الفضاء الموازي وأرباب الحقيقة المطلقة

الجمعة 2014/01/31

عندما عمد النظام السوري في مستهل القرن الحالي وبعد تكريس الجمهورية الوراثية إلى إغلاق منتديات ربيع دمشق مُصادرا حق التعبير، قامعا ممارسيه بالسجن أو بالتهجير أو بالقتل، لم يكن يحسب أن هذه المنتديات ستعود إلى الظهور بعد عشر سنوات في صورة أخرى وعلى نحو أشدّ اتساعا مما كانت عليه، وأن مرتاديها سيتكاثرون بطريقة لم يكن يتوقعها، وأن حق التعبير المتحرِّر من كل قيد سيحتل، وخصوصا في سوريا اعتبارا من بداية عام 2011، المكان الأول بعد أن هدمت جدران الخوف على أيدي أطفال درعا وشباب سوريا.

هذه المنتديات الجديدة التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الفيسبوك استحالت مع انفجار الحراك الثوري في العالم العربي أداة ثورية بامتياز. لقد جرى الحديث حول الدور الذي لعبته في الثورة التونسية وفي الثورة المصرية ولاسيما في تنظيم المظاهرات وطرق مواجهة السلطة الحاكمة وقمعها التقليدي. وبلغ الأمر بالبعض أن جعل منها سبب انفجار هذه الثورات أو، على النقيض من ذلك، سبب استيعابها والسيطرة عليها من قبل القوى الخارجية. لكن أحدا لا يمكنه إنكار وجودها المؤثر والفاعل في كثير من الأحيان في هذا الحراك الثوري على امتداد العالم العربي.

بات من المستحيل اليوم متابعة أحداث عالمنا العربي، دون الأخذ بعين الاعتبار صداها على ساحة الشبكات الاجتماعية. لم يعد من الممكن الاكتفاء اليوم بما تكتبه الصحف أو تتناقله الفضائيات عما يحدث في هذا البلد أو ذاك، ولاسيما في سوريا اليوم، دون الرجوع إلى هذه الشبكات، بل إن وسائل الإعلام المكتوب والمرئي تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة لا إلى الاعتماد على ما تقدمه هذه الشبكات من معلومات وصور ثابتة أو متحركة فحسب، بل وإلى أن تتخذ منها امتدادا لها سواء باستخدامها مباشرة أو باستخدام أداتها الإلكترونية، لتزيد من ميادين استقبالها ومن عدد قرائها.

أدى ذلك إلى أن يتحول الكثير من نشطاء الثورة في سوريا خصوصا إلى صحفيين بعد أن وضع النظام السوري أمام الصحافة العربية والدولية غيرالممالئة قيودا جعل من المستحيل معها تواجد ممثليها على الأراضي السورية دون مواجهة وقبول خطر الموت أو السجن أو الخطف، الأمر الذي جعل الصحافة الكلاسيكية تعتمد على من ارتجلوا أنفسهم صحفيين ومعلقين على ما يجري. ولذلك كان هؤلاء أول أهداف قناصة النظام وزبانيته من رجال الأمن أثناء المظاهرات.

وعلى أن الهواية ليست كالحرفة. فقد فرضت الشبكات الاجتماعية نفسها مصدرا أساسيا من مصادر المعلومات، وصار الفضاء الافتراضي فضاءً موازيا للفضاء الواقعي وامتدادا له، ينفصل عنه بقدر ما يندمج فيه. تدور فيه معارك وسجالات، ومبارزات من نوع آخر، افتراضي بالطبع هو الآخر، وفيه يجري تبادل المعلومات وتمحيصها وإغناؤها، مثلما يتم فيه كذلك إنزال العقاب بالإلغاء أو بالحجب أو بالكسر المعنوي (الافتراضي طبعا). وفي هذا الفضاء كذلك أبطال ومشاهير فضلا عن جماهير المعجبين. وبقدر ما فيه من ضروب النقاش المتحرر من كلِّ قيد بقدر ما تتكاثر فيه ضروب الغباء والبذاءة.

لكن هذا الفضاء الموازي من ناحية أخرى ألغى المسافات وحرر الألسنة. أفسح المجال لمن لا صوت لهم، وأخرج إلى السطح كل ما كان خافيا في الداخل: داخل الإنسان وداخل القوى الاجتماعية على اختلافها. فما رأيناه ولا زلنا نراه اليوم واقعا على الساحة السورية مثلا من بطولات وضروب من التفاني والتعاون في النضال، وفي مقاومة نظام الاستبداد أو من عنف غير مسبوق ومن استباحة لكل القيم الإنسانية يجد انعكاسه، بل امتداده أيضا في هذا الفضاء الموازي. وبعض ما أطلق عليه الحرب الإلكترونية يجري كذلك في هذا الفضاء الأخير الذي يكاد يستحيل بديلا في أذهان البعض لولا الدماء التي تسيل والبيوت التي تدمَّرُ كل ساعة.

ذلك أنه إلى جانب استيعابه المبدعين ومُبدعاتهم وأعمال الناشطين، استوعب أيضا كثيرا من الأدعياء والمزيفين بكل ما يحملونه من أوهام وفي كل الميادين: أوهام الأدب والشعر مثل أوهام الفكر والحكمة؛ أوهام النضال مثل أوهام الزعامة والشعبية. أدت هذه الأوهام إلى أن يصير بوسع من يقاتل على أرض فيسبوك أن يشعر أنَّ من حقه تلقين الدروس في النضال لمن بقي مرابطا في قريته، وأن يرى بعض هؤلاء نفسه لا يقل شجاعة عنه! ألا يتألم مثل ألمه؟ ألا تتقطع أوصاله مثله كلما قتل طفل أو اغتصبت امرأة أو استبيح شرف؟ بل أن يبلغ الأمر بساكن الفضاء الافتراضي أن يعطي لنفسه الحق في أن ينظر بقلق وريبة إلى ساكن الفضاء الواقعي. يسأله أن يفصح عن اسمه وهو يعلم أن ذلك يُعَرِّضه للسجن أو للقتل المجاني.

ومع هذا، يبقى أن كل ذلك يجري في ظل حرّية جديدة تتيح القول والتعليل والتفنيد مثلما تتيح الكشف والفضح بالكلمة أو بالصورة أو بهما معا. وهي حرية تصفع وجوه المستبدين وأرباب الحقيقة المطلقة أيا كانوا. ومهما حاول هؤلاء العثور على وسائل الكبح أو التعمية للحيلولة دون امتداد هذا الفضاء الجديد، فقد بات على الرغم منهم وفي وجودهم وفي مواجهتهم فضاء يكاد يكون على افتراضيته أشد واقعية من الفضاء الواقعي نفسه.


كاتب سوري مقيم في باريس

9