الفضاء الإلكتروني رمز جديد للقوة في مسرح العلاقات الدولية

يتّضح يوما بعد يوم أنّ عمليات اختراق الفضاء الإلكتروني في السياسة الدولية، أصبحت هدفا للحصول على المعلومات لتوظيفها على ضوء المصالح الجيوسياسية والإستراتيجية المتجاذبة، وليس لها من حدود في ظل بيئة سياسية واقتصادية وأمنية متقلبة لا تعرف الثبات، مما جعل من التحكم في سيلان المعلومات وفيضانها أحد رهانات القوة والهيمنة.
الأربعاء 2015/07/08
الأصوات الرافضة للرقابة الأميركية على الفضاء الإلكتروني في تصاعد مستمر

أدّى نشر وثائق دبلوماسية عن طريق موقع “ويكيليكس”، خلال مرات عديدة، إلى تجريد العمل الدبلوماسي من عنصر السرية، وهو عالم لم يكن من السهل الإطلاع على وثائقه ومحاضره. كما أنّ الكشف عن أنشطة تجسس عشوائية لوكالات الأمن القومي الأميركية على العديد من المواطنين والزعماء في العالم عبر شبكات الاتصالات والإنترنت، يؤكّد مدى تصاعد دور التجسس الإلكتروني والهوس الأمني على مدى واسع وغير مسبوق في العلاقات الدولية، مقابل ضعف وتراجع آليات المراقبة البرلمانية والقضائية والإعلامية تحت ضغط الفساد والرشوة والاستبداد السياسي.

ولا غرابة أن مجتمع المعلومات يواجه معضلة التوفيق بين حماية السر الدبلوماسي وشرعية حق الجميع في المعرفة، كما الحماية من الزواج غير الشرعي بين التجسّس والسلطة المطلقة غير المقيّدة والمدعمة بتزايد نفوذ المؤسسات الأمنية العمومية والشركات الأمنية الخاصة المتحالفة مع شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على حساب الحريات العامة.

أمّا على مستوى العالم العربي، فثمة حاجة متزايدة لصناعة معلوماتية عربية تذلل الفجوة الأمنية الرقمية من أجل حماية بيانات المواطنين والمؤسسات الحساسة من اختراقات خارجية. وقد بلغت المعلومات التي جمعتها وكالة الأمن القومي الأميركية في حدود عام 2013 على سبيل المثال؛ 6.7 مليار معلومة من مصر، 7.12 مليار معلومة من الأردن و3.6 مليار معلومة من الهند و5.13 مليار معلومة من باكستان و14 مليار معلومة من إيران.

وحسب مصادر متعددة ومطلعة، يزداد التجسس الإلكتروني على الدول الأجنبية والصديقة بدعوى مكافحة الإرهاب وتهديدات الأمن.

رقابة متعددة الأوجه

أخذت ردود الأفعال حول حجم أخطار التجسس على الفضاء الإلكتروني تزداد، منذ أن كشفت صحيفة واشنطن بوست (12 يونيو 2013)، ودير شبيغل الألمانية والغارديان البريطانية، عن برنامج “بريزيم” على إثر تسريبات إدوارد سنودن، وهو من أضخم البرامج التي استعملتها وكالة الأمن القومي الأميركية منذ 2007 في تجسسها على العديد من الدول وشملت مواطنين وشخصيات سياسية كبيرة، ومقرات البنك الدولي والأمم المتحدة واجتماعات الثمانية ومجموعة الـ20، فضلا عن العديد من رؤساء دول العالم الثالث بلغ عددهم 60 زعيما، فضلا عن التنصّت على الاجتماعات في أروقة العديد من المنظمات الدولية.

وقد تم نشر أولى وظائف هذا البرنامج في 05 يونيو 2013، عبر كشف المرسوم السري الذي تنص عليه المادة 215 من قانون الباتريوت الذي يجبر موزع الهاتف فيريزون على تمكين وكالة الأمن القومي الأميركية من جميع الاتصالات التلفزيونية داخل وخارج الولايات المتحدة، حيث كشف تقرير البرلمان الأوروبي لسنة 2013، وصحف أوروبية عن فحوى برنامج بريزم، الذي سمح للوكالة بالوصول إلى بنوك معطيات المعلومات في كبريات شركات الإنترنت الأميركية، ممّا أجبر جيمس كلابير مدير الوكالة على الاعتراف في نفس اليوم بصحة وجود البرنامج، وأنه يعتمد على سلطات قانون مراقبة الاستخبارات الخارجية رقم 702، والذي تم تمديد العمل به من طرف مجلس الشيوخ الأميركي من 28 ديسمبر 2012 إلى 31 ديسمبر 2017.

مجتمع المعلومات يواجه معضلة التوفيق بين حماية السر الدبلوماسي وشرعية حق الجميع في المعرفة

