"الفضائيون" تركة المالكي التي تنخر جيوب العراقيين

الاثنين 2015/02/02
محاولات الإصلاح الجادة تبدأ بإعادة هيكلة الجيش العراقي وفق عقيدة وطنية لا طائفية

القاهرة – التوجه “الإصلاحي” الذي اتسمت به مقولات حكومة حيدر العبادي وتصريحات أعضائها، منذ أشهر، خاصة في ما يتعلق بمجابهة ظاهرة “الفضائيين”، الذين يُثقلون كاهل الدولة العراقية بمصاريف مجحفة دون تقديمهم لمقابل، لئن بدا يكشف عن تمشٍّ سليم لدى البعض خاصة من قبل أولئك المقربين من دوائر السلطة، إلاّ أنّه بدا في نظر البعض الآخر محاولة ليست محكومة بإرادة جدية للإصلاح بقدر ما هي تهدف إلى التملص من تركة المالكي، التي لم يُحاسب عليها، وإعادة ترتيب لأوراق اللعبة.

يبدو أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يتجه نحو وضع استراتيجية جديدة لمحاربة الفساد الّذي استشرى في أجهزة الدولة ومؤسساتها خلال السنوات الماضية التي سبقت توليه للسلطة. ويأتي ملف “الفضائيين” أو “الموظفين الوهميين” في مقدمة الملفات التي تحظى بأهمية خاصة في هذا الإطار. فقد فرضت تلك الظاهرة تأثيرات سلبية متعددة على العراق، يتلخص أبرزها في تكبيد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة، وضعف واختراق الأجهزة الأمنية، وتأجيج الصراعات السياسية، ونشر حالةٍ من عدم الاستقرار، والتخوف من تشكيل “جيوش موازية”. وعلى الرغم من ذلك، فإن فرص تحجيم الظاهرة وتقليل آثارها لا تزال مرهونة بتخلي السلطات العراقية خلال الفترة القادمة عن تبني السياسة نفسها، التي كان يتبعها رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي.


من هم الفضائيون؟


ارتبطت ظاهرة “الفضائيين” في العراق بفترة رئاسة نوري المالكي للحكومة، التي استمرت ثماني سنوات. ويقصد بـ”الفضائيين” مجموعات من الموظفين الذين يتقاضون رواتب ومخصصات مالية دون القيام بأي عمل نظير ذلك، وينتشرون بشكل كبير في كافة مؤسسات وأجهزة الدولة العراقية، لا سيما أجهزة الجيش والشرطة؛ وقد كشف رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، في 30 نوفمبر 2014، عن وجود ما يزيد عن خمسين ألف ضابط وجندي في أربع فرق عسكرية ضمن هذه الفئة.

500 مليون دولار قيمة المرتبات التي تصرف لحوالي 50 ألف موظف "فضائي" سنويا

فضلا عن ذلك، تفيد الدراسة الصادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بأنّ هذه الفئة تتواجد كذلك في كافة مؤسسات الجهاز الإداري للدولة من مستشارين في الوزارات، ونواب في البرلمان، بالإضافة إلى وجودها بشكل مكثف في البلديات والمحافظات. وقد امتدت هذه الظاهرة بشكل واسع إلى إقليم كردستان، ممّا أصبح يشكل خطرًا كبيرًا على بنية الدولة العراقية برمّتها، وسير العمل فيها.

وفي ذات السياق، فقد ساعد المناخ العام في العراق خلال السنوات الأخيرة، بشكل ملفت للانتباه، في انتشار هذه الظاهرة، حيث ظلت العراق تعاني أزمات متعددة، بدءًا من تصاعد حدة الصراعات الطائفية بالتزامن مع انتشار أعمال العنف وتعثر العملية السياسية، وانتهاءً بسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، المعروف إعلاميا بـ”داعش” على مناطق واسعة في الشمال.


