الفضول لا يقتل القطط فحسب!

الحديث عن الرواتب بين الموظفين حتى عندما يصبح متاحا ولا سر فيه، وهو هدف دعا إليه الخبراء من أجل ضمان سياسة الشفافية في الأجور داخل بيئات العمل، لن يكسر “دوامة الحسد”.
الاثنين 2019/10/28
الحديث عن الراتب يفسد العلاقة بين الموظفين

يعد الفضول من السمات الدائمة في الطبيعة البشرية، وبفضله استطاع الكثيرون تحقيق عدة مكاسب علمية، والخروج بأفكار وتفسيرات لظواهر مبهمة، ولم يكن هذا ممكنا دون ذلك الحب الجامح للاستطلاع، الذي يتجاوز الأطر الضيقة ويبحث عن الجديد من الأفكار.

لكن ثمة جانبا آخر في شخصية البعض من الفضوليين، لا يقود على الأرجح إلى أنماط تفكير مبتكرة، فإذا كان المثل الإنكليزي الشهير يقول، “الفضول قتل القطة”، فإن الروائي الأميركي جورج مارتن يتساءل، “لماذا حين يبني شخص ما جدارا، يصبح لجاره الفضول في أن يعرف ماذا يوجد خلف الجهة المقابلة؟”.

التحلي بـ”الفضول المعرفي” يساعد أصحابه على الوصول إلى الحقائق العلمية، وعلى العكس من ذلك، يقود التطفل على حياة الآخرين الخاصة إلى تبعات غير حميدة، وقد يصبح  نوعا من النزوع المرضي إلى محاولة معرفة كل صغيرة وكبيرة تخص الغير، وميول كهذه تجعل أصحابها يبدون كما لو أنهم شخصيات شديدة السوء، والأسوأ من هذا كله أنها قد تحوّل حياتهم إلى دورة مستمرة من القلق والتوتر بسبب الرغبة الدائمة في معرفة تفاصيل حياة الغير.

في عام 2016 أرسلت امرأة قصتها إلى صحيفة الغارديان البريطانية، لتحكي عن صدمتها المضاعفة بسبب تعمدها التجسس على الرسائل الإلكترونية لخطيبها السابق من دون علمه، ولأنه كان يريد أن يختبر ثقته فيها لم يغير كلمة المرور الخاصة به بعد انفصالهما، ولكنها فشلت فشلا ذريعا في ذلك الاختبار.

أدركت هذه المرأة أنها لم تجن من تطفلها على خطيبها السابق سوى المزيد من الحزن، بعد أن اكتشفت من خلال إحدى الرسائل الإلكترونية أنه على علاقة بامرأة أخرى غيرها، ومن حسن حظها أنها تعلمت من هذا الدرس حتى وإن كان مؤلما.

أسوأ ابتلاء يمكن أن يبتلي به الإنسان هو أن يدفعه فضوله إلى محاولة دسّ أنفه في شؤون غيره، فيصبح مدمنا على هذه العادة السيئة، وقد يجعله هذا الأمر يتجشم عناء المتاعب جراء سعيه إلى معرفة أشياء لا تعنيه، بل قد تزعجه وتعكر مزاجه وتمنعه من ممارسة مهامه اليومية براحة بال.

أسوأ ابتلاء يمكن أن يبتلي به الإنسان هو أن يدفعه فضوله إلى محاولة دس أنفه في شؤون غيره، فيصبح مدمنا على هذه العادة السيئة، وقد يجعله هذا الأمر يتجشم عناء المتاعب جراء سعيه إلى معرفة أشياء لا تعنيه

هناك من الموظفين لا شغل ولا مشغل لهم غير السؤال المكرر عما يتقاضاه زملاؤهم من رواتب، رغم أن تبادل التفاصيل بشأن مسألة الأجور، قد ينعكس في بعض الأحيان سلبا على معنوياتهم، وخصوصا إذا ما اكتشفوا أن رواتب زملائهم أعلى مما يتقاضونه.

تقول ميتشيل غيلان، مؤسسة “معهد البحوث التطبيقية الإيجابية” في الولايات المتحدة، “الناس منشغلون دائما بالمقارنة. وإذا شعروا أنهم يحصلون على مال أقل من شخص آخر في نفس المكتب، فربما لا يكونون راضين بذلك الوضع”.

وبينما قد تكون العلاقة بين الموظفين ودية في أغلب الأحيان، فإن العداء قد يظهر مباشرة إذا رفض أحدهم الإفصاح عن راتبه، وحتى في ظل التحدث عن ذلك صراحة، فإن هذا الأمر قد يولّد جوّا من التوتر، وتستشري السلوكيات المعيقة للعمل وغير المنتجة.

ومن الجانب الآخر قد يرى البعض، أنه ليس من الملائم أو المريح أن يخبروا زملاءهم بمقدار ما يجنونه من مال، تجنبا لما يمكن أن يثيره ذلك من غيرة وحسد، ورغبة في الاحتفاظ بمساحة من الخصوصية لأنفسهم في هذا الجانب، وهذا من حقهم.

من غير المستبعد أن العديد من القطاعات تكون مسؤولة عن توجّس موظفيها ودفعهم إلى محاولة معرفة رواتب غيرهم، لاسيما في المناصب التي تغلب عليها المعايير الشخصية في تقييم الأداء والمهنية، لكن مشكلة تحديد الراتب تظل بالأساس مشكلة إدارية وليست مشكلة زملاء العمل، وهذا الأمر يجب أن يبحثه الموظف مع مديره المباشر وليس زميله، لأن رب العمل هو وحده القادر على تحديد الترقيات وفقا للبراعة والمهارة وجودة العمل المقدّم.

مع كل ما سبق، قد يكون بذل جهد أكبر لتحقيق التفوق والتميز المهني من أجل الحصول على المكافآت المادية، أهم بكثير من التركيز على ما يتقاضاه الغير من راتب.

في اعتقادي الشخصي، إن الحديث عن الرواتب بين الموظفين حتى عندما يصبح متاحا ولا سر فيه، وهو هدف دعا إليه الخبراء من أجل ضمان سياسة الشفافية في الأجور داخل بيئات العمل، لن يكسر “دوامة الحسد”، التي تغذي فضول البعض وتدفعهم إلى السؤال المعتاد عمّا يتقاضاه زملاؤهم.

21