الفضاء الافتراضي يمنح المتلقي إمكانية صناعة الحدث والتأثر به

منحت مواقع التواصل الاجتماعي صوتا مرتفعا للمتلقي، برز من خلاله كفاعل وناشط سياسي واجتماعي، يعيد إنتاج ما تشبّع به من حقن وتلقين وصار يمارس هو نفسه الاستقطاب والاستلاب ضد الآخرين، بعد أن يكون قد خضع لهما من خلال الوسيلة نفسها فيسبوك.
الخميس 2016/08/25
الخيار للمتلقي بين الانعزال في الفضاء الافتراضي أوالتواصل الحقيقي

لندن – تحول موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك إلى سلاح حقيقي في الحروب المعاصرة، من خلال منحه الفرصة لكل فرد أن يشارك بفاعلية في المعارك السياسية أو الحزبية أو الطائفية، وهي نقطة الاختلاف الجوهرية بين الإعلام الجديد الذي يمثل فيسبوك إحدى وسائله وأنماطه، وبين الإعلام التقليدي العتيق.

كان المتلقي يخضع للاستقطاب السياسي والاستلاب الأيديولوجي والشحن العقائدي عبر التلفزيون أو المذياع أو الصحيفة؛ لكنه يبقى سلبيا من دون فرصة لاجترار ما تشبّع به من حقن وتلقين ومن دون قدرة مباشرة على إعادة إنتاجه وتسويقه.

أما اليوم فصار بإمكان المتلقي أن يمارس هو نفسه الاستقطاب والاستلاب ضد الآخرين، بعد أن يكون قد خضع لهما من خلال الوسيلة نفسها وهي فيسبوك.

يحاول الإنسان أن يستخدم فيسبوك للتحرر من مركبات الخوف والوحدة والقلق والوحشة، لكنه من خلال فيسبوك نفسه يعيد إنتاجها وترويجها فترتد عليه تداعيات ذلك، ليغرق في الخوف والقلق والوحدة والعزلة والوحشة أكثر فأكثر، فيسبوك يجعل الأشخاص ربما أكثر هشاشة عاطفيا وانفعاليا ويجعلنا نتكلم بألسنة غيرنا.

وأصبح الوجود المبالغ فيه على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تتناقض مع الإبداع والإنتاج والإنجاز، فالأشخاص الناجحون والمبدعون هم أشخاص يحتل فيسبوك وتويتر في حياتهم موقعا هامشيا. ولذلك فإن استخدام أشكال التواصل الاجتماعي كافة محظور تماما على الموظفين في المؤسسات المهنية والإنتاجية الرصينة.ويضع البعض تقييما سلبيا للأكاديميين الذين يحضرون بكثافة على مواقع التواصل، لأن الصنعة الأكاديمية اشتغال فكري يتطلب الهدوء والسكينة الذهنية، التي لا تتناقض مع القلق الإبداعي الداخلي لكنها تتناقض مع ما يحدثه فيسبوك من تشويش وصخب، إلا إذا كان وجود الباحث أو الأكاديمي على فيسبوك لأغراض تتصل بصميم عمله المعرفي.

التفاعل الجماهيري الافتراضي مع الأحداث السياسية لم يتحول إلى رصيد إيجابي للديمقراطية لعدم وجود نخب سياسية وطنية

وينصح عالم الاجتماع العراقي علي الوردي الباحثين بالنزول إلى الشارع والاختلاط بالناس، والانغماس في الأحياء الشعبية والحارات ومراقبة السلوكيات والمفردات والتعابير، لإنجاز أبحاث علمية معبّرة فعلا عن الواقع الاجتماعي والحقيقة البيئية والسكانية.

وفي هذا الشأن يقترح الصحافي الأردني باسل رفايعة أن تبادر الجامعات لتحليل مضمون “المحتوى” المنشور على فيسبوك لدراسة ظاهرة العنف المجتمعي.

