الفضاء الرقمي مجال مفتوح لنشر الأفكار المتشددة دون رقيب

الخميس 2015/03/26
مجابهة الإرهاب على الشبكة العنكبوتية لا تقل أهمية عن مواجهته بقوة السلاح

لندن- أضحت شبكة الإنترنت تلعب دورا خطيرا في نشر الأفكار المتطرفة ما أسهم في انتشار الإرهاب، خاصة مع تبلور وعي جديد لدى تلك الجماعات يقضي بضرورة استغلال وسائل الاتصال الحديثة، العصية عن المراقبة، من أجل استقطاب عناصر جديدة والترتيب لعملياتها، وهو ما أضحى يستوجب، وفق دراسة أجنبية صادرة عن مجلّة “وجهات نظر حول الإرهاب”، استنباط حلول ناجعة تأخذ بعين الاعتبار ضرورة تناسق الأفعال مع الخطابات المروج لها لصد الأفكار المتشددة.

أثارت أحداث الـ11 من سبتمبر 2001، جدلا واسعا بين المحللين والباحثين في ما يتعلق بالدور الذي تلعبه التكنولوجيات الحديثة مثل الانترنت وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي في معاضدة الإرهاب العابر للدول وانتشار أفكاره ونشاطاته التعبوية. كما صدرت الكثير من الآراء، حول دور الإعلام في تدعيم عملية التطرف، من خلال تبني آراء متطرفة يمكن أن تظهر في شكل عنف إرهابي.

ويعم وعي لدى المحللين والباحثين المختصين في دراسة هذه الظواهر بأنّ التواصل يكتسب دورا حاسما في الإرهاب إلى درجة أصبح فيها “التواصل الاستراتيجي”، عبارة كثيرة الاستعمال في الدوائر الرسمية ومجموعات التفكير والأوساط الأكاديمية باعتبارها أساسا لأيّ حل.

وتزايد استعمال مفهوم “الرواية” بالخصوص في تحليل جذور الإرهاب، وهو الآن يُقترح كجزء ضروري من الردود المناهضة للتطرف. وحتى الوثائق الرسمية تقترح بأنّه يجب أن تعاد كتابة “خطاب” التشكّيات (ولعب دور الضحية) الذي يستعمله الإرهابيون من أجل ضمّ أتباع جدد لصفوفهم، وذلك بهدف محاربة خطر الإرهاب أيديولوجيا.

وعلى الرغم من الإقرار بهذه الأهمية المحورية للتواصل، إلاّ أنّه لم يبذل إلا مجهود قليل لتأسيس إطار تحليلي لتفسير دوره في تكوّن التطرف العنيف، كما لم تبذل جهود كفيلة بمعالجة الإرهاب الناشط على الانترنت.

القاعدة بقيت لأكثر من عقدين بسبب الإنترنت في حين أن معدل حياة الجماعات الإرهابية الأخرى لا يتجاوز السنة الواحدة

محدودية المقاربات الحالية

يكمن الخلل الأساسي في مقاربات التواصل الاستراتيجي لمحاربة الإرهاب، بافتراض أن فضاء المعلومات في العصر الرقمي، أبسط بكثير وأكثر خطية ممّا هو في الواقع.

وانطلاقا من هذه الفرضية، يلاحظ وجود تركيز كبير على “الرسائل” في التقارير حول كيفية مكافحة “التطرف على الإنترنت” ودعوات الحكومات لحذف المادة الإرهابية من الشبكة العنكبوتية.
وسواء كان هذا يعني محاربة الإرهابيين بالرسائل المضادة “الملائمة” أو حذف رسائلهم المتطرفة، وتعكس هذه المقاربة نموذجا تجاوزه الزمن كثيرا عن التفاعلات بين الجمهور والإعلام.

وقد تم تطوير هذه المقاربة (التي كثيرا ما يشار إليها بعبارة “حقنة تحت الجلد”) في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وجاءت في محاولة لتفسير كيفية تأثير الرسائل الدعائية في معنويات جنود الأعداء. وتفترض هذه المقاربة أن الجمهور سلبي وأن مختلف عناصره يميلون إلى تغيير المواقف والسلوك بشكل مماثل عند تلقي الرسالة الإعلامية ذاتها.

وتنزع مقاربات التواصل الاستراتيجي المناهضة للإرهاب إلى شيطنة الإنترنت والإعلام الاجتماعي بشكل لا يكاد ينتهي. وبالنسبة إلى البعض، تعدّ الإنترنت السبب الحقيقي في جعل القاعدة تنجح في البقاء لأكثر من عقدين، في حين أن معدل حياة تسعين بالمئة من الجماعات الإرهابية الأخرى لا يتجاوز السنة الواحدة.

ويرى آخرون أنّ الإمكانية التي يمنحها الإعلام الجديد للمتطرّفين للتخفي في الردهات المظلمة للإنترنت هي السبب الرئيس لانتشار التطرف. وبالفعل يتوجه اللوم على نطاق واسع للإنترنت والإعلام الاجتماعي عن حشد تنظيم “الدولة الإسلامية” عناصر من الجمهور الغربي. وهذه الآراء في مجملها مغرقة في التبسيط بنظرة الحتمية التكنولوجية (الاعتقاد بأن التكنولوجيا لمجرد وجودها لا بد أن تنتج بعض الآثار).

