018/08/14
إدانة تقرير لجنة الحريات دون الاطلاع عليه

بعد مؤتمرها الأخير الذي انعقد في صيف 2016، أعلنت حركة النهضة أنها ستتقيد مستقبلا بالفصل بين الدعوي والسياسي. وللتأكيد على ذلك وضع زعيمها راشد الغنوشي ربطة العنق، وارتدى البدلة الزرقاء الأنيقة مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما حاول في أغلب تصريحاته وخطبه أن يكون مختلفا تماما عن المراحل السابقة التي اتسمت بالتصلب والحدة، وبالتهديد والوعيد لكل الأطراف المتنافسة سياسيا وفكريا معه ومع حركته.

 والشيخ الذي عودنا على أن يكون دائما عبوسا منقبض الملامح، ناظرا حوله بارتياب وحذر، بدأ بعد المؤتمر المذكور يحرص على الظهور باسما، واثقا من نفسه، ومرتاحا لكل ما يطلق من أفكار وآراء ومقترحات، ساعيا بكل ما أوتي من جهد لإقناع خصومه بأنه في الحقيقة “ملاك” رحيم القلب، طاهر النفس ولا هدف له غير الدعوة إلى الوفاق والتآزر والتسامح والتضامن بين كل التونسيين، بقطع النظر عن اختلافاتهم السياسية والأيديولوجية.

كما أن الغنوشي لم يعدْ يتحدث بنخوة واعتزاز وصلابة المجاهد الذي نذر حياته لـ”نصرة الإسلام والمسلمين”، بل تنصل من مرجعياته الدينية التي تعوّد اللجوء إليها في كل آن وفي كل حين، مبيحا لنفسه الإشارة إلى “دستور قرطاج” ثم دستور “عهد الأمان” الذي أنجزه الجيل الأول من المصلحين التونسيين برعاية المصلح الكبير خيرالدين باشا.

وقد توهم البعض أن الشيخ الغنوشي بات من أنصار الحبيب بورقيبة الذي دأب منذ ظهوره على المسرح السياسي على تكفيره وشتمه، والدعوة إلى تخريب مشروعه الإصلاحي الحداثي باعتباره معاديا للإسلام. إلا أن العارفين به كانوا على يقين منذ البداية من أن هدف الغنوشي الحقيقي من كل ما كان يفعل ويقول خلال السنتين الماضيتين هو تلميع صورته التي ازدادت تشوها في فترة حكم الترويكا، والتي دأب خلالها عدد وفير من التونسيين على رفع أصواتهم في الليل كما في النهار، وفي الصلوات وفي الشوارع والأسواق لتحميل حركة النهضة مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية واستفحال الإرهاب والعنف وغلاء المعيشة.

وفي هذه الأيام التي تعيش فيها تونس على وقع التقرير الذي أعدته لجنة الحريات الفردية والمساواة التي تم بعثها الصيف الماضي بتحفيز من الرئيس الباجي قائد السبسي، بدأت حركة النهضة تظهر تنكرا لما سمته بـ”الفصل بين الدعوي والسياسي”. من ذلك مثلا أن الغنوشي رفض استقبال أعضاء اللجنة المذكورة وكأنه يرغب في أن يعبر من خلال ذلك عن إدانته لما ورد في التقرير الذي أعدوه، والذي يربو على ما يزيد على 250 صفحة. كما أنه وصف الثورة التونسية في خطاب ألقاه مؤخرا في تركيا بأنها كانت “إسلامية”، مشددا على أن الإسلام “دين ودولة”، في إشارة واضحة إلى أن الدعوي والسياسي مرتبطان ارتباطا وثيقا بحيث أن الفصل بينهما يعد “خرقا” للشريعة.

وعلى إثر اجتماع لهم في أحد فنادق العاصمة، أصدر علماء جامع الزيتونة، وجميعهم مقربون من النهضة ومن المنظرين لها والمدافعين عن أطروحاتها، بيانا نددوا فيه بتقرير اللجنة المذكورة باعتباره “منافيا للإسلام وتعاليمه السمحة”. أما “فيلسوف” حركة النهضة أبويعرب المرزوقي فقد وصف أعضاء اللجنة بـ”الأميين”. ومن دون أن يطلعوا عليه ويدققوا في بنوده، تظاهر الآلاف من أنصار النهضة أمام مجلس الشعب بضاحية باردو، للتعبير عن إدانتهم له جملة وتفصيلا.

وإذا واصلت حركة النهضة حملاتها التحريضية ضد تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، فإن الصراع بينها وبين خصومها الفكريين والسياسيين سيزداد حدة وعنفا بحيث يمكن أن يعصف بسياسة التوافق التي انتهجها الرئيس السبسي على مدى السنوات الأربع الماضية، وقد يلحق أضرارا جسيمة بالانتقال الديمقراطي الذي تمكن من تجاوز العقبات التي واجهها إلى حد هذه الساعة.

9