الفضائيات العراقية ومواكبة الأحداث

الأربعاء 2015/08/12

شخص المدونون والفيسبوكيون العراقيون ضد الفضائيات المحلية قصورا كبيرا في مواكبة الحراك الشعبي مطلع شهر أغسطس في شوارع بغداد، وقد نشر المدونون كشوفات بالبرامج التقليدية السائدة على معظم القنوات العراقية التي تجاهلت تصاعد الغليان في بغداد والعديد من المدن العراقية ضد الطغمة الحاكمة وفسادها المكشوف، واستمرت معظم القنوات بعناد لا يمكن وصفه إلا بالغباء السياسي بتعبئة شاشاتها بالبرامج التقليدية المعلبة والأغاني والمنوعات السياحية والحوارات التقليدية مع محللين مستهلكين وبكلام مكرر ليست له علاقة مباشرة بما يدور بين الناس، وقد استفز هذا السلوك المواطنين ودفعهم إلى شتم القنوات بصورة علنية، وخاصة قناة الدولة المسماة “العراقية”.

وبالرغم من تصاعد التحفيز الجماهيري واتساع الدعوات للتظاهر ضد الفساد والمحاصصة والطائفية في العديد من المدن العراقية، أثناء التحضير ليوم الجمعة الكبير، والذي دعيت له فئات الشعب الواسعة، إلا أن معظم تلك القنوات أصرت على التعامل مع الأحداث باستخفاف، إلا بعض من أراد متقصدا استثمار الإعلام في تغذية الأزمات، وتعميق الفوضى لأسباب سياسية تتعلق بوجوده وباستراتيجية البقاء، وصار بعضها يطلق التبشير باحتمالات حرف الجماهير أو استغلالها بحجة أن الوقت غير مناسب لإشغال الحكومة وهي تخوض الحرب ضد داعش، والتهديد بمخاطر مزعومة كان يريد الفاسدون وأعوانهم من خلالها ثبط العزائم والهمم.

وفي ليلة السادس من أغسطس كانت صفحات فيسبوك هي مصدر أخبار التحضيرات لليوم الموعود في عشرات المدن العراقية، وكان الناشطون يتبادلون المعلومات وينشرون البيانات على فيسبوك وتويتر والرسائل النصية على الهواتف المحمولة، ويروجون لشعارات المسيرات المعتمدة ويحذرون من المندسين والمغرضين، ويرفضون من يحاولون سرقة هذا الحراك الشعبي الذي بالرغم من كل ذلك كان هناك من يشك بجدواه وفعاليته ..!!

وجاء يوم السادس من أغسطس، وإذ المسيرات العفوية تملئ شوارع بغداد وذي قار والحلة والنجف وبابل والبصرة والكوت والسماوة والعمارة وتمتد إلى العراقيين في بيروت وفي العديد من المدن الأوروبية، وسارع إلى تأييد المتظاهرين ومطالبهم حتى الكثيرين ممن كان المتظاهرون يقصدونهم ويطالبون بإزاحتهم ومحاسبتهم، وإذ بزعماء كتل وأحزاب أدانهم الشعب في أكثر من مناسبة يعلنون ترحيبهم بمطالب الشعب، وبرزت أسماء أشخاص من أشهر المتهمين بالفساد يدعون إلى محاسبة المفسدين والقصاص ممن تسبب بهدر المال العام .!! يا سبحان الله !!

حشود الناس المتذمرة من الفساد وسوء الإدارة والطائفية والمحاصصة لم تكشف فقط رياء ونفاق وزيف سياسي الصدفة الممتطين بغال السلطة، بل كشفت أيضا فوضى الإعلام في العراق وتفاوت الوعي السياسي والمهني بين العاملين في الفضائيات في العراق “المعاصر” بعد الاحتلال الذي أطلق العنان لتأسيس الفضائيات بصورة عشوائية غالبا غير مهنية مع شح المهارات الإعلامية والتقنية فنشأت ثلاثة أنواع من فضائيات: الحكومية، وفي مقدمتها “العراقية” والقنوات الهامشية المتواضعة التي أنشأتها مجالس بعض المحافظات وأغدقت عليه ملايين الدولارات. ثم الفضائيات الحزبية التابعة للأحزاب والكتل السياسية والدينية والطائفية، وهدفها وخطابها الإعلامي وبنيتها البرمجية منسجمة تماما مع كينونة الجهة المؤسسة التي لم ترد من المحطة سوى أن تكون منبرا لأهدافها وزعمائها، ومن ثم تأتي القنوات المستقلة أو شبه المستقلة التي تحوم الشكوك حول استقلاليتها، لأنها وبسبب عدم قدرتها على مواصلة تمويل نفسها ستبحث عن الدعم المادي الذي له شروطه في التبعية لجهة التمويل أو على الأقل محاباتها والتعاطف معها والدفاع عنها.

لقد تجسدت تناقضات هذا البناء الهيكلي للفضائيات العراقية -بل للإعلام العراقي بصفة عامة- في كيفية تعامل تلك الفضائيات مع أحداث الأيام الماضية في العراق، وإذا كان المحلل الإعلامي يستطيع أن يفسر ويقيم الخطاب الإعلامي لكل قناة وكيفية تغطيتها للأحداث المثيرة التي تجري في العراق منذ أيام، حسب انتماء الفضائية فإنه لا يستطيع أن يفهم موقف قناة الدولة الرسمية “العراقية” التي تعاملت مع الحدث الكبير بتقتير يصل إلى حد التحفظ على ما يجري، أو أن إدارتها لا تتبنى مطالب الناس، خاصة فيما يتعلق بالفساد وسوء الإدارة الذي قد يشمل بعض مسؤولي شبكة الإعلام العراقي، وبالتالي استغرب المواطنون عدم تركيز “العراقية” حتى على قرارات العبادي الشجاعة الكاسحة يوم صدورها وتهليل الشعب لها، فبقيت برامجها عادية ترفيهية طوال النهار، وشريطها الإخباري بقي يرفل بالترويج لمسابقاتها ومسلسلاتها المعتقة وبرامجها التقليدية، وعند المساء فقط بدأت بتعديل منهجها، ربما بعد لوم وتنبيه وصل إدارتها، وعند المساء تم الإعلان على اجتماع طارئ لمجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي لإحالة مديرها العام على التقاعد.

18