وعلى الرغم من أن ظاهرة التحاق المقاتلين الغربيين بتنظيم الدولة الإسلامية يوصف بأنه “غير مسبوق”، يحتاج الباحث فقط إلى إلقاء نظرة على التاريخ ليجد أنّ ذلك غير صحيح؛ فالحرب الأهلية الأسبانية مثلا (1936- 1939) جذبت مقاتلين أجانب متطوعين بأعداد أكبر بكثير، ويمكن أيضا أن يتمّ تذكر الأعداد الكبيرة من الأيرلنديين الذين قاتلوا مع البريطانيين في الحرب العالمية الأولى.

نزعات التطرف الفردية لا تقل خطرا عن السياقات الجماعية

وفي حين أنّ الدعاية للتجنيد كانت عاملا مساهما في توافد المتطوعين في الصراعات السابقة (وهو ما يبين أن الإنترنت ليست أكثر فعالية من الملصقات من الطراز القديم)، لا يمكن ادّعاء أنّ حوافز أولئك المتطوعين للمشاركة في الصراعات الأجنبية كانت نتيجة محضة لعمليات “غسل الأدمغة”.

ولذلك فإنّ المحدودية الظاهرة لجهود التواصل الاستراتيجي الحالي ضد التطرف تتعلق بفهم الخطابات على أنها مجرد “رسائل” أو “قصص”، وتتمثل الفكرة هنا في أنه إذا صاغت الحكومات الغربية الخطاب “الصحيح” وتلقاه المتطرفون فإنهم سيتوقفون عن ارتكاب أعمالهم الإرهابية، بيد أن الخطابات هي أمر يتجاوز كونها مجرد آليات بلاغية، فهي بعيدة كل البعد عن أن تكون “مجرد قصص”، فهي تمتلك جذورا عميقة، وذات بنية اجتماعية.

التطرف الفردي

دراسة الخطابات تستوجب لا محالة الفصل بين تلك الفردية والأخرى الجماعية؛ حيث يتكون الخطاب الفردي من فهم الشخص للعالم ودوره فيه، في حين تنبني “الجماعات المتخيلة على سياسة التماثل، حيث أنّ الناس الفاقدين لعلاقات شخصية مباشرة فيما بينهم يقادون بواسطة عالم الرموز السياسية لتخيّل أنفسهم أفرادا في جماعات تحددها خاصيات وأذواق شخصية وعادات واهتمامات مشتركة”. وهي جماعات متخيلة لأنها تعتمد على “هويات قاطعة”.

وفي هذا المنحى يمكن وجود جماعات متخيلة ذات مصلحة مشتركة مثل تلك التي يكونها الناشطون البيئيون أو المسلمون المتطرفون الذين يطمحون إلى العيش في مجتمع تحكمه الشريعة الإسلامية.

ويجب عدم استبعاد دور الإنترنت إذ أنها فعلا غيّرت المجتمع وطريقة اشتغال السياسة، كما أثرت على ديناميات التعبئة الاجتماعية، فهذه التكنولوجيا توفر الفرصة للوصول إلى المساندين المحتملين على الصعيد الدولي وجمع الأموال بأكثر فعالية مثلما تعرف ذلك جيدا عدّة أطراف أخرى مثل الحركات الاجتماعية (السلام الأخضر، أو منظمة العفو الدولية)، والناشطون (مثل أنونيموس) والجمعيات الخيرية (مثل أوكسفام).

لكن على الرغم من ذلك يبقى دور الإنترنت في ظاهرة التطرف (مثلما هو الحال في أي عملية حشد سياسي) نسبيا، ففي جبال أفغانستان، حيث لا يوجد كهرباء وأغلب السكان أميون، لا يصل خطاب الإرهابيين عبر الإنترنت، لكن عبر الرسائل الليلية والمنشورات الملصقة بالجدران، وهي أدوات اتصالية عادة ما تكون مكتوبة باليد.

وكثيرا ما أُثير جدل حول أنّ مواد الوسائط هذه المتعددة والمتوفرة على الإنترنت، تؤدي إلى التطرف أكثر من النص. وقد أكد محللون على دور الموسيقى في الدعاية الجهادية، وخاصة في دفع الأشخاص المعرضين للأغاني إلى “التعاطي مع المعالجة العميقة والتفكير”، لكن لا توجد أي رسالة “مقنعة” أو قادرة على التواصل على مستوى عاطفي أعمق مع شخص لوحدها، إذ أن أي رسائل ومعلومات يتلقاها الشخص سترشح من خلال عدسات هوية الشخص ووجـهة نظره من زاويـة معيـّنة.

