الفطرة والمراس

الخميس 2015/11/19

لا يمكن لكاتب قصة وحيدة أن يطمع في لقب قاص، ولا لمؤلف قصيدة يتيمة أن يحظى بلقب شاعر، ولكن يمكن لمبتدئ أن يصنَّف كاتبا روائيا منذ روايته الأولى، وقد تكون الأخيرة، حتى ولو كانت ضعيفة. وبما أن الرواية صارت اليوم موضة العصر، حتى أن أغلب الناشرين ما عادوا ينشرون سواها، فقد أقبل عليها كل من آنس في نفسه القدرة على الكتابة.

كذا الشعراء الذين كسدت سوقهم بعد أن أوصلوا الشعر إلى طريق مسدودة، والأكاديميون الذين يكتبون بحوثا لا تغادر الحرم الجامعي، والصحفيون الذين يرون في قضايا المجتمع وحوادثه ما يجدر أن يتحول إلى عمل روائي، والمبتدئون الذين لم يجربوا الكتابة أصلا.

وإذا كانت ميزة الرواية -وكذا الأدب بعامة- أن من يخوض غمارها لا يحتاج إلى إذن من أحد، فإن من أوكد الواجبات معرفته بمراحل نشوئها وتطورها، وتمرسه بأساليبها وأشكالها، وإلمامه بتقنياتها، فضلا عن امتلاكه اللغة امتلاكا تكون فيه قادرة على التعبير عن مختلف شخوص الرواية ومستويات خطابها، وإلا جاء العمل أشبه بـ”سكين بلا شفرة لا ينقصها غير المقبض” كما يقول ليشتنبرغ. صحيح أن ثمة من يبلغ ضالته بالفطرة، وهذا نادر، ولكن الفطرة وحدها لا تكفي، ولا بدّ أن يرفدها تمرس بهذا الفن السردي وشروطه.

فقد لاحظنا في كثير مما تغرقنا به دور النشر العربية محاولات لا تشي بضعف الخيال فقط، بل تنمّ أيضا عن عدم خبرة أصحابها بالأدب الروائي، وما جربوه إلا بحثا عن أقصر السبل للحصول على تلك الصفة المغرية. ولو خالطت هؤلاء لاكتشفت بغير مشقة أنهم لم يطلعوا على المنجز الروائي الغربي ولا العربي، وما كتبوا إلا لأن في ذهنهم حكاية يرونها جديرة بالحكي، وما دروا أن الرواية ليست حكاية تروى وإلا لكانت طوع أيّ متعلم، وفي ذهن كل إنسان ما يثير الدهشة، وهو ما عناه الجاحظ بقوله “المعاني مطروحة في الطريق”.

وفي رأينا أن خير وسيلة للتمرس هي المطالعة، فقد بدأنا كلنا بالقراءة قبل أن ننتقل إلى الكتابة، وكل كاتب هو قارئ بالأساس، عشق الكتب التي قرأها فرام الاستئناس بها، ثم عزم على التأليف ليضع كتابا تمنى قراءته ولم يعثر عليه، ولو أنه يعيد بشكل أو بآخر ما كتبه السابقون، فكل الحكايات قيلت، وكل الألحان صيغت، وكل الألوان جرّبت، ولا جديد إلا من جهة تناول الثيمات نفسها بحساسية المرحلة ولغتها، ومن جهة أسلوب هذا الكاتب أو ذاك وجدة مقاربته الشكلية.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15