ويقوم برنامج بريزم، باستخراج بيانات مستخدمين مخزّنة ضمن أجهزة شركات إنترنت أميركية كبرى شملت على التوالي: مايكروسوفت منذ 2007، غوغل، فيسبوك، وبال تالك في 2009، ويوتيوب في 2010، وسكايب في 2011 وشركة أبل في 2012، التي اعترفت بأنها تلقت مطالب بالحصول على معلومات تشمل مستخدميها. وقد استطاع هذا البرنامج الوصول إلى أنظمة الخدمات في الشركات الكبرى لكي يحصل على بيانات كاملة لأيّ مستخدم، وشمل الحصول أيضا على معلومات عن تاريخ مكالماته ودخوله وتصفّحه وخروجه من المواقع، فضلا عن طبيعة الصور والفيديو والملفات المرسلة التي تلقاها أو أرسلها، حيث تم استخدام المادة رقم 215 من قانون باتريوت كغطاء لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية للتجسس على أي وسيلة تخص أي مواطن أجنبي وبدافع مكافحة الإرهاب، بينما يقنن القانون الأميركي التّجسّس على أي مواطن أميركي بموجب موافقة مسبقة صادرة عن ثلاثة قضاة، مما سبب ضجة كبيرة للحكومة الأميركية على إثر التسريبات التي اكتسبتها قضية التجسس على مواطنين أميركيين في اختراق سافر للحريات العامة. ودفعت الرئيس أوباما إلى الاعتراف بأنّ هذا البرنامج موجه لجمع أرقام هواتف ولا يحمل أسماء ولا مضمون مكالمات، وهو موجه للحماية الاستباقية من الإرهاب فحسب، لكن انكشاف فحوى برنامج بريزم أماط اللثام عن العديد من برامج المراقبة الأخرى من بينها؛ برنامج أوبستريم، برنامج كسكيسكور، برنامج بولرون وبرنامج تومبورا.

رمز جديد للقوة

تكمن أهمية تأثير الفضاء الإلكتروني في مجال الدعاية والدعاية المضادة ونشر الإشاعات والتسريبات ومدى قدرته على زعزعة الدول، كما تجلى من خلال نشر موقع ويكيليكس وثائق عسكرية حول حرب أفغانستان والعراق عام 2010، وصعود دور الفضاء السبراني السياسي في فضاء العام الدولي، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم حوالي 3 مليار شخص، أي أن 40 بالمئة من سكان العالم يتواصلون بفضل الشبكة والتطور التكنولوجي وسهولة الربط والاتصال بين الشركات والخدمات. حيث يطور كل مستخدم للإنترنت من حجم الشبكة بفضل ما يترك من بصمات وآثار من استعمالاته المختلفة، فالإنترنت وسيلة اتصال ممتازة، لكنها وسيلة اقتصادية لا تقل أهمية، وهي سوق تعج بالمنافسة الضارية، كما أنّها مسرح للصراع والجريمة وتصفية الحسابات بين العديد من الفاعلين.

مراقبة الفضاء الإلكتروني تحدث تحولات جذرية في النظام الدولي وهو ما سينعكس إيجابا أو سلبا على التخطيط الاستراتيجي

والثابت أنّ مراقبة الفضاء الإلكتروني ستحدث تحولات جذرية في النظام الدولي وصناعة الرأي العام، وهو ما سينعكس إيجابا أو سلبا في التخطيط الاستراتيجي ورسم السياسات ورصد التفاعلات وإعادة إنتاج المعلومات ذات الصلة في الدعاية والدعاية المضادة، ويمكن أن يطال العوامل غير البشرية، وحتى رصد كل الكلمات المستخدمة في أي بلد، أو تلك التي يتم تداولها بشكل كبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي. فالفضاء الإلكتروني أصبح رمزا للقوة في مسرح العلاقات الدولية، مما يطرح السؤال حول التحكم في البعدين التكنولوجي والسياسي، وهو ما يتجاوز طبيعة التكوين الداخلي للاستخبارات وقدرتها على تحليل إشكاليات ظواهر بالغة التعقيد في ظل غياب التطرق إلى أبعادها السياسية والاجتماعية والمعرفية.

ويشير تقرير منظمة الأمم المتحدة حول “مؤشر الإنترنت: الاتجاهات الأمنية الدولية” لسنة 2013 ، إلى أنّ 114 دولة لها برامج أمنية إلكترونية في 2012، وأن 47 منها تحت إشراف عسكري، و67 تحت إشراف مدني تتفوق فيهما الولايات المتحدة الأميركية من دون منازع، وهو ما يفسر الدور الضخم الذي أصبح للتجسس الخاص على حساب التجسّس العمومي، خاصة تلك الفضاءات الإلكترونية التي تتحكم فيها شركات عملاقة تعمل تحت الطلب، فضلا عن التجسس الإلكتروني الأميركي الذي شمل جميع القطاعات الاستراتيجية دون استثناء: تكنولوجيا المعلومات، الكهرباء، والغاز، والبترول، والطاقة النووية والنقل والبيوتكنولوجيا، كما تم توزيع تلك المعلومات على أهم المؤسسات الأميركية كوزارة الداخلية، والدفاع، ووكالة الطاقة ووكالات الاستخبارات والخزينة الأميركية وقيادة القوات الأميركية في أوروبا.

وعلى الرغم من امتعاض البعض من تجسس الحلفاء والأصدقاء عليهم، فهم أيضا يبادرون باللجوء إلى نفس الأسلوب ويشاركون للحصول على نصيبهم من كعكة المعلومات أو للنيل من المعارضين والنشطاء، وهو ما ينبئ بأزمة ثقة جديدة وكبيرة جراء تواطؤ محسوب بين شركات الاتصالات والإنترنت العالمية والأجهزة الاستخباراتية الأميركية والمتحالفة معها، حيث تدُور رحى حرب معلومات خفية متعدّدة الأوجه، تجعل لتكنولوجيا المعلومات دورا جديدا لا يستهان به في التفاعلات الدولية الحالية، حيث لا تخلو من مخاطر اقتصادية وسياسية وأمنية وقانونية تطرح على المحك مشروعية احترام الخصوصيات والحريات المدنية وحيادية الإنترنت، كما تستدعي من البلدان العربية تطوير أنظمة أمن معلوماتية ومؤسسات مدنية لحماية المواطن والمؤسسات من الاختراق.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون.

7