الفضائيات تبث المعرفة والفنون إلى بيوت الناس

الأربعاء 2015/08/05

انعقد مجلس للسمر في مضيف من قصب في قريتي على ضفاف الفرات الأوسط، ودار الحديث في البداية بين الحضور -ومعظمهم قرويون- عن موجة الحر الخانقة التي لم تعرف ذاكرتهم مثلها أبدا، ثم تشعب في السياسة والإشاعات العامة والخاصة. وبصفتي إعلامي لم يقصروا في طرح الأسئلة علي فيما يتعلق بالحكومة والحاكمين الذين بدا واضحا أن الحاضرين في الغالب غير راضين عنهم، ولا يثقون بالأسماء الكبيرة في الدولة ولا يتوقعون منهم خيرا، ويتمنون تغييرهم جميعا بلا استثناء، وقد اختلف المتحدثون في كيفية التغيير، ومتى يمكن أن يحدث، وما هي الضمانات في أن من سيأتي سيكون أفضل من الحاليين.

وأسعدني خوض المتحدثين -ومعظمهم كما قلت من الفلاحين والقرويين، وأعرف أن الأكثرية منهم أميون- في نقاش مسألة فيما إذا كانت الأوضاع الدولية والإقليمية الحالية تسمح بالتغيير الآن وفي أي اتجاه، وجلست أنصت بإعجاب إلى تحليلاتهم وآرائهم الحكيمة التي تفوق ما نسمعه من أفواه بعض سياسيي الصدفة الذين ركبوا بغلة الحكم طوال “درزن” السنين الأخيرة.

ودار بين الحاضرين جدل ونقاش ليس فقط حول القضايا العراقية وإنما تعداها إلى ارتباط ما يحدث عندنا بما يحدث عند غيرنا، وانبرى كهل إلى الحديث، بعد أن كان منشغلا لفترة بلف السجائر وإعطائها لغيره ممن كانوا ينتظرونها ويرحبون بها، وطرح قضية شغلت الآخرين، ومفادها أن ما يحدث عندنا في المنطقة مخطط له ومدروس منذ سنوات، وينفذ بالتدريج وبحكمة خبيثة، ومن قبل قوم غير قومنا وأن فشل سياسيينا وانغماسهم بالفساد هو جزء من تلك الخطة ليثبتوا لنا أن لا خير يرجى منكم، وحتى داعش وأمثالها وتماديها في البطش هي جزء من خطة لتركيعنا لما يريدون، من باب “أره الموت كي يرضى بالسخونة”.

وضحك صاحبنا وهو يعيد الجملة الأخيرة مرتين، مفسرا ضحكته بأنها سخرية من حكام المنطقة الذين يتوهمون أنهم هم من يقررون مستقبل بلادهم وأنهم ممكن أن يقبلوا وأن يرفضوا… وأنهم ممكن أن يؤثروا على صلب القضايا.

وخاض الكثير من الحاضرين في تفاصيل هذه القضية مستشهدين بتحاليل وتقارير ووجهات نظر سمعوها من هذه القناة أو تلك، ومارسوا بوعي الكثير من التقييم أو النقد والمفاضلة بين القنوات المتعددة فيما يتعلق بالمصداقية الإعلامية وحسن التغطية والتحليل للأحداث ومواكبة التفاصيل، ومدى ثقة هذا المتحدث أو ذاك بالقناة المفضلة عنده في موضوع الأخبار والحيادية والانحياز والنزاهة.

وتناول تقييمهم حتى أسماء من يظهرون على الشاشات بصورة متكررة تحت عنوان “محلل سياسي – أو خبير سياسي”.

وقد تجلت بوضوح ثقافة القنوات الفضائية حتى بين الأميين، حيث فتحت أمامهم آفاق المعرفة والمعلوماتية فقامت بدور تنويري ذي طبيعة تراكمية وأخرجت المواطن -وخاصة في الأرياف والقرى والمدن الصغيرة- من عزلتهم الثقافية وحتى الحضارية، وقربتهم مما يجري في العالم دون حصار رقابي أو منع قسري.

الفضائيات -كجزء من العالم الإلكتروني الذي نعيش تطوره الخارق المتسارع- فتحت أمام المواطن آفاقا غير محدودة “للفرجة”، بعد أن كانت عينه لا ترى غير ما تبثه محطته المحلية، الحكومية طبعا.

سألت الحاضرين عن علاقتهم بالمحطات الفضائية وتعددها والتي تجاوزت الثمانمائة في الفضاء العربي، فاشتكوا من عدم قدرتهم على منع صغارهم من مشاهدة ما لا تليق مشاهدته، وكغيرهم من الناس تذمروا من الخلاف داخل العائلة على مشاهدة هذا أو ذاك، ووجدوا أن تعدد القنوات وكثرة البرامج وتنوعها مربكة في عملية الاختيار، فتولد عند بعضهم عادة الإمساك بالريموت كنترول والتجوال بين القنوات دون استقرار مما يثير غضب من يشاركك الجلسة.

ولكن الآراء كلها اتفقت على أنهم لا يمكن أن يتصوروا حياتهم الآن بدون الهاتف المحمول وبدون جهاز استقبال الفضائيات الذي ملأ حياتهم معرفة وتسلية وبهجة ومكنهم وهم في بيوتهم القروية البسيطة من أن يتابعوا أخبار الدنيا وأحداث السياسة وتفاصيل النزاعات وأن يحضروا مباريات كرة القدم في العالم ويسمعوا الموسيقى ويحضروا الحفلات ويشاهدوا المسلسلات.

وكانوا في منتهى السعادة عندما تحدثوا عن مشاهدة الأفلام عبر التلفزيون، فمعظمهم لم يدخلوا صالة سينما في حياتهم ولم يشاهدوا فيلما من قبل… “الفضائيات تقدم لنا العشرات من الأفلام يوميا، الفضائيات جلبت السينما إلى بيوتنا”.

عندما عدت بسيارتي ليلا كانت شاشات التلفزيونات المتتالية تشع بين أشجار البساتين المحيطة بالبيوت الصغيرة التي خرج أهلها يبحثون عن نسمة هواء تخفف من لافح ليل أغسطس اللهاب .. خرجوا ومعهم التلفزيون بفضائياته التي لا استغناء عنها.

18