أية تأثيرات لهذه الظاهرة؟


في سياق عرض أهمّ التبعات والانعكاسات التي انجرّت عن الانتشار الواسع لظاهرة “الفضائيين” في العراق، أوضحت الدراسة أنّها تأثيرات سلبيّة الطابع شملت تقريبا جميع المجالات المؤثرة والحيوية في البلاد، يتمثل أبرزها في:


* خسائر اقتصادية فادحة:

حيث أدى تقاضي هؤلاء الموظفين -سواء من العسكريين أو المدنيين- لمرتبات شهرية، إلى استنزاف موارد الدولة، مما ألقى بظلاله على ضعف المعدلات التنموية. فوفقًا لبعض التقديرات؛ فإنّ مرتبات 50 ألف موظف “فضائي” تصل إلى 500 مليون دولار سنويًا، وهو ما يشكل خسائر مالية ضخمة للعراق، خاصة أنهم مجرد جزء فقط من إجمالي “الفضائيين” في كثير من مؤسسات الدولة؛ حيث تسعى الحكومة في الوقت الحالي إلى حصر أعدادهم في كافة المؤسسات.


* إضعاف الأجهزة الأمنية:

تشير الدراسة إلى أنّ انتشار ظاهرة الجنود “الفضائيين” ساهم في ضعف الأجهزة الأمنية وترهّلها، وعدم قدرتها على التّصدي للأخطار والتهديدات الأمنية التي واجهتها العراق، وهو ما كشف عنه الأداء الضعيف والانسحاب السريع للجيش العراقي في المواجهات الّتي نشبت مع عناصر تنظيم “داعش”، بدءًا من يونيو 2014، ممّا أسفر عن سقوط مناطق واسعة في شمال العراق في يد التنظيم.


*تأجيج الصراعات السياسية:

بات الكشف عن هذه الظاهرة يمثل خطرًا حقيقيًّا على الاستقرار في العراق على مستويين؛ يتمثل الأول، في البعد السياسي للصراع، لا سيما مع توجيه اتهامات ضمنية من قبل حكومة العبادي لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي بأنه هو وكبار قيادات نظامه وحلفائه وقفوا بشكل أساسي وراء انتشار هذه الظاهرة، في الوقت الذي شكك فيه المالكي في وجود “فضائيين” في الأجهزة الأمنية، وطالب أجهزة الدولة بتحري الدقة في المعلومات الذي تقدمها لرئيس الوزراء. أمّا الثاني، فينصرف إلى اتساع نطاق الاحتجاجات من جانب بعض الفئات من “الفضائيين” الذين تم فصلهم أو استبعادهم عن أعمالهم، وهو ما تجلى في التظاهرات التي شهدتها محافظة البصرة لمئات من المستبعدين، مطالبين بعودتهم إلى وظائفهم مرةً أخرى.

سياسة الإصلاح ستواجه مقاومة حقيقية خاصة مع ارتباط الملف بمسؤولين كبار داخل الجهاز الإداري للدولة


ما هي إجراءات المواجهة؟


في إطار سعى الحكومة العراقية لموجهة هذا المد “الفضائي” في مختلف مؤسسات الدولة، وفق ما أفادت به الدراسة الصادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، بدأت السلطات في اتخاذ مجموعةٍ من الإجراءات التي يأتي في مقدمتها الاستبعاد من الوظائف العامة؛ حيث قامت باستبعاد 26 من كبار قيادات وزارة الداخلية عن مناصبهم وإعفائهم من مسؤولياتهم، وتعيين آخرين بدلا عنهم في بداية شهر ديسمبر 2014، فضلا عن إجراء بعض الإصلاحات داخل الأجهزة الأمنية والشرطة لتحسين فعاليتها، ورفع كفاءتها لمواجهة الإرهاب والجريمة، خاصة في ظل العجز الذي بانت عليه هذه الأجهزة غداة سيطرة تنظيم داعش على مناطق شاسعة من العراق. ولم يقتصر الأمر على القيادات العسكرية والأمنية فحسب، فقد شملت عمليةُ الاستبعاد أعدادًا كبيرةً من موظفي البلديات والمحافظات، خاصةً في مدينة البصرة.