ويرى متابعون أن العنف كامن في المجتمع ولكن فيسبوك كان مرآة عكست هذا الواقع وكرسته وضخمته وأسهمت في تفاقمه، لأنها أتاحت فضاء للتعبير عنه من دون تحمل مسؤولية فردية مباشرة عن ممارسات العنف الرمزي أو اللفظي أو التحريض الصريح أو المبطن؛ وإنما يدفع المجتمع الثمن من خلال زيادة حالة الاحتقان الاجتماعي.

وهناك من يعتقد أن الفضاء الافتراضي على الإنترنت معزول عن الفضاء الحقيقي الواقعي؛ بمعنى أن ما يتم ترويجه من كراهية على فيسبوك هو ليس تعبيرا عن الواقع، فالناس يتعايشون بتسامح أكثر بعيدا عن فيسبوك ومشاحناته واحتقاناته، لكن هذه الفرضية تبدو صحيحة على المستوى الاجتماعي المباشر فقط، أما على مستوى الوعي السياسي غير المباشر الذي يؤثر في خيارات الناس السياسية والفكرية على المدى البعيد فإن لفيسبوك دورا كبيرا في تشكيله، لا سيّما أن الإعلاميين وصناع الرأي العام يتواجدون بكثافة على فيسبوك ويصنعون محتواه ويتأثرون بهذا المحتوى في سياساتهم التحريرية. كما أن السياسيين يتماهون في سياساتهم وخطابهم مع إملاءات الأقلية الاجتماعية الموجودة على فيسبوك باعتبارها أقلية نشيطة وصوتها عال. وليس صحيحا التقليل من شأن الطائفية والكراهية الطافحة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن لهذه المواقع صلة عضوية بعملية صناعة السياسة والإعلام في المجتمع.

تكمن مشكلة فيسبوك في فلسفته أساسا، فهو يقوم على فكرة التواصل الاجتماعي، والمشكلة في هذا التواصل حين يتحول إلى “أسلوب حياة”، فالشخص غير محتاج إلى كل هذا التواصل لأنه يجعله منشغلا بالآخرين إلى درجة كبيرة؛ يحاول استرضاءهم أو استفزازهم. وهناك من يعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي كان لها الدور الأكبر في تفجير ثورات الربيع العربي، وأن هذه المواقع هي الفضاء الذي احتضن في ما بعد جزءا كبيرا من الجدل السياسي الذي شهدته المراحل الانتقالية في هذه البلدان.

يقول الإعلامي خالد بيومي إن ثورة يناير المصرية أوصلت السياسة إلى كل مستويات الشعب بعد أن كانت مقتصرة على النخبة المثقفة، وحصل ذلك عبر تفاعل الجمهور مع الأفكار والأحداث السياسية على فيسبوك.

لكن الرأي الآخر يرى أن هذا التفاعل الجماهيري الافتراضي مع الأحداث السياسية لم يتحول إلى رصيد إيجابي للديمقراطية والسياسة لعدم وجود نخب سياسية وأحزاب تفكر بعقلية وطنية وقادرة على استشعار مكامن القوة في المجتمع، وبالتالي كانت القوى السياسية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمنابر للتبشير السياسي والدعاية الأيديولوجية عوض أن تستخدمها كمنصات لتعزيز الحوار الوطني ومد الجسور وبناء الثقة السياسية والمجتمعية، بمعنى أن القوى السياسية بعد الثورات لم تتعامل مع فيسبوك كوسيلة للحوار الوطني باعتبار الحوار غاية بحد ذاته، لكنها تعاملت مع موقعي فيسبوك وتويتر بتوظيف سياسي لأغراض نصرة طرف على آخر وحفر الخنادق المتضادة، فأسهمت في تعزيز الصفة التناحرية والطابع التطاحني لمواقع التواصل الاجتماعي.

إن استخدام الحيز الافتراضي للحوار السياسي يعطي السياسة طابعا افتراضيا ويفصلها عن واقع الناس، ويجعلها مرتبطة بشخوص النشطاء ونفسياتهم ومصالحهم وانحيازاتهم الفكرية والشعورية والعاطفية أكثر من ارتباطها بالمصالح العامة.

18