يجب عدم استبعاد دور الإنترنت إذ أنها غيرت المجتمع وطريقة اشتغال السياسة كما أثرت على ديناميات التعبئة الاجتماعية

ولذلك فإن مسألة إقناع الرسالة للمتقبّل تبقى نسبية، وتتوقف على العلاقة بين الرسالة الواردة والخطاب الفردي السابق. فالأفراد الذين أصبحوا متطرفين لا يحتاجون للتعرض إلى مواد متطرفة لتدعيم قناعتهم، وربما يقومون بأفعال عنيفة. ويمكنهم مثلا بمجرد مشاهدة الأخبار أن يجدوا تأكيدا لتأويلهم لما يحدث في العالم من حولهم.

وقد صرّح، نزار الطرابلسي، المتهم بالتخطيط لتفجير قاعدة عسكرية في بلجيكا باسم القاعدة بأنه قرر تنفيذ الهجمة بعد مشاهدة صور لطفلة فلسطينية قتلت في قطاع غزة سنة 2001.

وليس واضحا أين رأى المتهم هذه الصور، ومع ذلك من المحتمل جدا أن عددا كبيرا من الناس (ربما عشرات أو مئات الآلاف في حالة تم نشرها في الأخبار اليومية في وسائل الإعلام السائدة) قد شاهدوا نفس الصور ولم يتحولوا إلى متطرفين بسببها. ولذلك يرى الباحثون أنه ليس بالضرورة أن تتعرض لأفكار متطرفة لكي تصبح متطرفا.

دروس في محاربة الإرهاب

يكتسي التواصل أهمية كبيرة في نشر التطرف وكذلك في مجابهته، ومن المفيد أن يفهم الباثون للخطاب الغربي أنّ الرسالة ليست كل شيء، وأنه يمكن التواصل بالشكل الناجع الذي يريدونه، لكن المطلوب هو التناسق بين الكلام والأفعال الذي وجب أن يكتسب أهمية كبرى.

ولذلك يجب أن يكون الفعل متناسقا مع الخطاب المُروّج له؛ فقتل المدنيين الناتج عن استخدام الطائرات من دون طيار في البلدان الإسلامية، على سبيل المثال، يمكن أن يضر بالخطاب الغربي. وعلى ضوء ما يحدث في كوبا وأفغانستان، ما هو مدى مصداقية الادعاء بأن البلدان الغربية هي ديمقراطيات تثمّن الحريات الفردية وحقوق الإنسان؟، لذلك فإنّ الواقع في النهاية لا يمكن إخفاؤه على الدوام خلف قناع الخطابة.

ولأن أيّ شخص يؤوّل المعلومات الواردة حسب خطاب شخصي متجذر في شبكة علاقاته في وقت معين، يعتبر استهداف المتطرفين بالرسالة “المناسبة” هو بمثابة مضيعة للوقت. وهذا لا يعني أنّ التواصل مع المتطرفين ليس مفيدا أو ليس له أي تأثير إذ أنّ تلقّي المعلومة دائما يؤدي إلى نوع من التأثير.

تناسق الخطابات والأفعال شرط أساسي لمجابهة الإرهاب

لكن لا يجب أن ينتظر أصحاب هذا المذهب تخليص المتطرفين من النزعة الأصولية بمجرد بعث رسائل لهم، فكما يعلم القائمون على الحملات السياسية أنّه ليست هناك فائدة في محاولة إقناع أناس مهتمين جدا بسياسة من قرّروا التصويت له، فهؤلاء قد حسموا أمرهم.

ونفس الشيء ينطبق على المتطرفين، فهم أيضا حسموا أمرهم، لذلك إذا ما استعملت الرسائل فيجب ألا تستهدف المتطرفين بل يجب أن تُوجّه إلى المحيطين بهم (أي شبكة العلاقات غير الأصولية لدى المتطرفين)، فإذا تمّ تغيير شبكة علاقات متطرف (والخطاب المضمن فيها)، الأكيد أنّ هوية المتطرف ستتغيّر تدريجيا إلى درجة أنه ربما يتخلى عن أفكاره المتشددة نهائيا.

الثابت أنّه من المستحيل التكهن بالأعمال الإرهابية، إذ لا توجد قاعدة بسيطة تخبر عن توقيت ومكان ظهور الإرهاب. وكذلك ليس بوسع أي رسائل مهما كانت متقنة أن تبطل الإرهاب العنيف في حدّ ذاتها.

لكن في كل سياق محلي منفرد ومن خلال مقاربات مستندة إلى المجموعات السكانية والعمل طويل المدى، يمكن أخذ فكرة واضحة عن الخطابات المحلية والشبكات التي تنشأ منها تلك الخطابات، من خلال طرح أسئلة محورية مفادها؛ ما هي هوية المجموعة السكانية المحلية؟ ومن هم “الآخرون ذوي الصلة” لتلك المجموعة؟

وبناء على ذلك يمكن الكشف عن تكون هويات متطرفة عبر الأفكار والخطابات. ومن خلال الانتماء إلى مجموعة سكانية معينة يمكن أيضا العمل مع شبكات غير أصولية تحيط بنواة متطرفة. وبهذا فإنّ هذه المقاربة المستندة إلى المجموعات السكانية إلى جانب الانتباه للتماسك بين الخطاب المُوجّه والسياسات المُتّبعة هي في نهاية المطاف أنجع الأدوات لمحاربة ظاهرة التطرف.

6