ويتزامن ذلك مع قيام الأمانات المختلفة بإجراء تحقيقات موسعة للكشف عن الموظفين، حيث أجرى المفتش العام بأمانة بغداد محمد صابر روؤف، في ديسمبر 2014، تحقيقات ومتابعة وجولات ميدانية في مقر بلدية الغدير للتحري والكشف عن هذه الظاهرة، وهي السياسة التي اتبعها يحيى الناصري محافظ ذي قار كذلك، والذي أعلن عن قيام المحافظة بمتابعة قاعدة بيانات الموظفين لمواجهة هذه الظاهرة التي أضحت تثقل كاهل العراق والعراقيين إلى درجة لم تعد تطاق، وفق مراقبين.


ما مدى جدية الإصلاحات؟


بالمقابل، يرى مراقبون أنّ ما أجراه العبادي تحت مسمى “الإصلاحات”، ما هي إلا عملية تدوير “نفايات” ظاهرها سياسي وباطنها طائفي، فعلى الرغم من تسليط حكومة العبادي الضوء على الفساد والأموال المبددة وظاهرة “الفضائيين” وحالات إعفاء العشرات من الضباط والمسؤولين من مهامهم، وغير ذلك مما يظهره الإعلام “المسيّر” في خدمة العملية السياسية على أنه إصلاح، إلا أن شيئًا من عقوبة أو إحالة إلى القضاء لم يجر تجاه أية حالة من الحالات التي رقص لها داعمو الحكومة والعملية السياسية من أحزاب وإعلاميين وجهات دولية وإقليمية، بل ما حصل هو العكس، فمن يتابع مجريات الأحداث يجد أن جميع من شملهم “الإصلاح” تمت مكافأتهم كل حسب حالته، فمنهم من تقلّد منصبًا جديدًا، ومنهم من يتقاضى راتبًا يكفي لإعانة مخيم كامل للنازحين الذين يبيتون ليلهم بين لجة مياه الأمطار وسياط الجوع والبرد.

وبينما فتح حيدر العبادي ذراعيه مبتهجًا بمن يثني على “إنجازه” الكبير، واستئصاله لأدوات الفساد وسعيه لإدارة الحكومة بشكل “صحيح وسليم ومتوازن”، وفق ذات المراقبين، أدار ظهره لسؤال العقل واستفسار المنطق؛ حينما طلبا منه جوابًا عن سبب موافقته على شرط المالكي استثناءه من المساءلة القانونية وتسليمه منصبًا يمنحه حصانة سياسية مقابل تنازله عن السلطة في الفترة التي رافقت عاصفة تشكيل الحكومة الهوجاء، وهو ما حصل بأن أعطي منصب نائب رئيس للجمهورية، ولوى برأسه صدًّا عنهما حينما أرادا تفسيرًا لظاهرة الفساد الذي كشفه دون أن ينال من تسبب به عقوبته التي يستحقها

وفي ذات السياق، فإنّ العبادي “المصلح” الذي طرد آلاف الجنود الفضائيين ـ ممن كسروا ظهر الميزانية ـ من باب الأجهزة الحكومية، وفق رأيهم، عاد وأدخلهم من شبّاك الحشد الشعبي وهيئته التي شكّلها مؤخرًا وهي بحد ذاتها مدعاة لانهيار تام لاقتصاد البلد، وقد بدت بوادر ذلك بحديث نوّاب وسياسيين عن تخفيض رواتب الموظفين وأساتذة الجامعات إلى النصف، فضلاً عن مشروع فرض الضرائب على العراقيين، دون مساس بما يتقاضاه أعضاء مجالس النوّاب والوزراء والرئاسة، وأفراد الصف الثاني من أقاربهم الذي يديرون شركات ويتحكمون بالأسواق وخطوط التجارة وعقود النفط وما إلى غير ذلك.

7