الفضائيات استحواذ وعزلة للمشاهد

الأحد 2014/11/16
الانشغال بوسائل الاعلام المختلفة يفقد الأجواء العائلية رونقها

القاهرة - لا شكّ أن مقولة “العالم قرية صغيرة” صارت واقعية تماماً في الحقبة الأخيرة، بعد هذا الكمّ الهائل في عدد القنوات الفضائية العربية والعالمية، ولكن هناك العديد من الجوانب السلبية التي تؤثر على حياة الإنسان، ولعل من أهم هذه الجوانب الركون إلى الكسل.

أصبح في مقدور الإنسان أن يحصل على كمّ ضخم من المعلومات الدقيقة والتفصيلية، والتي كانت من قبل تحتاج إلى مجهود كبير وبحث طويل حتى يتم الحصول على جزء يسير منها، ويكون الإنسان مسترخيا في منزله، وفي هذا السياق يقول إبراهيم علي، (مهندس)، إنه لا يستطيع منع أطفاله من مشاهدة القنوات الفضائية بسبب تعلقهم بالأغاني والأفلام الأجنبية التي تعرضها، ومشكلته تكمُن في تقليدهم لما يشاهدونه على مدار اليوم، هذا إلى جانب إهمالهم للدراسة وانشغالهم طيلة الوقت بمشاهدة تلك القنوات الفضائية.

وقال ثروت محمد، (موظف بأحد البنوك)، إنه رغم وجود ثلاثة أبناء له إلا أنه يفتقد للغة الحوار معهم، فكل فرد داخل البيت يعيش بمفرده، فمنهم مَن يفضّل اللعب على الكمبيوتر، ومنهم مَن يفضّل مشاهدة القنوات الفضائية. ويضيف أنه فقد إحساسه كأب وربّ أسرة، بسبب انشغال كل فرد منهم بما يشغله من وسائل الاتصال المختلفة.

وأوضح عمر يحيى، (طالب بكلية التجارة)، أنه متابع جيد للقنوات الفضائية وذلك لتميُّزها بأحدث الكليبات والأفلام التي لا يتم عرضها على القنوات المحلية، وأضاف: “القنوات المحلية تتسم بالعقم والروتينية في الأداء، فهي لا تزال تُقدّم نفسها بنفس الطريقة والأسلوب المتبع منذ عشر سنوات مضت”، مؤكداً أن كافة متطلباته واحتياجاته يجدها على الفضائيات الأجنبية، خاصة وأنه يعرف من خلالها حضارات وثقافات لم يكن على دراية بها من قبل.

وفي رأي الدكتورة نجاة عبدالراضي المتخصصة في تكنولوجيا الإعلام، فالفرد أصبح يُعاني من العديد من المشكلات بسبب الفضائيات، فلم يعُد الفتى كما كان في المجتمع التقليدي أو البدائي يستمع إلى القصص الشعبية وهو جالس حول النار صحبة أسرته أو أهل عشيرته أو أصدقائه، فإنسان العصر الحديث يقرأ الجريدة وهو في عزلة نفسية، حتى وإن كان جالساً وسط جمع من الناس أو في أي وسيلة مواصلات ما.

وتضيف: “الأطفال يتابعون الفضائيات بكل ما فيها من غثّ وسمين دون مبالاة من أفراد الأسرة، وهذا هو السبب الرئيسي في أن كل فرد يعيش وحيداً”، مؤكدة أن كل تلك الوسائل الاتصالية المتعددة تؤدي بالضرورة إلى التفكُّك الأسري وانعدام الحوار بين الآباء والأبناء، واتخاذ المثل العليا من خلال الأفلام والأغاني التي تتم مشاهدتها يومياً على الفضائيات؛ مما يحدث خللا في المبادئ والأخلاقيات، نتيجة افتقاد القدوة والمثل العليا التي كانت دائما تتخذ من الأب أو العم أو الخال، وأصبحت تتخذ من الأفلام الأجنبية والكليبات العارية التي أصبحت علامة مميزة في القنوات الفضائيات.

