الفقراء إلى ربهم!

وصف قادة النهضة الاتهامات الموجهة لهم بـ"الأكاذيب"، وبـ"الأراجيف". وجميعهم حاولوا مثل حمادي الجبالي أن يقنعوا التونسيين بأنهم "فقراء إلى ربهم".
الجمعة 2018/08/31
صورة الجبالي أثارت السخرية والامتعاض

مثل الثعلب في رواية الراحل محمد زفزاف، يختفي حمادي الجبالي الرجل الثاني بعد الغنوشي في حركة النهضة سابقا، ثم يظهر مرة أخرى ليأتي بما يزيد في تشويه سمعته.

 ومؤخرا ظهر على صفحات التواصل الاجتماعي وهو منشغل بصهر الحديد في معمل على ملك قريب له بمدينة سوسة، مرتديا زيّ العمال الأزرق. ولعله أراد من خلال هذه الصورة أن يثبت لمن اتهموه بأنه أصبح من أكبر أثرياء البلاد، أنه “فقير إلى ربه”، وأنه يكسب رزقه من عرق جبينه. ورغم المَسْكَنَة التي أظهرها، لم يكسب الجبالي ودّ الناس وتعاطفهم، بل أطلق ألسنتهم ليعبروا عن سخريتهم وامتعاضهم منه.

ولم يكن حمادي الجيالي الوحيد من قادة النهضة “الكبار” الذي بَرّأ نفسه من تهمة الثراء الفاحش. فقد فعل ذلك آخرون روجت وسائل الاتصال الاجتماعي أنهم أصبحوا يتنقلون في طائرات خاصة، وفي سيارات رباعية الدفع، ويملكون عقارات وضيعات ومحلات تجارية وفنادق سياحية، ويسكنون فيلات وشققا راقية، بل يقضون عطل الصيف في اليخوت.

وفي حفلات الزفاف أو الختان يظهر قادة النهضة وأنصارها وقد بدت عليهم علامات الترف والنعمة. وعلى نغمات الأناشيد الدينية يرقصون ويصفقون. لذلك لم يعد التونسيون يترددون في نعتهم بـ”الطرابلسية” الجدد، أي بأصهار بن علي الذين استغلوا وجود شقيقتهم في قصر قرطاج لكي يعيثوا فسادا في البلاد، من دون حسيب ولا رقيب…

وعبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وصف قادة النهضة الاتهامات الموجهة لهم بـ”الأكاذيب”، وبـ”الأراجيف”. وحاولوا جميعهم مثل حمادي الجبالي أن يقنعوا التونسيين بأنهم “فقراء إلى ربهم”. إلاّ أن تهمة الثراء الفاحش ظلت تلاحقهم أينما حلوا، وحيثما ولوا وجهتهم إذ لا يمكن أن يكون هناك دخان من دون نار، ولا يمكن للتونسيين أن يطلقوا تهمة خطيرة كهذه لو لم يستندوا إلى حقائق وحجج دامغة قد يكون من الأفضل لقادة النهضة الاعتراف بها.

ولعل أنصعَ هذه الحقائق وهذه الحجج هي أن النهضة استغلت قيادتها لحكومة “الترويكا” بعد سقوط نظام بن علي في عام 2011 لتهب أنصارها الذين يعدون بالآلاف تعويضات مالية ضخمة بدعوى أنهم من ضحايا “سنوات الجمر”. وقد استفاد من تلك التعويضات حتى من كانوا مورطين في جرائم إرهابية مثل “جماعة سليمان” الذين رفعوا السلاح للإطاحة بنظام بن علي في ربيع عام 2006. بالإضافة إلى ذلك، أثقلت حركة النهضة الإدارة والمؤسسات العامة والخاصة بأنصار فاقدين للكفاءة والتجربة لتغرق البلاد في أزمات اقتصادية خانقة قد تستمر لسنوات طويلة أخرى. بل قد تؤدي إلى إفلاس الدولة كما كان الحال في اليونان…

وكان من الطبيعي أن تفقد النهضة الصورة “الطهرانية” التي كانت تضفيها على نفسها في زمن معارضتها لنظام بن علي “الفاسد”. فقد كشفت التعويضات للتونسيين أنها -أي النهضة- تضع مصالحها الخاصة، ومصالح أنصارها فوق كل اعتبار ليبدو نضالها وكأنه لم يكن من أجل “نصرة الإسلام” كما كان يزعم قادتها، وإنما كان ذريعة للفوز بالجاه والسلطة، ووسيلة للحصول على الثروة، وكسب أنصار جدد، وشراء الضمائر.

لهذا قد لا يكون التونسيون مخطئين عندما يُحمّلون النهضة جزءا من المسؤولية في تدهور أوضاعهم المعيشية، وفي انهيار الطبقة الوسطى التي كانت عمادا لنظامي بورقيبة وبن علي، وفي الهبوط المفزع لسعر الدينار، وغير ذلك من الأزمات والكوارث التي ظلت تعذبهم على مدى سبع سنوات عجاف لم يعودوا يطالبون فيها بـ”الحرية والكرامة” كما كان حالهم في زمن بن علي، بل بالماء والكهرباء والدواء والأمن بعد أن شهدت البلاد على مدى السنوات الماضية اختلالا امنيا لم يسبق له مثيل!

9