الفضائية التي يكرهها الرئيس

الثلاثاء 2017/12/05

للدول أعداء في العالم، ذلك أمر طبيعي، وصل الأمر إلى حد الاحتراب، ولدول أخرى أعداء ليس من الدول فحسب بل ومن وسائل الإعلام. لكن من غير المألوف أن يكون للولايات المتحدة، القوة الأعظم في العالم، عدو من داخلها ممثل في إحدى أذرعها الإعلامية.

والأمر يتعلق بالمواقف المتشددة التي لا تكاد تنتهي، تلك التي يتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه وسائل الإعلام. لم تكد تغادر أذهان الإعلاميين تلك العبارة القاسية التي أطلقها الرئيس تجاه موقع “باز فيد” بأنه ليس إلا “كومة من القمامة” ثم تطور الأمر إلى لوم أجهزة الاستخبارات بأنها لا تقوم بواجبها كما يجب في تعقب الأخبار، قائلا “إنه من المشين أن تسمح وكالات الاستخبارات بنشر أخبار خاطئة ومفبركة، إنه أمر مشين”.

وبعد قيامه بتدوير وإعادة نشر تغريدات عنصرية مسيئة للمسلمين كانت قد نشرتها جيدا فرانسن، المعروفة بعنصريتها ضمن مجموعة «بريطانيا أولا» اليمينية المتطرفة، عاد ترامب إلى وسائل الإعلام ليصب جام غضبه هذه المرة على الفضائية ذائعة الصيت “سي إن إن”.

قال الرئيس ما نصه إنّ شبكة “سي إن إن” التلفزيونية تنشر أخبارا كاذبة وتمثل الشعب الأميركي بشكل سيء في الخارج، وأضاف أنّ العالم الخارجي يجد صعوبة في رؤية الحقائق الأميركية، بسبب الأخبار الكاذبة التي تصدّرها سي إن إن.

وكان رد سي إن إن مفحما بل هو درس عميق يوضح حقيقة وظيفة الإعلام والمؤسسة الإعلامية لمن يجهلها، حيث قالت “مهمتنا هي نقل الأخبار وليس تمثيل أميركا في العالم، أما تمثيل الولايات المتحدة فإنه يندرج ضمن الوظائف الملقاة على عاتقك”.

لا شك أن الخلط بين الإعلامي والسياسي هو الذي صوّبت باتجاهه تلك المؤسسة الإعلامية العريقة ولفتت الأنظار إليه، ثم وجهت الأنظار إلى وظيفة الإعلام الأساسية في عالم حر مبني على مبدأ الفصل بين السلطات.

فمن مِن الدول أكثر حرصا واهتماما بالخطاب الإعلامي الحر وبتقديس مبدأ حرية الصحافة والصحافيين أكثر من الولايات المتحدة؟ وكيف يمكن للإعلاميين ووسائل الإعلام أن يتقبلوا هذا التخليط وهذه الازدواجية المريرة؟

في حلقة دراسية ضمت مجموعة من الباحثين أقامتها جامعة كولومبيا مؤخرا ناقشت إشكالية الإعلام الأميركي تحت رئاسة ترامب وذهب الخبراء إلى محصلة أنه على الرغم من التحول الدراماتيكي الذي شهده الإعلام الأميركي تحت حكم ترامب، إلا أنه ليس إلا امتدادا لحقبة الرئيس الأسبق نيكسون في تدخله في شؤون الصحافة ومؤسسات الإعلام.

وعلى صعيد وسائل التواصل الاجتماعي تحدث أحد الباحثين عن ظاهرة “الاستحواذ على الفترة الصباحية” من قبل ترامب بإطلاقه تغريدات مثيرة للجدل. أما صحيفة فايننشال تايمز فقد نشرت تغطية موسعة تحت عنوان “أسرار وأكاذيب: الاستخبارات والإعلام في حقبة ترامب”، خلصت إلى أن هنالك مصطلحات لم يكن من المألوف أن تطلق على الصحافة الأميركية وعموم وسائل الإعلام من قبيل عدم النزاهة والمثير للاشمئزاز وإطلاق نعوت على بعض الصحافيين من قبيل أنهم حفنة من الحثالة.

ظاهرة الفضائية التي يكرهها الرئيس لم تعد متعلقة بالسلوك المهني وطريقة التغطيات الإعلامية لشبكة سي إن إن، بل بمجمل المشهد الإعلامي السائد الذي صار يتحول يوما بعد يوم إلى ظاهرة غير مسبوقة، ولم يعد أمرا صادما أن تسمع وتشاهد رئيس القوة الأولى في العالم تارة يسخر وتارة يشتم وتارة يغرد ضد وسائل إعلام وأن هنالك قائمة من الصحافيين الذين يكرههم الرئيس.

18