تعدد وسائل الإعلام جعل الإنسان منعزلا، حيث يقرأ الجريدة أو يشاهد الفضائيات أو يستخدم الإنترنت بمفرده دون مشاركة مع أحد؛ مما يقلل من نشاطه وفاعليته اجتماعيا

وتؤكد الدكتورة سوزان القليني أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس، أن إنشاء القنوات الفضائية العربية الحكومية والخاصة جاء استجابة للتطورات السياسية والتكنولوجية والاقتصادية التي مر بها عالمنا المعاصر في السنوات العشر الأخيرة، والمشكلة الحقيقية تتمثل في عدم استيعاب القنوات العربية الفضائية لحجم المنافسة الخطيرة الذي ينتظرها من جانب القنوات الدولية، كما أن العديد من الفضائيات تُبالغ في عدد ساعات البث التي توجّهها بما لا يتناسب مع قدراتها وإمكانياتها الإنتاجية التي لا تلبي سوى ربع حاجة تلك القنوات.

ومن هنا تلجأ بعض هذه القنوات إلى إعادة بث برامجها أو الاعتماد على ما يُسمى بإعلام السوق، وهي مجموعة من البرامج رخيصة التكاليف والمحتوى، ولعل هذا ما يوضّح إفلاس معظم هذه القنوات إنتاجياً، ويجعل الشباب يقبلون على مشاهدة الفضائيات الأجنبية التي تشكّل خطرا كبيرا على الثقافة العربية لديهم، هذا إلى جانب إيمانهم بأن ما يقدّم لهم من الفضائيات العربية لا يمكن مقارنته بالرسائل الإعلامية الموجهة من الفضائيات الأجنبية، ولذلك لا بد من أن تقوم القنوات الفضائية بتحمل المسؤولية تجاه بناء الشخصية العربية وتحصينها ضد الغزو الثقافي وتهديد الهوية الثقافية للشعوب العربية.

ويؤكد الدكتور سامي الشريف الرئيس السابق لاتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، أن المشكلة ليست في مشاهدة الثقافة الغربية على الفضائيات، ولكنها تكمُن في النظرية الاستعمارية التي تسيطر على أغلب وسائل الإعلام العالمية، وهو الأمر الذي يعطيها الفرصة في تحقيق أهدافها من تشويه للثقافة العربية، ومحاولاتها للإقناع برؤيتها ووجهة نظرها؛ لأن الاستعمار لم يعُد عن طريق الحروب كما كان سابقاً، ولكنه اتخذ شكلاً جديداً ومؤثراً عن طريق اللعب بالعقول والتأثير على الأفكار التي يحملها المجتمع العربي، الذي لا يشعر بأن ما يقدّم له من أفكار ورسائل إعلامية الغرض منها تدمير واحتلال الأفكار والعقول الشابة، خاصة وأن وسائل الإعلام قادرة على التحكم في المشاهد وتغيير الاتجاهات والسلوك لديه بشكل أوتوماتيكي، فالجمهور الذي يستقبل أصبح عاجزاً عن الدفاع عن نفسه.

ومن وجهة نظر الدكتورة منى حافظ أستاذ علم الاجتماع فإن تعدد وسائل الإعلام جعلت الإنسان منعزلاً، فهو يقرأ الجريدة أو يشاهد الفضائيات أو يستخدم الإنترنت بمفرده دون مشاركة مع أحد؛ مما يقلل من نشاطه وفاعليته اجتماعياً، والكارثة أن الشباب هم ضحية وسائل الاتصال الجماهيري؛ لأنهم يسيئون استخدامها، فبدلاً من مشاهدتهم للقنوات الفضائية بغرض زيادة المعلومات والتعرف على الثقافات والحضارات المختلفة دون تأثير على هويتهم العربية، نجدهم يشاهدونها بغرض المتعة والترفيه الجنسي فقط، حتى استخدامهم لبرامج الدردشة على الإنترنت نجدهم يستغلونها في إقامة علاقات غير مألوفة مع جنسيات أخرى، بغرض إضاعة الوقت في أشياء غير مباحة.

21